مشاهد مؤلمة تجدد النقاش حول مخططات عصابة العسكر بقيادة السيسي لتدمير الطبقة الوسطى

- ‎فيتقارير

كانت وفاة المئات من المصريين في السفينة التي غرقت قبل عيد الأضحى المبارك، قبالة السواحل اليونانية حدثا مؤلما لكل المصريين تمثل برهانا ساطعا على أن المصريين لم يعودوا قادرين على تحمل الجوع والفقر في بلادهم فيجازفون من أجل الهروب من هذه الجحيم.

في السياق ذاته، جاءت وفاة المعلم سليمان محمد عبدالحميد، مدير مدرسة صفط الشرقية بمحافظة المنيا في أواخر شهر يونيو الماضي (2023) وخلال إجازة عيد الأضحى المبارك، صادمة للمجتمع المصري كله باستثناء عصابة الحكم ومن والاها؛ فمدير المدرسة لفظ أنفاسه الأخيرة نتيجة أزمة قلبية أثناء عمله الإضافي كعامل بناء من أجل توفير أساسيات الحياة لأسرته وأولاده لأن مرتبه كمدير مدرسة لا يكفيه ولا يحقق له ولأسرته الستر في ظل الغلاء الفاحش الذي طال كل شيء تحت حكم الدكتاتور  عبدالفتاح السيسي. وفاة مدير المدرسة على النحو الصادم الذي جرى ومشاركة الآلاف في جنازته؛ استفز قطاعات واسعة من المصريين وأشعل كثيرا من المشاعر المختلطة عن مصر وما يجري فيها وعن انعدام العدالة الاجتماعية التي كانت أحد مبادئ ثورة يناير الموءودة وعن فساد نظام السيسي وتبنيه سياسات وإملاءات صندوق النقد الدولي التي تسحق الطبقة الوسطى سحقا وحشيا بلا رحمة، كما يفتح الباب على شرفاء مصر الذين يجاهدون من أجل لقمة العيش الحلال لهم ولأولادهم في الوقت الذي يهدر فيه السيسي وعصابته مئات المليارات على القصور الرئاسية الفارهة والقطارات الكهربائية المكيفة فائقة السرعة والمدن الجديدة التي لا يقطنها إلا الأثرياء.

وبعد إجازة عيد الأضحى المبارك، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي في مصر تغريدات وتعليقات تعبر عن حالة من الحزن والغضب، إثر انتشار مقطع فيديو لأم بطل العالم في الكونغ فو عمر محمد شتا وهي تعرض ميدالياته الذهبية للبيع، اعتراضاً على عدم صرف مستحقاته المالية، وبسبب مرور العائلة بضائقة مالية  في ظل الغلاء الفاحش وعدم قدرة ملايين المصريين على تحمل ظروف الحياة الشاقة. وأكدت الأم عبر الفيديو أن نجلها حصل على المركز الأول في بطولة العالم التي أقيمت في إندونيسيا، وكذلك على المركز الأول في بطولة أفريقيا المقامة في الجزائر، إضافة إلى البطولة العربية في بور سعيد؛ لكنه لم يحصل على مستحقاته المالية في ظل الفساد المنتشر في جميع الوزارات ومؤسسات الدولة. وقارن البعض بين حال الأبطال المصريين المهدرة حقوقهم، وحال الترف والبذخ الواضح التي يعيش فيها أبناء الأثرياء والجنرالات في منتجعات الساحل الشمالي، فيما ذكّر آخرون بأبطال في الرياضات الفردية لعبوا تحت راية دول أخرى، وهاجمهم الإعلام الرسمي والمؤيدون بشراسة واتهموهم بـ"الخيانة". وطالب نشاء الأم بالسماح لنجلها بالسفر، لأنه لا أمل في مصر تحت حكم العسكر، وأن من الأفضل له أن يلعب لدولة أخرى تقدره وترعاه وتحميه وتوفر له مقومات الحياة الكريمة بعيدا عن مصر المنهوبة الذي يرتفع فيها الفساد.

 

إنكار سيساوي

بدون مبالغة فإن هناك ملايين المواقف المماثلة في معظم الأسرة المصرية؛ فالكل ــ باستثناء الاقلية الثرية من رجال الحكم والمال ــ يعاني، وجميع الأسر المصرية تواجه ظروفا قاسية وغير مسبوقة؛ وتتزامن هذه الأوضاع مع الذكرى العاشرة لانقلاب الجيش في 3 يوليو 2023م، وفي ظل حملة دعاية ضخمة حول إنجازات نظام  "3" يوليو، والمشروعات الضخمة التي أنشأها في طول البلاد وعرضها؛ لكنها للأسف لم تنعكس مطلقا على تحسين مستويات معيشة المواطنين التي تحولت إلى بؤس وشقاء وفقر مدقع.

