مع اعتماد السيسي ونظامه النهج الاستبدادي في القرارات والمشاريع، بل وفي إدارة دولاب الدولة، تزايدت أزمات مصر في الآونة الأخيرة، إثر مشاريع بلا جدوى، تبتلع أموالا بلا مردود اقتصادي أو اجتماعي، ومن ضمن تلك المشاريع، ما أعلنه رئيس وزراء السيسي مصطفى مدبولي، قبل أيام بسيناء، من تجهيز تجمعات سكنية مخططة في مدن رفح والشيخ زويد والعريش، لاستيعاب أهالي سيناء المهجرين منذ العام 2014، وهو ما رأه عواقل ومشايخ قبائل سيناء، بأنه إخلال بالاتفاقات السابقة مع الدولة والجيش.
وقد انقضى شهر أكتوبر الماضي، والذي حددته الدولة موعدا لأهالي مدينتَي رفح والشيخ زويد بمحافظة شمال سيناء، للعودة إلى قراهم بعد تهجير قسري امتد منذ عام 2014، وذلك من دون تنفيذ الدولة وأجهزتها الأمنية لوعودها، يأتي ذلك على الرغم من أن الأهالي عاونوا الجيش بطرد تنظيم ولاية سيناء الموالي لتنظيم داعش من مناطقهم.
آخر الوعود كانت على لسان زعيم اتحاد قبائل سيناء، رجل الأعمال السيناوي المقرب من السلطة وأجهزة الأمن إبراهيم العرجاني، الأسبوع الماضي، خلال تمهيده لزيارة رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، وعدد من القيادات الأمنية والعسكرية إلى شمال سيناء، يوم الثلاثاء الماضي، إلا أن لقاء مدبولي بعواقل ومشايخ سيناء لم يكمل عدة دقائق، قبل أن ينسحب باتجاه معبر رفح ومن ثم مغادرة سيناء.
ووفق مصادر قبلية، فإن قيادة الجيش الثاني الميداني ورئاسة الوزراء والمخابرات، دعت عددا من مشايخ القبائل لاستقبال الوفد الحكومي والعرجاني في مقر الكتيبة 101 في مدينة العريش، ليصطدموا بإعلان مدبولي عن مشروع التجمعات السكانية للمهجرين من مدينتي رفح والشيخ زويد، بدلا من عودتهم إلى قراهم وأراضيهم كما كانت الوعود.
إذ إن أهالي سيناء، متفقون على رفض أية فكرة لا تضمن عودة الأهالي المهجرين إلى أراضيهم التي طُردوا منها بحجة مكافحة الإرهاب، ويُرفض اليوم عودتهم إليها برغم طردهم للإرهاب بأيديهم.
وأعلن مدبولي خلال زيارته لسيناء عن رؤية الدولة لإعادة تسكين الأهالي في رفح والشيخ زويد من خلال دمج القرى وبناء تجمعات تنموية، والتي أطلق عليها المرحلة الثانية لتنمية شمال سيناء.
وقال: إن “المواطنين الذين اضطروا للخروج من قراهم، بسبب الإرهاب سوف يعودون لأماكن مخططة، تنفذ تحت إشراف الدولة حتى لا تكون المنطقة عشوائية، وأشار إلى أن الدولة ستنشئ 21 تجمعا تنمويا منها 6 في رفح، و11 في الشيخ زويد، و4 في العريش يُراعي فيها الطابع البدوي، ووضع مدبولي حجر الأساس لـ3 تجمعات فقط، من دون تحديد توقيت الانتهاء منها”.
وكان أبناء القبائل نظموا في 23 أكتوبر الماضي وقفات متعددة في رفح والشيخ زويد للمطالبة بالعودة لأراضيهم، بعد انقضاء المهلة التي سبق أن اتفقوا عليها مع مسؤولين بالدولة للعودة إلى قراهم، بحسب وعد تلقوه من أجهزة سيادية تفاوضت معهم لإنهاء اعتصام 25 أغسطس الماضي.
