في إطار سياسات العقاب الجماعي، التي تنفذها إسرائيل ضد المدنيين بقطاع غزة، شددت إسرائيل من الأحزمة النارية التي تستهدف المدن والقرى الفلسطينية في قطاع غزة، مستهدفة دفع السكان للنزوح بعيدا عن غزة، من أجل إخلائها من سكانها للأبد، لتأمين توسعاتها الاستيطانية في غلاف غزة وفي الضفة الغربية والقدس.
ودعا جيش الاحتلال الصهيوني، الثلاثاء، سكان قطاع غزة المُحاصر إلى التوجه إلى مصر، مع استمرار الضربات الإسرائيلية العنيفة على مناطق متفرقة من القطاع، في حين أعلنت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا”، أن أكثر من 137 ألف شخص في قطاع غزة المُحاصر لجأوا إلى 83 مدرسة تابعة لها.
وقال اللفتنانت كولونيل ريتشارد هيشت، كبير المتحدثين العسكريين للإعلام الأجنبي في مؤتمر صحفي: “أعلم أن معبر رفح على الحدود بين غزة ومصر لا يزال مفتوحا، وأنصح أي شخص يمكنه الخروج بالقيام بذلك”.
وجاءت الدعوة الأولى من نتنياهو في اليوم الأول للحرب، حيث قال: “أدعو سكان قطاع غزة للرحيل والابتعاد فورا عن غزة، دون الإشارة إلى الجهات المحتملة لمغادرتهم لها”.
ثم عاد وجدد دعوته في خطابه، الإثنين، قائلا: إن “الحرب التي يشنها جيشه ستغير من شكل الشرق الأوسط للأجيال القادمة”.
فيما دعا الصحفي اليميني إيدي كوهين سكان غزة للهروب إلى مصر لإنقاذ حياتهم.
تهديد نتنياهو تزامن مع قلق أبداه مسؤولون سياسيون كبار في مصر، من أن أطرافا لم تسمها تدفع الفلسطينيين في غزة نحو حدودها في سيناء ضمن نزوح جماعي.
ونقل مسؤولون رفيعو المستوى في القاهرة بأن دعوات النزوح الجماعي من غزة كفيلة بتفريغ القطاع من سكانه، وبالتالي تصفية القضية الفلسطينية، فضلا عن كون السيادة المصرية ليست مستباحة.
يفهم من هذا التحذير المصري بأن القاهرة لديها ما يؤكد سعي إسرائيل بضوء أخضر أمريكي لزج الفلسطينيين في غزة ونقلهم لسيناء كنازحين.
ولعل ما يثير المخاوف المصرية، هو حادثة قصف سلاح الجو الإسرائيلي للمنطقة الحدودية الفاصلة بين غزة وسيناء، وكأنها إشارة إسرائيلية بنية فتح ممر إنساني لعبور الفلسطينيين نحو سيناء.
فتح معبر إنساني نحو سيناء
وأمس الإثنين كان معبر رفح بين قطاع غزة ومصر قد تعرض إلى قصف بغارة إسرائيلية، واستهدف القصف البوابة الفاصلة بين الجانبين الفلسطيني والمصري في معبر رفح، ما أسفر عن توقف العمل في المعبر، وقطع الطريق بين الجانبين.
ووفق مصادر فلسطينية، فإن إسرائيل تنتهج سياسة الأرض المحروقة، انطلاقا من مبدأ حصر سكان غزة في تجمعات الإيواء بعيدا عن المناطق الحدودية حتى لا تشكل غطاء واسنادا للمقاومة.
وفي اليوم الثاني للحرب، قام الجيش الإسرائيلي بضرب الشريط الحدودي لشرق غزة، وتحديدا أحياء الشجاعية، والتفاح، والدرج، ومناطق الشمال الشرقي لبلدتي بيت حانون وبيت لاهيا بأكثر من 100 طن من المتفجرات.
هذا التكتيك الإسرائيلي، أرغم نحو 100 ألف غزاوي من سكان هذه المناطق لمغادرتها نحو وسط غزة، هروبا من القصف.
وفور وصول النازحين لمناطق الإيواء وسط غزة، شرع سلاح الجو مرة أخرى عبر طائرات F-16 بإنشاء حزام ناري امتد على مساحة 10 كيلومترات.
واستهدف القصف الوحشي مناطق الرمال الشمالي والغربي، وحي تل الهوى، ومحيط مستشفى الشفاء، ومجمع أنصار الحكومي، ومحيط الجامعة الإسلامية، وغرب مدينة غزة.
وشهد يوم أمس تشاحنا بين مصر وإسرائيل، حيث أعلنت دوائر إسرائيلية رفضها لوساطة مصر فيما يخص بصفقات مستقبلية مع المقاومة الفلسطينية، كما حذر عسكريون إسرائيليون مصر بإدخال أية طواقم إغاثية أو مساعدات غذائية أو صحية، مهددة بقصف أي شاحنة تدخل إلى غزة عبر معبر رفح الحدودي.
فيما حذّرت دوائر أمنية مصرية من دفع الفلسطينيين العزل تجاه الحدود المصرية وتغذية بعض الأطراف لدعوات النزوح الجماعي.
