موافقة الكنيست الإسرائيلي ـ الإثنين 24 يوليو 2023م ــ بصورة نهائية، على مشروع قانون للحد من «حجة المعقولية» كخطوة أولى ضمن خطة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، لـ«إصلاح المنظومة القضائية» والتي تحد من صلاحيات المحكمة العليا في مواجهة السلطة التنفيذية، أعادت حالة الانقسام للمجتمع الإسرائيلي؛ فقد تم تمرير مشروع القرار بتصويت 64 نائبا هم أعضاء التحالف الحاكم بينما انسحب جميع نواب المعارضة؛ ودعا الرئيس الأمريكي جو بايدن، أمس، نتنياهو، إلى عدم التسرع في إقرار التعديلات القضائية، خلال تصريحاته لموقع «أكسيوس» مضيفًا: «من وجهة نظر أصدقاء إسرائيل في الولايات المتحدة، فإن اقتراح الإصلاح القضائي الحالي أصبح أكثر إثارة للانقسام وليس أقل».
وسبق انعقاد الجلسة تجمع لأعداد كبيرة من المعارضين خارج مقر الكنيست كمحاولة لمنع وصول النواب إلى المبنى، وواجهتهم الشرطة بخراطيم المياه، فيما ألقت القبض على 19 من المحتجين على الأقل. وأعطى الكنيست موافقته المبدئية لمشروع القانون، في في جلسة 10 يوليو الجاري (2023)، ما تسبب في تجدد الاحتجاجات المعارضة للمشروع والتي أسفرت عن إلقاء الشرطة الإسرائيلية القبض على 42 متظاهرًا.
و«حجة المعقولية» هي أحد أدوات المحكمة العليا لممارسة الرقابة القضائية على أعمال السلطة التنفيذية ووزاراتها والهيئات الرسمية التابعة لها، وهي الأداة التي مكنت «العليا»، مطلع العام الجاري (2023)، من إجبار نتنياهو على إقالة الرجل الثاني في الحكومة، آرييه درعي، بسبب إدانات سابقة بالاحتيال الضريبي. ويرى المعارضون للقانون أنه سيحد من سلطة محكمة العدل العليا في إبطال القرارات الصادرة عن الحكومة والوزراء والمسؤولين المنتخبين، فضلًا عن منح الحكومة دورًا أكبر في التعيينات القضائية. في حين يقول مؤيدوه إن القضاة لديهم وسائل قانونية أخرى لممارسة الرقابة.
تآكل الجبهة الداخلية
يرى الدكتور صالح النعامي، في مقاله (إسرائيل بعد التعديلات القضائية أكثر عدوانا وأشد وهنا) المنشور على شبكة الجزيرة نت الإخبارية؛ أن البدء في إقرار الكنيست لهذه التشريعات يشكل نقطة فارقة في تاريخ (إسرائيل)؛ وستبدو انعكاسات تمرير "التعديلات القضائية" على إسرائيل، للوهلة الأولى، متناقضة، حيث ستجعلها، من ناحية، أكثر عدوانا تجاه الشعب الفلسطيني، وفي الوقت ذاتها ستفضي إلى تآكل مقومات القوة التي تركن إليها في تأمين وجودها.
ويشرح المقصود بذلك متوقعا أن يؤدي تمرير التشريعات القضائية إلى تحويل (إسرائيل) إلى كيان يعصف به الانقسام السياسي وأنها بذلك خسرت الحد الأدنى من التضامن بين مكونات مجتمعها، حيث بات الموقف من التعديلات الفضائية يتكرس على أساس اعتبارات عرقية ودينية. فاليهود المتدينون واليهود من أصول شرقية يؤيدون التعديلات، في حين تعارض أغلبية العلمانيين الغربيين هذه التعديلات. سيؤذن هذا الانقسام ــ حسب النعامي ـ بتفجر محاور استقطاب أخرى تتعلق بمصالح الفرقاء بشكل سيعمق الصدع المجتمعي والاستقطاب السياسي وحالة انعدام اليقين.
أولا، بهذه التعديلات تتجه (إسرائيل) نحو مزيد من التطرف والتشدد الديني؛ فالأحزاب المشاركة في الحكومة ستستغل غياب الرقابة القضائية على سياساتها وقراراتها في العمل على تعزيز مصالح الفئات الاجتماعية التي تدعمها. فبعد اليوم، سيكون بوسع الحكومة، تحت تأثير الأحزاب الدينية المشاركة فيها اتخاذ قرارات لضمان تعزيز الطابع الديني المتشدد للدولة، بشكل يتعارض بفجاجة مع مصالح العلمانيين وتصورهم لكيفية إدارة نشاطهم الاجتماعية. فالأحزاب الدينية المشاركة في الحكومة جاهرت برغبتها في إضفاء مزيد من التشدد في فرض حرمة السبت، وإملاء أنماط اجتماعية، لا سيما تقليص حضور النساء في الفضاء العام وإلزامهن بأنماط محددة من اللباس، وتكريس الفصل بين الجنسين في بعض المؤسسات العامة، والسماح للمحاكم الدينية الحاخامية بالتدخل في قضايا مدنية، والمس بحقوق الأقليات، وتقييد حرية المثليين وغيرها.
