بات الخراب مسارا إجباريا لكل شيء في مصر، سواء أكان استثمارا أو تجارة أو موازنة أو أي نشاط يقوده نظام السيسي، وبات المواطن ينتظر كل يوم ما يؤذيه ويؤرقه ويهدد حياته وأمنه واستقراره المادي والاقتصادي، من غلاء أو مديونيات أو فقدان لوظيفته أو تصاعد نسب البطالة أو تسريح عمالة أو نقص في الأدوية ، وغيرها من أساسيات الحياة.
ويوم الثلاثاء صدق قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي، على القانون رقم 91 لسنة 2023 بشأن ربط الموازنة العامة للدولة للسنة المالية 2023-2024، والتي بدأ العمل بها في 1 يوليو الجاري، وتنتهي في 30 يونيو من العام المقبل.
وقُدرت استخدامات الموازنة العامة للدولة بمبلغ 4 تريليونات و349 مليارا و214 مليونا و161 ألف جنيه ، منها نحو تريليونين و990 مليارا و924 مليون جنيه للمصروفات، مقابل نحو تريليونين و142 مليارا و110 ملايين جنيه للإيرادات، بعجز نقدي متوقع قيمته 848 مليارا و814 مليون جنيه، بما يشكل نسبة 6.96% من الناتج المحلي الإجمالي.
فوائد الديون
وارتفعت فوائد الدين في الموازنة المصرية إلى تريليون و120 مليارا و100 مليون جنيه، مقابل 775 مليارا و200 مليون جنيه في التقديرات المتوقعة للسنة المالية المنقضية (2022-2023)، بزيادة قدرها نحو 344 مليارا و900 مليون جنيه، وبارتفاع نسبته 44.5%.
ومثلت مدفوعات الفوائد نسبة 37.4% من إجمالي المصروفات، على خلفية ارتفاع أسعار الفائدة، وتكلفة الاقتراض لوزارة المالية، بالإضافة إلى أثر تغير سعر الصرف على قيمة الفوائد المسددة عن القروض بالعملة الأجنبية.
وزادت مخصصات سداد القروض المحلية والأجنبية في الموازنة الجارية إلى نحو تريليون و315 مليارا و914 مليون جنيه، بنسبة تبلغ 11.1% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل نحو 965 ملياراً و488 مليون جنيه في الموازنة المنقضية، بزيادة قدرها 350 مليارا و426 مليون جنيه، وبارتفاع نسبته 36.3%.
وساهم انخفاض سعر صرف الجنيه مقابل الدولار في الجزء الأكبر من زيادة اعتمادات سداد القروض المحلية والأجنبية، إلى جانب أسباب أخرى، مثل زيادة عجز الموازنة، والأعباء المترتبة على فض التشابكات المالية بين جهات الدولة.
قروض جديدة
وعلى الرغم من حجم الديون والقروض المتراكمة على مصر، والتي قدر البنك المركزي في وقت سابق سدادها حتى العام 2054، إلا أن الحكومة تعتزم اقتراض نحو تريليونين و140 مليارا و354 مليون جنيه في السنة المالية الحالية، وهو ما يمثل نسبة 18.1% من الناتج المحلي الإجمالي، في حين قُدرت المتحصلات من الإقراض ومبيعات الأصول المالية بنحو 66 مليارا و750 مليون جنيه، بنسبة 0.6% من الناتج الإجمالي.
وشهدت مصر، خلال سنوات حكم السيسي، موجة عاتية من الديون والتضخم والغلاء، وانهيارا غير مسبوق في قيمة العملة المحلية، من جراء التوسع في الاقتراض الخارجي لإقامة مشاريع تجميلية، لا تعود بالنفع على الاقتصاد أو المواطن، ولعل أبرزها مشروع العاصمة الإدارية الجديدة، الذي قدرت كلفته بنحو 58 مليار دولار.
وارتفع الدين الخارجي لمصر من نحو 43.2 مليار دولار في يونيو 2013، إلى 165.361 مليار دولار بنهاية مارس من العام الحالي، بارتفاع نسبته 282%، وبزيادة مقدارها 2.433 مليار دولار مقارنة بنهاية ديسمبر 2022 و7.56 مليارات دولار على أساس سنوي، علما بأنه يتعين سداد الحكومة ديونا خارجية مستحقة بنحو 9 مليارات دولار في 2023.
الحكومة عاجزة إلا عن بيع الأصول
وأمام تلك الحالة المزرية للاقتصاد المصري، تقف حكومة السيسي عاجزة عن إحداث أي تغيير أو تعديل من سياساتها، سواء بجذب استثمارات جديدة، أو تقليص القروض والاستدانة، أو التوسع في إقامة مصانع وشركات إنتاجية تدعم الصادرات وتقلص حجم الاستيراد وتخلق فرص عمل، بل راحت تسارع الخطى لبيع الشركات الرابحة، ضد خطة تخريب الدولة المصرية وهد أسسها الإنتاجية، التي أنجزها كل الرؤساء السابقين، وأكد رئيس وزراء السيسي مصطفى مدبولي، أن الحكومة باعت أصولا اقتصادية مملوكة للدولة بنحو 1.9 مليار دولار، إثر التخارج من بعض الشركات الحكومية، من بينها 1.65 مليار حصيلة دولارية، وما يعادل 250 مليون دولار بالعملة المحلية.
وكشف مدبولي ببجاحة غير مسبوقة، أن البيع بات سياسة ثابتة للدولة بعيدا عن الأزمة الاقتصادية، بقوله: إن "تخارج الحكومة من الشركات العامة، وطرح أسهمها للبيع أمام المستثمرين، أو في البورصة، أصبح مبدأ للدولة، بعيدا عن الأزمة الاقتصادية الراهنة، أو مشكلة نقص العملة الأجنبية".
واعترف مدبولي، في مؤتمر صحفي عقده بالعاصمة الإدارية الجديدة، الثلاثاء، بالتأخر في تحويل أرباح وعوائد الشركات الأجنبية العاملة في مصر للدولار، قائلا: إنها "مرحلة مؤقتة بسبب ما تمر به البلاد من ظروف، وسيجري التغلب عليها مستقبلا، بالتنسيق مع البنك المركزي"، وشرعت مصر في تنفيذ خطة لبيع عدد كبير من شركاتها العامة للمستثمرين الأجانب، ضمن إجراءات أخرى، في محاولة لتدبير نحو 40 مليار دولار على مدى 4 سنوات، وذلك للوفاء بالتزاماتها الخارجية، وسد عجز سنوي في النقد الأجنبي قدّره صندوق النقد الدولي بنحو 17 مليار دولار.
ومثّل سماح البنك المركزي المصري للدولار بالارتفاع بما يقرب من 100% مقابل الجنيه، منذ مارس من العام الماضي، وصولا إلى سعر يناهز 31 جنيها للدولار، تحفيزا إضافيا للمستثمرين الأجانب، إذ أفقد وحده الشركات المصرية ما يقرب من نصف قيمتها، بالنسبة للراغبين في الشراء بالعملة الأجنبية.