مقابل من ينظر إلى تحرك قوات فاجنر على نطاق واسع على أنه تمرد على القيادة الروسية ومحاولة للتدخل في الشؤون الداخلية للبلاد، ويقول بعضهم: إن “هذه الخطوة تعكس الاستياء العام من السياسات الحالية والفساد المزمن في الحكومة الروسية، يعتبر آخرون أن هذه الأحداث هي مجرد مؤامرة تم تدبيرها بين الكرملين وقوات فاجنر لتحقيق أهداف سياسية محددة”.
ثم مجددا، ودون سابق إنذار، أعلن يفغيني بريغوجين رئيس فاجنر، عصر السبت، قراره بسحب قواته العسكرية الزاحفة نحو العاصمة موسكو بهدف إسقاط القيادة العسكرية بموجب اتفاق توسط فيه رئيس بيلاروسيا.
بدورها، أكدت الرئاسة الروسية أنها وافقت على إبرام اتفاق مع مجموعة فاجنر التي نفذت تمردا مسلحا لتجنب حمّام دم.
وزعم محللون أن قوات فاجنر تلقت مبلغا قيمته 6.2 مليار دولار من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA)، نظير محاولاتها الانقلابية على بوتين، بيد أن بريغوجين قائد فاجنر اغتنم الفرصة، وتلقى المبلغ المذكور قبل أن يغدر بالوكالة الأمريكية.
وقال الصحفي العراقي سفيان السامرائي عبر تويتر: إنه “خلال مسرحية التدريب الأكبر بين بوتين – فاجنر على سيناريو، ماذا سنفعل في حالة انقلاب أو تمرد ومن معنا ومن ضدنا، بلع الطعم عدة أطراف من ضمنهم زيلنسكي الذي حاول إقناع أمريكا اليسارية أن التمرد حقيقي، بالرغم من أن كل القيادات في أمريكا وبريطانيا والناتو مقتنعة أنه لا شيء يحدث أصلا، لكن غباء بايدن دفعه لتحويل مبلغ أكثر من ٦ مليار دولار في نفس اللحظة لدعم التطورات في أوكرانيا بعد أن تراجع فاغنر وأعلنت الإدارة البايدنية الأوبامية اليسارية أن المبلغ حُول عن طريق الخطأ وقد اختفى “.
وأضاف “والآن يقوم رهطهم عبر التواصل الاجتماعي بإقناع الرأي العام أن بوتين تزعزع وهي بداية سقوطه لإلهاء الرأي العام بهذه الخزعبلات التي تقاد عبر الإعلام الرقمي المبرمج بغباء اصطناعي فاحش”.
وكتب “وبالمناسبة، فإن نص آخر فقرة، هو ترجمة لما كتبه حساب شهير على تويتر باسم “Not Jerome Powell“، @ALIFARHAT79 والذي كتب “كيف تجني 6.2 مليار دولار؟ 1- أخبر وكالة المخابرات المركزية أنك تخطط لانقلاب على روسيا. 2- خذ 6.2 مليار دولار. 3- لا تفعل شيئا”.
وحظيت التغريدة بأكثر من 65 ألف تفاعل، وتمت إعادة مشاركتها ما يقرب من 10 آلاف مرة، دون ذكر أنها شوهدت 6.2 مليون مرة، رغم أنها نُشرت يوم أمس، كما أن حساب الناشر ليس جديدا، بل يعود تاريخ إنشائه لشهر يناير من عام 2010، ويتابعه حاليا 321 ألف شخص.
ويبدو أن الحساب المذكور استند في مزاعمه لتقارير صحف ووكالات أخبار أمريكية ، على رأسهم أسوشيتد برس ولوس أنجلوس تايمز، أكدت وجود خطأ في الحسابات اقترفه البنتاغون في السنة المالية المنقضية 2022 تسبب في وجود أموال بقيمة 6.2 مليار دولار دون وِجهة مُحددة، من المقرر أن يتم ضخها ضمن المساعدات المقدمة من واشنطن إلى كييف في السنة المالية الجارية.
وهدأت التوترات على الساحة الروسية الداخلية، راجت عالميا نظريات تفيد بوجود خيط ناظم أقرب إلى خيط مؤامرة وراء ما بدأه قائد فاجنر، وأكد ناشطون أن التمرد الذي قام به بريغوجين لم يكن من المستحيل أن يحدث دون تدخل أمريكي من جهة ، أو علم القيادة الروسية (بوتين) به من جهة أخرى.
فاجنر وبولندا
وقال مراقبون: إنه “يكفي أن تحركات فاجنر جعلت بوتين يرسل فاجنر على حدود بولندا العدو التاريخي لروسيا دون أي ردة فعل من الناتو، وعلق حساب @k_20_30 إنه لو قام بوتين بإرسال فاقنر إلى بولندا بدون حركة الانقلاب المفتعله لربما استنفر الناتو و اعتبره اعتداء صريحا على أحد أعضاء الحلف”.