وقد عُقد خلال لقاء آنذاك في مقر الكتيبة 101 بحضور قائد الاستخبارات العسكرية في القوات المسلحة اللواء أركان حرب شريف فكري، وبعد فشل ذلك اللقاء في تحقيق نتائج ملموسة على الأرض، اجتمع ممثلو القبائل بعد أيام عدة مع العرجاني، في 10 سبتمبر الماضي، مع التأكيد على فتح القرى لعودة ساكنيها في الموعد المتفق عليه، إلا أن ذلك كله كان للحيلولة دون استمرار التظاهرات في سيناء.
وبحسب شهادات سيناويين، فإن ما جاء به مدبولي لا يتماشى مع الوعد السابق بعودة المواطنين إلى قراهم في رفح والشيخ زويد.
إذ إن ما أُعلن عنه مدبولي مسبقا من تجمعات سكانية تنموية لا تتناسب مع الوضع في سيناء، ولا عادات وتقاليد أهاليها في ظل رغبتهم بالعودة إلى أراضيهم حتى لو كان ذلك من دون أي تعويض.
إذ إن المواطن في سيناء يريد أرضه ولا يريد شيئا آخر من الدولة.
ووفق تقارير إخبارية تابعت لقاء مدبولي مؤخرا، فإن ما أعلنه مدبولي في مقر الكتيبة 101 بالعريش، انعكس على اللقاء في منطقة جنوب الشيخ زويد في ذات اليوم، حيث كان الغضب يعم المكان، وعلى وجوه كل الحاضرين مما اضطره إلى الانسحاب من بعد عدة دقائق من وصوله، وذلك ما أثار غضب إبراهيم العرجاني أيضا، والذي كان يرغب بصورة أفضل للقاء مع المشايخ.
يشار إلى أن العرجاني أبلغ عددا من المقربين منه أن ما اتُفق عليه مع الحكومة والأجهزة الأمنية يختلف تماما عما جاء به مدبولي خلال لقائه في سيناء وحضوره بين الأهالي.
وأوضح أن ذلك أدى لوجود إشكالية كبيرة ما بين مشايخ سيناء، خصوصا قبيلة الرميلات التي يقطن أبناؤها في غالبيتهم في المناطق المهجرة، والتي يرفض الجيش والقوات الأمنية عودة المواطنين إليها، مع العلم أن قبيلة الترابين التي ينحدر منها العرجاني عادوا بغالبيتهم إلى مناطقهم المهجرة خلال الأشهر الماضية التي تلت طرد داعش من سيناء.
اهداف خفية
وبقراءة المشهد في سيناء، فإنه على ما يبدو فإن الحكومة على ما يبدو تريد إخلاء أكبر مساحة من الأراضي، من أجل استثمارات زراعية وصناعية سبق وأن أعلنت عنها، تشارك فيها شركات العرجاني وشركاؤه، من أبناء السيسي، ومقربين من الأجهزة الأمنية.
فيما يذهب البعض إلى أن السيسي يريد إخلاء أراضي سيناء والمناطق المقربة من الحدود لكي يتمكن من أن يتفاوض مع أطراف إقليمية ودولية، فيما يتعلق بصفقة القرن أو طلبات التهجير المتسارعة خاليا خلال حرب إسرائيل على غزة.
وإلى إن تتضح الصورة، فإن المشهد يكشف أيضا عن اعتماد السيسي حلولا غير ذي جدوى، ترتكز على البعد الأمني فقط، دون الأبعاد الاجتماعية والتاريخية الأخرى، إذ إن البدو في سيناء، لا يفضلون سكن الشقق أو المناطق الضيقة ورغم ذلك يبني السيسي شققا وتجمعات على طراز غير مناسب للسيناويين ، وهو ما رفضه أهالي القبائل ومشايخهم مؤخرا مع مدبولي، وهو نهج شاهده المصريون في كثير من مشاريع السيسي، كمدينة الأثاث بدمياط، التي كلفت نحو 7 مليار جنيه، ولم ينتقل اليها صناع الموبيليا بدمياط لبعدها عن مراكز سكنهم وعملهم، وهو أيضا ما يتوافر في مشاريع زراعة المليون ونصف مليون فدان، في ظل أزمة نقص حصة مصر المائية، وكذا مشاريع العاصمة الإدارية الجديدة والعلمين الترفيهية، والتي ابتلعت الاحتياطي الأجنبي من البنوك، دون عائد ما تسبب في الأزمة الاقتصادية المتصاعدة حاليا.