وسط تكتم إعلامي و حكومي.. مشاكل فنية بـ«حقل ظهر» وتراجع إنتاجه 28%!

- ‎فيتقارير

أزمة الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي دفعت المصريين إلى التساؤل حول أسباب هذا الانقطاع المتكرر لا سيما وأن حكومة الدكتاتور عبدالفتاح السيسي أنفقت نحو تريليون جنيه على بناء محطات جديدة وراحت تتباهى بمعدلات الإنتاج الفائض التي تصل إلى ضعف الاستهلاك. وحسب البيانات الرسمية فقد تزايدت مشكلة الفائض غير المستغل بقطاع الكهرباء، والذي بلغ حوالي 10 جيجا وات بالعام المالى 2017/2016 لتزيد بالعام التالى إلى أكثر من 24 جيجاوات، حتى بلغ 29 جيجا بنهاية عام 2020، أي أننا لم نكن بحاجة لمحطات شركة سيمنس الثلاثة التى بلغت طاقتها معا 14.4 جيجاوات والتي تمت بالاقتراض وتتجه الحكومة إلى بيعها اليوم بسبب ضخامة الديون والفوائد!

وكانت الصدمة مدوية إذ اكتشف المصريون ـ حسب تصريحات محمد شاكر وزير الكهرباء بحكومة الانقلاب ــ  أن سبب الأزمة هو تراجع كميات الغاز والمازوت الموردة من وزارة البترول إلى محطات الكهرباء؛ وأن السبب الحقيقي هو تراجع الإنتاج المصري من الغاز الطبيعي منذ 2022، حينما بدأ إنتاج حقل ظهر في الانخفاض، والذي استمر خلال الأشهر الأولى خلال العام الجاري (2023)، بحسب بيانات حكومية حصلت عليها مجلة «مييس» المتخصصة في الطاقة. حيث وصل إنتاج الحقل من الغاز في أبريل الماضي، إلى 2.1 مليار قدم مكعب يوميًا، وهو الإنتاج الذي يقل بنسبة 23% عن الإنتاج المفترض للحقل البالغ 3.2 مليار قدم مكعب يوميًا، وأقل بنسبة 6% من حد الإنتاج المُقدر بحوالي 2.6 قدم مكعب يوميًا. وكان هذا هو السبب الرئيس في اتفاق حكومة السيسي مع الكيان الصهيوني على استيراد الغاز الإسرائيلي في صفقة كانت غريبة في توقيتها وغموضها؛ إذ كيف تحتفل بافتتاح حقل ظهر بوصفه أكبر حقل لإنتاج الغاز في العالم وفي ذات الوقت تتعاقد على شراء الغاز  الإسرائيلي؟!

وحسب المجلة فإن السبب في تراجع إنتاج حفل ظهر هو استعجال السيسي لافتتاح المشروع ما أدى إلى مشاكل في تشغيل الحقل، والتي ظهرت مع بداية تسرب المياه، منذ أعوام، بعد قرارات حكومية بتسريع وتيرة استخراج الغاز من الحقل، برغم خطر ذلك على استدامة تشغيل الحقل، بحسب دراسة لخبراء قطاع البترول في شركات متعددة دشنت مشروعًا في حقل ظهر لمحاولة دعم استمراريته مسبقًا. وكانت شركة إيني الإيطالية سرعّت بدء الإنتاج من حقل ظهر، بعد ضغط الجدول الزمني إلى 28 شهرًا فقط، بدلًا من 6 إلى 8 سنوات، لتحقيق «تطلعات السيسي». بمعنى أن السيسي كان حريصا على الشكل الدعائي في المشروع أكثر من حرصه على سلامة المشروع  نفسه وديمومة تشغيله بشكل صحيح وديمومة معدلات إنتاجه المتوقعة حسب الدراسات العلمية.

 

تضارب حكومي و28% تراجعا

أمام انتشار هذه الأخبار الصادمة، أصدرت المركز الإعلامي لمجلس الوزراء بحكومة الانقلاب  بيانا ـ الثلاثاء 25 يوليو 2023م ــ ينفي فيه ما وصفه بـ«أنباء بشأن وجود مشاكل تقنية بحقل ظُهر تسببت في تراجع الطاقة الإنتاجية للحقل بما يهدد بخروجه من الخدمة». والعجيب في بيان الحكومة ـ حسب موقع مدى مصر ـ أنه اعتمد على توضيح من وزارة البترول والثروة المعدنية، يستند بدوره إلى بيانات ترصد إنتاج الغاز من الحقل، لإثبات غياب أي مشاكل، غير أن تلك بيانات «البترول» نفسها أكدت انخفاض إنتاجية حقل «ظُهر» خلال الفترة الماضية.

وحسب الموقع فإن  بيان مجلس الوزراء، يؤكد استقرار الإنتاج عند 2.3 مليار قدم مكعب يوميًا فقط، بما يقل بحوالي 28% عن المستهدف البالغ 3.2 مليار قدم مكعب، ويقل كذلك بنحو 11% عن 2.6 مليار اعتبرتها «إيني»، في 2021، حدًا أقصى لإنتاج الحقل، وذلك بعد ست سنوات من بدء الإنتاج المبكر منه.