ورغم ذلك يواجه النظام هذه الأوضاع المأساوية بحالة إنكار كامل؛ فلا تجد في إعلام السلطة من فضائيات وصحف ومواقع أي مادة عن معاناة الناس بل تركيزها الأول والأخير هو الدعاية للنظام وإنجازاته الوهمية. لكن الحقيقة المؤكدة أن وفاة مدير مدرسة المنيا الذي ظل يكافح على مدار (40) سنة لم تتغير أوضاعه ولم تتحسن مستويات معيشته فقد كان عامل بناء وهو صغير وظل عامل بناء وهو كبير رغم أنه حصل على شهادة عليا وأصبح مدير مدرسة لكن الفقراء يبقون فقراء والأثرياء يبقون أثرياء في المجتمع المصري الذي يتميز بالطبقية السافرة؛ فالمال أصبح متداولا بين الأغنياء فقط أما الفقراء فيولدون ويموتون وهم فقراء بعدما أغلقت السلطة أبواب الأمل أمامهم وأصبحت مناصب الدولة الحساسة وفرص العمل المحترمة حكرا على أبناء رجال الحكم والمال دون سواهم. فهل يستطيع المتفوقون من أبناء الفقراء دخول الكليات الحربية أو الشرطة أو النيابة أو السلك الدبلوماسي أو غير ذلك من مناصب الدولة الحساسة؟ كلا  فهذا من المحرمات في مصر تحت حكم العسكر.

 

فساد نقابي

في وفاة مدير المدرسة المؤلمة، كان موقف نقابة المعلمين سافرا ومستفزا ولم ينحز لمدير المدرسة بل للأسف كانت النقابة بوقا للسلطة؛ حيث خرجت النقابة تشكك في الواقعة، وتعتبر أن وسائل الإعلام انساقت خلف وسائل التواصل الاجتماعي، وأن أطرافاً تمارس متاجرة بالواقعة، ذلك بدلا من الدفاع عن زميلهم أو طرح مشكلات المعلمين (يبلغ عدد المعلمين نحو مليون عضو بالنقابة)، وهي قائمة ولا تحتاج إلى قصص ولا وقائع مأساوية، ولا شبه توظيف فيها، لكن للأسف فإن معظم مؤسسات الدولة المصرية (الحكومة ـ البرلمان ـ النقابات ـ  الصحف والفضائيات) هي مؤسسات شكلية لا تتمتع بأي استقلالية؛ فالسلطة فرضت وصايتها على الجميع واستطاعت تطويع كل المؤسسات لتصبح شكلا بلا  معنى وبلا أي دور حقيقي لخدمة المجتمع والفئات التي تمثلها.

 

تدمير الطبقة الوسطى

بهذه الممارسات والإصرار على هذه السياسات فإن السيسي يصر على سحق الطبقة الوسطى؛ وقد أشارت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية إلى ذلك في تقرير لها في يناير2023م؛ حيث قالت إن الطبقة الوسطى في مصر تتعرض لضغوط شديدة دفعت قطاعاً كبيراً منها للانحدار إلى الفقر، في وقت وصل فيه عدد الفقراء في البلاد إلى نحو 60 مليوناً، وسط توقعات بارتفاع العدد، في الوقت الذي لم تتوقف فيه الحكومة عن الإنفاق الواسع على مشروعاتها الكبرى، أو الحد فعلياً من هيمنة الجيش على الاقتصاد. وأشارت إلى أن أسعار السلع ارتفعت بأضعاف ما كانت عليه خلال عام، كما أن الجنيه فقد نصف قيمته منذ مارس2022م، فالبيض أصبح للكثيرين الآن من الكماليات، كما أن اللحوم لم يعد التفكير فيها وارداً للكثيرين، في الوقت الذي ارتفعت فيه الرسوم المدرسية والنفقات الطبية، وهو ما أدى إلى تدهور حياة الطبقة الوسطى". وفقاً للصحيفة ذاتها، فإن "تكلفة البيض والحليب والجبن تضاعفت أربعة أضعاف ما كانت تكلفته قبل عام؛ كما أن لحوم البقر والدجاج والأسماك ارتفعت ثلاثة أضعاف تقريباً، كما أن تكلفة حقن الأنسولين الخاصة بمرضى السكر تضاعفت سبع مرات أكثر". وانتهت إلى أن الطريقة الاستبدادية التي يدير بها السيسي ومساعدوه الاقتصاد المصري تعرضهم لمستويات خطيرة من التوتر من الجمهور والشركاء في الخارج على حد سواء.

في ظل هذه الأوضاع المتدهورة فإن الفجوة الطبقية في مصر تتسع على نحو مرعب يهدد بتماسك المجتمع وينذر باشتعال حرب طبقية قد تسهم في المزيد من تفكيك المجتمع وإضعافه؛ ففي الوقت الذي يزداد فيه عدد الفقراء وتعاني الدولة نفسها من الفقر وتضخم الديون والاعتماد على القروض فإن نخبة الحكم والأثرياء يزدادون غنى وثراء؛ وهو أمر غريب؛ إذ كيف تفتقر البلاد ويغتني هؤلاء؟ وكيف يتراجع الدخل ويزداد عدد الأثرياء؟ هذا هو الفساد بعينه في أبسط صوره.