قبل أسبوع قالت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية إن تأجيل الهجوم البري لجيش الاحتلال الإسرائيلي لغزة سببه سوء الأحوال الجوية، ومع دخول «طوفان الأقصى» التي أطلقتها فصائل المقاومة الفلسطينية فجر السبت 7 أكتوبر 2023م، أسبوعها الثالث، يقول موقع “بلومبيرج” الأمريكي إن الحكومات الأميركية والأوروبية تمارس ضغوطا على إسرائيل لتأجيل غزوها البري لقطاع غزة، وذلك بغرض كسب وقت لإنجاح محادثات سرية تجري بوساطة قطر لإطلاق من وصفتهم بالرهائن الذين تحتجزهم حركة المقاومة الإسلامية (حماس).
ورضخت حكومة تل أبيب بالفعل للرغبات الأمريكية ــ حسب مصادر بلومبيرج ــ وأجلت ما وصفت بأنها “عملية عسكرية واسعة النطاق للقضاء على حماس”. كما أن تل أبيب غيرت لهجتها بشأن الخطط الميدانية، ما يعد مؤشرا على أن النهج يذهب باتجاه عملية محدودة، بحسب الموقع الأميركي. أما السبب الثاني لتأجيل العملية البرية هو مخاوف المسئولين الأمريكيين من تأجج التوترات في المنطقة بما يهدد بتوسيع رقعة الصراع لتشمل مناطق أخرى قد تجبر واشنطن على التورط عسكريا في دعم إسرائيلي مباشرة.
هذه الضغوط الدولية لتأجيل العملية البرية، أكدتها قناة “12” الإسرائيلية الخاصة، الجمعة 20 أكتوبر 2023م، وقالت إن “ضغوطا دولية تمارس على إسرائيل لتأجيل العملية البرية في القطاع، إلى حين انتهاء المفاوضات لإطلاق سراح الأسرى لدى الفصائل الفلسطينية”، دون مزيد تفاصيل.
وكان الناطق باسم كتائب القسام أبو عبيدة قد أعلن الجمعة 20 أكتوبر عن إطلاق سراح أسيرتين أمريكيتين لأسباب إنسانية، هما أم وابنتها نتالي وجوديث رعنان، عبر وساطة قطرية حظيت بتقدير أمريكي وأوروبي. وكانت حماس قد أطلقت في 11 أكتوبر، سراح مستوطنة إسرائيلية (أم وطفليها)، لأسباب إنسانية. وتحتجز حماس نحو 200 إلى 250 أسيرا حسب بيان سابق لأبي عبيدة، فيما تحتجز فصائل أخرى نحو 30 إلى 50 آخرين.
وفي تقرير لصحيفة “جيروزاليم بوست” الإسرائيلية الثلاثاء 17 أكتوبر، قالت إن أسباب تأجيل الهجوم البري على قطاع غزة لا يعود فقط إلى الضغوط الغربية فيما يتعلق بمفاوضات الأسرى، بل يعود في الأساس إلى المخاوف الإسرائيلية من إشعال حزب الله الجبهة الشمالية. وتذهب تقديرات الموقف داخل قيادة جيش الاحتلال إلى أن حزب الله لم ينخرط في هجوم 7 أكتوبر لأنه يترقب اللحظة التي تنخرط فيها معظم قوات جيش الاحتلال البرية بالقتال في غزة لفتح جبهة كاملة في الشمال.
وتشير إلى أن التهديد المستمر بالحرب البرية قد يكون تكتيكا حربيا فيما يتعلق بالحرب النفسية ضد قطاع غزة؛ وأن الغزو البري قد يكون بعيدا وليس وشيكا بعد، لكن جيش الاحتلال يستغله في سياق الحرب النفسية؛ وتستدل على ذلك بأن جيش الاحتلال كان قد أعد نفسه للتوغل البري منذ نهاية تحذيره للفلسطينيين بإخلاء شمال غزة بمنتصف نهار الجمعة 13 أكتوبر. وبدأت طبول الغزو البري تقرع في وقت مبكر من يوم الإثنين 16 أكتوبر، حيث مهدت القوات الجوية الطريق بالفعل لعدة أيام من القصف المدمر، ومع ذلك، فقد مر يوم تلو الآخر دون هجوم بري.