ثانيا، غياب الرقابة القضائية سيمكن الحريديم من إضفاء شرعية على المكاسب التي راكموها بفعل مشاركة أحزابهم في الحكومة، سواء على صعيد إعفاء الشباب الحريدي من الخدمة العسكرية، وعلى صعيد المخصصات المالية الضخمة التي يحوزونها، في قت لا يسهمون بدور يذكر في سوق العمل لتفرغهم للتعليم الديني والعبادة. وهذا الواقع سيؤجج غضب العلمانيين، الذين يتحملون، من ناحية، عبء أداء الخدمة العسكرية، ومن ناحية ثانية يسهمون بأكثر من 90% من قيمة الضرائب التي تجنيها إسرائيل كونهم يحتكرون الإسهام في سوق العمل. وهذا سيمثل مسوغا لتفجر احتكاكات خطيرة بين معارضي التعديلات القضائية وكل من الحكومة وأنصارها.
ثالثا، إضعاف قدرات المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية؛ فإعلان الآلاف من ضباط وجنود قوات الاحتياط التوقف عن أداء الخدمة العسكرية بعد تمرير التعديلات، وضمن ذلك المئات من طياري سلاح الجو، الذي يمثل القوة الضاربة لإسرائيل، يعني أن قدرة إسرائيل على خوض المعارك باتت متدنية. وقد حذر رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي "هرتسلي هليفي" الحكومة عشية تمرير "التعديلات القضائية" من أن اتساع ظاهرة رفض الخدمة العسكرية تهدد جاهزية الجيش لخوض الحروب. وقد لفت "مركز أبحاث الأمن القومي" الإسرائيلي إلى أن اتساع ظاهرة رفض الخدمة العسكرية تقلص من قدرة إسرائيل على إملاء معادلات ردع في مواجهة الأطراف الإقليمية المعادية.
حرب أهلية محتملة
لكل هذه الأسباب يرفض معارضو التعديلات القضائية العلمانيون أن يراكم أتباع التيارات الدينية مكاسب مادية واجتماعية في ظل تهربهم من الإسهام في سوق العمل والخدمة العسكرية، في وقت يتجهون فيه إلى التأثير على أنماط حياتهم الاجتماعية من خلال التشريعات التي تعزز الطابع الديني لهذا الكيان؛ لذلك لم يستبعد رئيس جهاز المخابرات الداخلية الإسرائيلية السابق نداف أرغمان الأسبوع الماضي إمكانية تفجر حرب أهلية في إسرائيل حال شرعت حكومة نتنياهو في سن التعديلات القضائية. وحتى لو لم تتحقق نبوءة أرغمان ــ حسب النعامي ــ فإن كل المؤشرات تشي بأن تمرير التعديلات سيفضي إلى تهاوي منظومة القواسم المشتركة التي شكلت حتى الآن رابطا يجمع الفرقاء في الساحة الإسرائيلية. لذا توقع يوفال نوح هراري، الذي يوصف بأنه أهم المفكرين الإسرائيليين، بأن يسفر تمرير التعديلات القضائية عن "تفكك" المجتمع الإسرائيلي.
ولكل هذه الأسباب أيضا فإن إسرائيل بعد تمرير التعديلات القضائية قد تصبح أكثر عدوانا في تعاطيها مع الفلسطينيين، لكنها أيضا ستكون أضعف بكثير في مواجهة الأطراف الإقليمية الأخرى. ليس فقط بسبب ما يعصف بها من انقسام سياسي وتشظي مجتمعي، بل أيضا لأن جاهزية جيشها لخوض الحروب والمعارك ستتهاوى بعد هذه التعديلات.
واقترحت حكومة بنيامين نتنياهو، المؤلفة من أحزاب يهودية متشددة ودينية متطرفة، هذه التعديلات القضائية في يناير الماضي(2023)، والتي تتضمن منح الحكومة نفوذاً صريحاً في اختيار القضاة، وتحد من صلاحيات المحكمة العليا لإلغاء القوانين، أو إصدار أحكام ضد السلطة التنفيذية، وفق "رويترز".
ويتم تعيين قضاة المحكمة العليا في دولة الاحتلال حاليا من قبل لجنة تضم قضاة ونوابا ومحامين من نقابة المحامين، وتحت إشراف وزير العدل ياريف ليفين. ويقترح التعديل إخراج المحامين من هذه اللجنة ليحل محلهن مواطنان يعينهما مكتب وزير العدل .مع احتفاظ القضاة بعضويتهم في اللجنة إلى جانب وزير إسرائيلي آخر. ووافق الكنيست في قراءة أولى على البندين الأساسيين في خطة التعديلات، الأول يغير من عملية تعيين القضاة والثاني يجعل المحكمة العليا غير مؤهلة لإلغاء أي تعديل للقوانين الأساسية الني تعد بمثابة دستور في إسرائيل.
أما البند الأكثر جدلا فيقضي بإدخال بند "الاستثناء" الذي يسمح للبرلمان إلغاء بعض القرارات للمحكمة العليا بغالبية بسيطة تبلغ 61 صوتا من أصل 120 عضوا بالكنيست الإسرائيلي. وتمنع هذه الفقرة المحكمة العليا من إلغاء قوانين إلا في حال اجتماع جميع قضاتها الـ15، وتأييد 12 منهم للقرار.