بعد الغلاء الفاحش وتدهور القوة الشرائية للجنيه، وفشل حكومة الانقلاب في توفير الغذاء ومستلزمات المعيشة بأسعار مناسبة، بات المصريون مكبلين بأواصر الجوع والفقر ونقص المؤونة، وهي حالة باتت عامة تضرب أكثر من 88 مليون مصري، باتوا داخل دائرة الفقر الجهنمية.
بل لا تخلو الأسواق من مشاجرات بسبب الأسعار وسوء السلع وعدم توافرها وغلاء أثمانها، كما أن الملايين من المصريين باتوا يشترون أقل احتياجاتهم من السلعة، لدرجة بات معها الشراء بالكيلو جرام نادرا بل غريبا.
وتشهد الأسواق تغيرات كبيرة خلال السنوات الأخيرة ، إذ بدأ البعض توديع "الكيلوجرام" كوحدة قياس تاريخية لشراء المنتجات والسلع، خصوصا الغذائية، ليحل محله البيع بالقطعة أو بالجرام، في العديد من المدن المصرية.
ووفق شهود عيان وتقارير رصدية ، فقد بدأت الظاهرة في التنامي بشكل ملحوظ على مدار الأشهر الماضية، حتى جاء عيد الأضحى ليكشف عن تحولها إلى واقع معاش، إذ انتهج بعض أصحاب المحال والتجار استراتيجيات للتكيف، بعد أن باتت فكرة الشراء بالقطعة تستهوي أعدادا كبيرة من الزبائن.
وانتشرت لافتات بيع اللحوم بالقطعة عوضا عن الكيلوجرام لدى الجزارين، ثم نافسهم بائعو الأسماك في البيع بالسمكة الواحدة، قبل أن يلحق بهما سائر التجار، فحوّل بائعو الجُبن وحدة القياس من الكيلوجرام إلى الـ100 جرام، وباتت بعض الخضروات تباع بكميات لا تتجاوز 250 جراما.
ارتفاع التضخم
حسب تقرير للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ، ارتفعت معدلات التضخم السنوية لبعض المجموعات الغذائية؛ بصورة تفوق الرقم الإجمالي للتضخم البالغ 32.9% ، الأمر الذي يؤثر على نمط واستهلاك وجودة الطعام، خاصة لدى الأسر محدودة الدخل، كما تضاعف معدل التضخم في الخبز والحبوب نحو أربع مرات خلال العام الأخير، وزادت أسعار اللحوم والدواجن بنسب تفوق 90 %، كما ارتفعت أسعار الألبان بنسب تتجاوز 70 %.
ووفق التقرير، فان 93% من الأسر اضطرت إلى خفض الاستهلاك من اللحوم والدواجن والأسماك، فيما قللت 90 % من الأسر استهلاكها من الطعام بشكل عام، و75 % من الأسر قلصت استهلاكها من الأرز والبيض والزيوت والفاكهة.
ووفق شهود عيان، فإن قطعة اللحم الصغيرة بـ50 جنيها.
ومع الأزمات الاقتصادية المتفاقمة، يستمر ارتفاع الأسعار بشكل غير مبررعلى أثر غياب الرقابة، وعجز الحكومة عن ضبط الأسواق، فضلا عن تواصل انخفاض قيمة الجنيه، إذ تجاوزت قيمة الدولار 40 جنيها.
وتقول ربات بيوت : "أجبرنا ارتفاع الأسعار على ترشيد الاستهلاك، وتقليل الكميات التي اعتدنا على شرائها، أصبحنا مضطرين إلى الشراء بالقطعة من محل جزارة يقوم بتقسيم كيلو اللحوم البالغ سعره 400 جنيه إلى 8 قطع، أيام الخير انتهت".
ووفق جزارين، فإن ارتفاع الأسعار خفّض مبيعات اللحوم في الأسبوع الذي سبق عيد الأضحى إلى النصف تقريبا، ما دفع كثير من الجزارين إلى التفكير في حل لزيادة المبيعات، ورفع الحرج عن الزبائن الذين يرغبون في شراء كميات صغيرة، وهو البيع بالقطعة.
الشراء بالعدد وليس بالوزن!
وما يحدث في سوق اللحوم يتكرر في أسواق الدواجن والأسماك، فارتفاع الأسعار تفاقم خلال العام الأخير، ما دفع الزبائن إلى فرض نظام جديد للشراء على التجار، وهو الشراء بالعدد، وليس بالوزن، فأصبح الزبون يحدد عدد السمكات التي يرغب في شرائها وفقا لعدد أفراد أسرته، بينما يلتزم البائع بوزن ما يحتاجه الزبون فقط.
وباتت فكرة البيع بالواحدة، الأصل مع ارتفاع الأسعار خلال الفترة الأخيرة، إذ يحدد الزبون عدد الأسماك التي يرغب في شرائها بحسب عدد أفراد أسرته، في السابق كان التجار يوافقون على البيع بالعدد في حال كان حجم السمك كبيرا، بحيث تزيد السمكة الواحدة عن 300 جرام، أما إذا كان السمك صغيرا فيرفضون.
الآن، ومع الانخفاض الكبير في المبيعات، اضطر الجميع إلى القبول بالأمر الواقع، وتغير الميزان التقليدي القديم ذي الكفتين إلى الميزان الرقمي القادر على احتساب الأسعار بالجرامات وليس بالكيلو.
فيما محال الألبان والسوبر ماركت، فباتت تضع لافتات الأسعار على الأجبان وغيرها بالجرام وليس بالكيلو جرام، وبعض الخضروات أيضا تباع بالجرام.
مصر الأكثر غلاء
وتعد مصر أكثر الدول غلاء بأسعار الغذاء، نظرا لانهيار قيمة الجنيه في مقابل اعتمادها على الواردات الغذائية التي تمثل أكثر من 40% من استهلاك السعرات الحرارية في البلاد.
ووفق اقتصاديين، فإن زيادة أسعار الغذاء، وتحرير سعر الجنيه في مقابل الدولار الأميركي دفعت إلى تسارع معدلات التضخم في المدن، ونتج عن ذلك أوضاع اقتصادية ضاغطة على دخول الأفراد، وكل ذلك كان له تأثير مباشر على نمط ومعدلات الاستهلاك. الأسر الفقيرة تظل الأكثر عرضة للتأثر، نتيجة كونها تخصص حصة أكبر من دخلها لاستهلاك الغذاء، وينعكس الأمر على تقليل الكميات، أو على نمط الشراء بالقطعة أو بالجرام.