وتستدرك الصحيفة بالتأكيد على أن كل هذه الأسباب لن تمنع جيش الاحتلال من غزو قطاع غزة بريا، لكنه فقط قد يكون قيد التحقق بشأن الاستعداد بشكل أفضل لهذه المواجهة المرتقبة، ولا سيما فيما يتعلق بنوايا حزب الله في الجبهة الشمالية.
تقرير “جيروزاليم بوست”، يؤكد أيضا أن هناك اعترافا عميقا داخل جيش الاحتلال وحتى على المستوى السياسي، أن الجيش لم يفعل شيئا كهذا من قبل منذ عقود، وأن الاندفاع إلى التدخل دون استعداد، لمجرد إشباع تعطش السكان للانتقام بشكل أسرع، يمكن أن يكون خطأً كبيرا. ويستشهد التقرير على ذلك بما جرى في حرب لبنان عام 2006 وغزة 2008 و2014، وقالت: “من هذا المنظور، كان الغزو البري لحرب لبنان الثانية عام 2006 عبارة عن فوضى كاملة، حيث كانت القوة الجوية هي الجزء الناجح، وكان غزو غزة في 2008-2009 و2014 أكثر رمزية” في إشارة إلى فشل الهجوم البري بسبب المقاومة العنيفة التي لا تجعل جيش الاحتلال مفرطا في ثقته. واعتبرت الصحيفة أن تحقيق «مفاجأة استراتيجية» ضد حماس أمر مستحيل نظريا لأن حماس هي التي بدأت هذه الحرب، لكن جيش الاحتلال يرغب في تحقيق مفاجأة تكتيكية على الأقل، الأمر الذي يتطلب تخطيطا كبيرا.
وإلى جانب الضغوط الغربية إما بشأن مفاوضات الرهائن أو التحفظ “النسبي” من جانب الغرب بشأن سقوط الضحايا المدنيين في غزة، أو حتى المخاوف من فتح جبهة شمالية، يعزو التقرير أسباب تأجيل الغزو البري إلى أسباب أخرى إضافية أبرزها مشكلة الأسرى الإسرائيليين في غزة؛ فهم أيضا معرضون للقتل بسبب القصف والغزو البري المحتمل. بخلاف منح الفلسطينيين مزيدا من الوقت للنزوح. ورغم الدعم الواسع من الولايات المتحدة والعواصم الغربية تحذر الصحيفة من سوء تقدير اللحظة الزمنية من جانب قادة جيش الاحتلال والقادة المدنيين على حد سواء.
خلاصة الأمر أن أسباب تأجيل الغزو البري كثيرة منها ما يتعلق بمفاوضات تحرير بعض أسرى الاحتلال من مزدوجي الجنسية، والخوف على مصير هؤلاء الأسرى. والسبب الثاني والأهم هو الخوف من فتح حزب الله جبهة قتال في الشمال مع انخرط جيش الاحتلال في التوغل البري في غزة. والسبب الثالث هو الخوف من العملية البرية ذاتها لأن جيش الاحتلال غير مدرب على ذلك والتجارب السابقة خير دليل على ذلك حين أوقعت المقاومة الكثير من الخسائر بقوات الاحتلال. والسبب الرابع هو الضغوط التي تمارسها عواصم أوروبية من أجل الحد من الخسائر المدنية في قطاع غزة؛ لما لذلك من تأثير كبير على الرأي العالم العالمي الذي بات أكثر تعاطفا مع المقاومة وقطاع غزة، لا سيما بعد مذبحة المستشفى المعمداني في 18 أكتوبر، والتي أسفرت عن مقتل 471 وإصابة نحو 600 آخرين معظمهم من الأطفال والنساء.