من جانب آخر فإن الرقم الذي أعلنه مجلس الوزراء أيضًا، كان أقل من توقعات وزير البترول نفسه، في أكتوبر 2017، حيث كان يأمل في الحفاظ على إنتاجية الحقل عند 2.7 مليار قدم مكعب يوميًا لمدة عشرين عامًا، بما يُمكن مصر من تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز الطبيعي، الذي يذهب نحو 60% منه إلى توليد الكهرباء. ورغم تدرج الانخفاض على مدار السنوات الست، لم تنتبه الحكومة إلى أهمية التخطيط لشهور الصيف.  وحسب المحللة الاقتصادية بشركة «أسطول» المالية، دينا الوقاد، فإنه حتى بافتراض عدم تأثر إنتاج الغاز من حقل «ظُهر»، فالحكومة لم تخطط لمواجهة أزمة الكهرباء في الصيف مبكرًا، لتفاجأ هي والشعب بانخفاض الوقود اللازم لإنتاج الكهرباء في شهور الصيف، المعروفة بالاستهلاك المرتفع للكهرباء.

 

أكذوبة الاكتفاء الذاتي

وحسب الخبير الاقتصادي ممدوح الولي، نقيب الصحفيين الأسبق ورئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام الأسبق ــ  فإن مصر لم تحقق الاكتفاء الذاتي من الغاز في 2018م ولا في السنوات التالية،  حسب ادعاءات الحكومة؛ والحقيقة ــ حسب الولي  في مقاله (لغز صادرات الغاز المصري) المنشور بتاريخ 23 يوليو 2023م على موقع "عربي 21"، فإن الصورة الحقيقية لإنتاج وتصدير الغاز في مصر مختلفة تماما، فما حدث أن السلطات المصرية عندما بلغ رقم الإنتاج أعلى من رقم الاستهلاك المحلي عام 2018 قالت إنها حققت الاكتفاء الذاتي، لكن إنتاج الغاز في مصر يتم غالبا من خلال شركات أجنبية، وتلك الشركات تحصل على حصة من الإنتاج نظير ما تكلّفته من استكشاف وتشغيل تختلف نسبتها من اتفاقية إلى أخرى، لكن المتخصصين يتعاملون على نسبة متوسطة 50 في المائة من الإنتاج تحصل عليها الشركات الأجنبية، رغم بلوغها 61 في المائة بحقل ظُهر، والتي تسمى حصة الشريك الأجنبي؛ الذي من حقه تصديرها لحسابه. لكن في ضوء عدم كفاية حصة الجانب المصري للاستهلاك المحلي، فإن مصر تشتري غالبية حصة الشريك الأجنبي وأحيانا كلها، بسعر يتم الاتفاق عليه بين الطرفين المصري والأجنبي».

وينتهي إلى أن حصة مصر من إنتاج الغاز المصري من حقولها العام الماضي (2022) قد بلغ 33.5 مليار متر مكعب من أصل 67 مليار قدم مكعب هي جملة الإنتاج ، بينما بلغت كميات الاستهلاك المحلي 62.7 مليار متر مكعب، وبما يعني أنها بحاجة إلى شراء 29.2 مليار متر مكعب من الشريك الأجنبي لاستكمال كامل الاستهلاك المحلي، ونظرا لرغبة الحكومة في تصدير بعض الكميات فإنها تشترى كامل نصيب الشريك الأجنبي، بالإضافة إلى استيرادها كميات إضافية من إسرائيل لتسييلها ثم تصديرها. ويستدل  الولي على ذلك بتصريحات رئيس الوزراء مؤخرا من إقراره بتأخر مصر في دفع مستحقات الشركات الأجنبية، المنتجة للغاز أو النفط في مصر، والتي تود تحويلها إلى بلادها، وهو ما يراه الخبراء سببا أساسيا في انخفاض إنتاج الشركات الأجنبية سواء العاملة في بالغاز أو النفط في مصر العام الماضي؛ عن إنتاجها لهما في العام الأسبق، واستمرار الانخفاض الإنتاجي بالعام الحالي عن العام الماضي. كما يدعم ذلك ما ذكرته بيانات البنك المركزي المصري حول الاستثمار الأجنبي المباشر خلال العام الماضي في قطاع الطاقة، أي شاملا النفط والغاز، حيث بلغت قيمة الاستثمارات الأجنبية الداخلة لمصر خلال العام 5.1 مليار دولار، بينما بلغت قيمة استثمارات الطاقة الخارجة من مصر في نفس العام 7.4 مليار دولار، ليسفر الميزان الاستثماري في قطاع الطاقة عن عجز بلغ 2.3 مليار دولار نتيجة كبر التدفقات للخارج عن التدفقات الداخلة للبلاد.

الخلاصة أنه إذا كان الاستهلاك المحلي من الغاز قد بلغ 62.7 مليار متر مكعب في العام الماضي، بينما حصة مصر من الإنتاج قد بلغت حوالي 33.5 مليار متر مكعب، فإن نسبة الاكتفاء الذاتي لمصر من الغاز الطبيعي قد بلغت أقل من 44 في المائة، وما زال أمامها شوط طويل يمتد لسنوات حتى تحقق الاكتفاء الذاتي من الغاز الطبيعي، حين تصل حصتها من الإنتاج إلى نفس رقم الاستهلاك المحلي. والهدف من تصدير بعض كميات الغاز هو جلب عملة أجنبية لسداد مستحقات الشركات الأجنبية عن نصيبها من الإنتاج، حتى تستمر في الإنتاج سواء للغاز أو للنفط، خاصة مع انخفاض نسبة الاكتفاء الذاتي بإنتاج كليهما. وتفاقمت الأزمة بتراجع أسعار الغاز عالميا من نحو 40 دولار لكل مليون وحدة حرارية إلى نحو 10 دولارات فقط بعدما تمكن الغرب من تجاوز أزمة الغاز بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير2022م. حيث صدرت مصر غازا بنحو 10 مليارات دولار في العام الماضي وفق جهاز الإحصاء الحكومي.