وهو ما يعني تفريغ القطاع من سكانه وتصفية القضية الفلسطينية ذاتها، فضلا عن كون السيادة المصرية ليست مستباحة، وفق مصادر مصرية.
في موازاة ذلك، قالت وكالة أونروا في بيان: إن “83 مدرسة تابعة لنا في قطاع غزة تحولت إلى ملاجئ لأكثر من 137 ألف شخص، وإن الأعداد تتزايد من استمرار الغارات الجوية الإسرائيلية، كما أوضحت أن نصف مليون شخص توقفوا عن تلقي المساعدات الغذائية الحيوية، جراء اضطرارها لإغلاق جميع مراكز توزيع الغذاء البالغ عددها 14”.
يأتي هذا فيما جددت طائرات الاحتلال الإسرائيلي، الثلاثاء 10 أكتوبر غاراتها على مناطق متفرقة في قطاع غزة، استهدفت شماله وجنوبه، وقال جيش الاحتلال إنه قصف 200 هدف في غزة وخان يونس خلال الليل.
كان جيش الاحتلال قد نفذ، الإثنين 9 أكتوبر مجزرة في مخيم جباليا بقطاع غزة، وقالت وزارة الصحة في القطاع: إن “عشرات الشهداء والمصابين سقطوا في ضربة جوية إسرائيلية للمخيم”.
وتتواصل المواجهات بين فصائل المقاومة الفلسطينية والاحتلال، وفجر السبت 7 أكتوبر، أطلقت حركة “حماس” وفصائل فلسطينية أخرى في غزة عملية “طوفان الأقصى” العسكرية ضد إسرائيل؛ “ردا على اعتداءات القوات الإسرائيلية والمستوطنين المتواصلة بحق الشعب الفلسطيني وممتلكاته ومقدساته، ولا سيما المسجد الأقصى في القدس الشرقية المحتلة.
في حين أفادت وسائل إعلام إسرائيلية بأن عدد القتلى الإسرائيليين في المواجهة مع الفصائل الفلسطينية وصل إلى 900، والجرحى 2616.
وفي سياق متواصل، عاد المتحدث باسم الجيش أفخاي أدرعي ليؤكد صباح الثلاثاء 10 أكتوبر على ضرورة مغادرة سكان غزة نحو مصر للحفاظ على حياتهم.
وعادة ما كانت تطلق إسرائيل صاروخا من طائرات الاستطلاع لأسقف المنازل المنوي استهدافها تمهيدا لإخلائها، وفور التأكد من مغادرة السكان يشرع سلاح الجو بتدمير المنازل بصواريخ تدميرية.
إلا أن هذه المرة غيرت إسرائيل من سياساتها، وبدأت إسرائيل تقصف المنازل على رؤوس ساكنيها، دون أي تحذير أو إخطار مسبق، ما تسبب بمجازر فضلا عن موجات الهلع التي أصابت سكان القطاع.
وقد دفع هذا الوضع المقلق والوحشي لطريقة القصف الإسرائيلي لأن تحذر كتائب القسام عبر تصريح للناطق باسمها أبو عبيدة من أن الاستمرار في قصف المنازل على رؤوس ساكنيها دون تحذير مسبق سيدفع بكتائب القسام مضطرة لإعدام الأسرى الإسرائيليين المحتجزين لديها.
صفقة القرن
ويبرز مخطط الاحتلال من تغيير طريقة القصف، من أجل خلق صدام بين المقاومة والشارع، عبر تشكيل رأي عام عكسي من خلال مطالبة الجمهور للمقاومة بوقف الحرب وتقديم تنازلات تحت ضغط أزمة اللجوء التي تتفاقم في كل ساعة تستمر فيها الحرب.
وكان الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، قد كشف في العام 2020 عن تفاصيل صفقة القرن، لنقل مئات الآلاف من الفلسطينيين نحو سيناء، وترحيل فلسطينيو الداخل والضفة الغربية نحو غزة، مع منح مصر نحو 200 مليار دولار ، لإنشاء مشاريع محطات كهرباء ومياه في سيناء وشق طرق وإقامة مناطق صناعية وزراعية في سيناء، لاستيعاب الفلسطينيين، الذين سيدخلون مصر ، كمرحلة أولى وفق تصاريح عمل وإقامات مؤقتة، يلحقها إقامات دائمة ، وهو ما كان السيسي قد بدأ في تنفيذه آنذاك، بمحو مدن رفح والعديد من القرى من الوجود بسيناء، تحت داعي مكافحة الإرهاب.
ثم عادت دوائر أمنية مصرية وحذرت من الأمر، ما يهدد بتوريط مصر في صراع فلسطيني إسرائيلي.
ووفق الخطة ب، وفي حال عدم تسارع مسار التنمية لسيناء والإغراءات المالية للسيسي، فإن دوائر إسرائيلية وأمريكية، كانت قد كشفت عن سيناريو عملية أمنية واسعة في غزة، تدفع ملايين السكان للنزوح نحو سيناء وتسكينهم برعاية أممية، في سيناء، التي يراها الاختلال والأمريكان ساحات شاسعة فارغة يمكن أن تحل أزمة للكيان الصهيوني، وهو ما يُخشى من فرضه قسرا على مصر.