وأضاف حساب @abojan226، ” لو فكر بوتين بإرسال فاغنر إلى بولندا بدون المسرحية المفتعلة، لربما استنفر الناتو و اعتبره اعتداء صريحا على أحد أعضاء الحلف، غير كشف أوراق بعض أجهزة الاستخبارات في الداخل والخارج”.
وبدأت الحرب الروسية على أوكرانيا أواخر فبراير 2022، وشهدت تطورات غير مسبوقة، لعل أبرزها دخول مجموعة فاجنر على خط الجبهة في عدد من المناطق الأوكرانية بوصفها القوة الضاربة التي يتوعد بها بوتين أعداءه في كييف ضمن محاولته الإطاحة بهم من الحكم.
وسرعان ما تحولت فاجنر من قوة ضاربة في يد بوتين إلى قوة غير متوافقة في المواقف والأساليب مع القيادات العسكرية على الجبهات وفي موسكو بشكل خاص، والحديث هنا عن التوترات بين وزير الدفاع سيرغي شويغو وزعيم فاجنر يفغيني بريغوجين.
مع حلول العام الجاري، بدأت شرارة الصراع بين الطرفين لتصل أشدها مؤخرا، بعد أن خرج بريغوجين متهما الجيش الروسي بمهاجمة معسكرات مقاتليه، وتوجيه ضربات صاروخية مميتة لقواته، متوعدا بالانتقام لهم.
ويعود أصل الصراع إلى إلقاء قائد فاجنر اللوم على قيادات الجيش الروسي لفشلهم في تزويد قواته بالذخيرة والأسلحة، كما يلوم “بريغوجين” القيادات على استئثارها بالثناء والإرشادات في الحرب الأوكرانية، حيث إنه كان يرغب في الحصول على إشادة بجهود قواته، وتزويدهم بالمزيد من الأسلحة والعتاد.
كما اتهم بريغوجين القيادة العسكرية الروسية بعدم الكفاءة وحجب الذخيرة عن مقاتليه، وهدد بسحب قواته من مدينة “باخموت” التي استولى عليها بعد معارك ضارية، كما انتقد بريغوجين النخب الروسية والكرملين وأطلق عليهم في مناسبات عديدة أوصافا يكاد الجزم بأنه الروسي الوحيد القادر على قولها على العلن.
كما رفض “بريغوجين” أمرا من وزير الدفاع الروسي يلزم جميع المشاركين في التشكيلات التطوعية بإبرام عقود مع الوزارة.
وعلى ما يبدو، فقد دفع عدم التقدير، واستئثار قيادات الجيش الروسي بعبارات الإشادة، “فاجنر” إلى التمرد على قيادات الجيش، والزحف نحو العاصمة الروسية موسكو، والسيطرة على المواقع العسكرية في روستوف، المدينة الواقعة في جنوب روسيا، بما فيها المقر العام للقيادة الجنوبية للجيش الروسي، حيث يتم تنسيق العمليات العسكرية في أوكرانيا.
ومعلوم أنه في السنوات الأخيرة، اكتسبت مجموعة “فاجنر” الروسية شهرة واسعة كقوة عسكرية خاصة تعمل في مناطق النزاعات حول العالم، بدعم من الكرملين والمخابرات الروسية.
وتتألف المجموعة من آلاف المقاتلين، معظمهم من المحاربين القدامى أو السجناء السابقين أو المغامرين والقتلة المأجورين الذين يبحثون عن المال والإثارة، وتتمتع المجموعة بتجهيزات عسكرية حديثة وخبرات قتالية عالية، ما يجعلها قادرة على تحقيق انتصارات في المعارك التي تشارك فيها.
ولطالما ادعى الكرملين أن مجموعة “فاجنر” لا تحظى بأي دعم رسمي من روسيا، وأن نشاطاتها تخضع للقانون الدولي، ولكن في الحقيقة، تشير التقارير إلى أن المجموعة تتلقى تغطية سياسية وإعلامية ودبلوماسية من روسيا، كما تتعاون مع جهاز الأمن الفدرالي (إف إس بي)، الذي يزودها بالمخابرات والإذن بالتحرك.
وتعتبر مجموعة “فاجنر” ذراعا سرية لروسيا في تحقيق مصالحها في مناطق الصراعات، حيث تستطيع أن تتدخل دون أن تثير احتجاجات دولية أو تحاسب على انتهاكات حقوق الإنسان، كما تساهم المجموعة في توسيع نفوذ روسيا وتأمين مصادر الطاقة والمعادن والأسلحة والنفوذ السياسي في الدول التي تعمل فيها.
تأسست قوات فاجنر لتكون قوة عسكرية موازية غير نظامية لا تشملها العقوبات الغربية على موسكو، ولا يمكن أن تمسّ أعمالها الشنيعة من سمعة الجيش الروسي الذي يعتبره بوتين الإرث الأهم من حقبة الاتحاد السوفيتي الذي يريد إعادة أمجاده بالحديد والنار.
