تروج لفخ التمويل الاستهلاكي.. دار الإفتاء السيسية تجيز الأضحية بالتقسيط!

- ‎فيتقارير

تصر دار الإفتاء السيسية (المصرية سابقا) على إثارة الجدل باستمرار، فبعد فتواها المثيرة للجدل بجواز الاقتراض من أجل أداء فريضة الحج التي تسقط عن الفقير أساسا لأنها شعيرة واجبة على من  استطاع إليها سبيلا، فاجأت دار الإفتاء المصريين والعالم بفتوى شبيهة تكشف عن ضآلة في العلم وفساد في التصور وغياب عن الواقع؛ حيث أجازت الدار في أحدث فتاويها جواز شراء الأضحية بالتقسيط أو الثمن المؤجل؛ الأمر الذي أثار موجة من الجدل عبر منصات التواصل الاجتماعي.

ففي منشور لدار الإفتاء المصرية على فيسبوك، أجازت الدار شراء الأضحية بالتقسيط أو الثمن المؤجّل، ردًّا على سؤال: هل يجوز الاقتراض من أجل الأُضْحِيَّة وإذا فعل ذلك هل تجزئه؟ وأجابت دار الإفتاء بأن الأُضْحِيَّة سُنَّة في حقِّ المستطيع فقط، ولكن مَن اشترى أضحيته بالتقسيط أو الثمن المؤجَّل لأجلٍ معلوم وضحَّى بها؛ أجزأه ذلك.

علّق على فتوى الدار أحد المدونين قائلًا: «فى إعلان بيقولك تقسط الأضحية بتاعتك، عشان لو حابب تخش السجن والجنة فى نفس الطلعة، يعنى آخد قرض وأبقى غارم عشان أدي حاجات للغلابة، جميل، كأنك قسمت على صفر، شوف إنت بقى حد يسلفك تجيب لحمة»!!. ورد عليه آخر موضحا أن الفتوى تحدثت عن التقسيط وليس الاقتراض. وهو أمر جائز. أما أبو الحسن الشافعي كتب “التعبير بـ(أجزأه) ليس فيه احتراف في الفتوى، لأن (أجزأه) يقال فيمن استفتى عن جواز فعل لاستيفاء واجب أو فريضة، وهنا المستفتي ليس عليه واجب أو فريضة، من جهتين الأولى أنها سنّة مؤكدة وتركها ليس إثمًا، والثاني أنه لا يملك شيئًا، وغير المالك تسقط عنه الفريضة، ويعفَى من السنة من باب أولى”.

 

فخ التمويل الاستهلاكي!

قطاع من المدونين يرى أن مسألة التقسيط أو الاقتراض من أجل الأضحية بحد ذاته سلوك مثير للجدل؛ وقد لا يتفق مع التعاليم الإسلامية التي لا تفرض على  الناس ما لا طاقة لهم به. فالحج لمن استطاع إليه سبيلا، والأضحية لمن قدر عليها؛ فالمسلم ليس بحاجة إلى وضع نفسه في ورطة مالية سواء بالدخول في طائفة الغارمين إذا اشتراها بالتقسيط أو الاقتراض لأجل شراء الأضحية. فالمسألة أبسط من ذلك؛ لأن الإسلام لا يكلف إلإنسان إلا ما يطيق من الأعمال. وفي كل الأحوال فالأضحية سنة مؤكدة وليست قرضا وتركها ليس إثما.

العمق في المسألة يتعلق بالتحولات الجارية على سلوك المسلمين وتحولهم من أمة منتجة مكتفية ذاتيا إلى أمة مستهلكة لا هم لها سوى ملء بطونها وإشباع ملذاتها بعيدا عن حياة الزهد والتوسط التي التي دعا إليها الإسلام. ويمكن فهم هذه الفتوى في سياق الموجة المحمومة نحو تكريس نزعة الاستهلاك بين الشعب المصري والشعوب العربية والإسلامية، في ظل انتشار منافذ شركات التمويل الاستهلاكى أمام المتاجر الكبرى فى عموم الجمهورية.

 

تجربة الأرجنتين

وكان الخبير الاقتصادي مدحت نافع قد حذر من الوقوع في فخ “التمويل الاستهلاكي” في مقاله المنشور بصحيفة الشروق تحت عنوان « انتبهوا إلى فخ التمويل الاستهلاكى»، بتاريخ 25 إبريل 2022م، حيث أشار إلى تجربة المواطنين في الأرجنتين حين وقعوا في فخ “الشراء على النوتة”؛ فرغم أن الأرجنتين تحتل المركز الأول فى الاكتفاء الذاتى من الغذاء على مستوى العالم، الأمر الذى يحد من فرص تعرضها للتضخم المدفوع باضطراب سلاسل الإمداد وحركة التجارة الخارجية لكثير من المجموعات السلعية المستهلكة على أراضيها. إلا أن وقوع مواطنيها في فخ التمويل ا لاستهلاكي “الشراء على النوتة”، دفع بالتضخم إلى أعلى مستوياته حيث وصل إلى نحو “52.4%” في منتصف 2022م.

فهناك سهولة كبير  في عمليات لتمويل من أجل الشراء والاستهلاك، او الشراء مع الدفع الآجل؛ فأي شيء تريده يمكنك اقتناؤه والدفع على النوتة. وهو السلوك الذي لا تظهر تبعاته إلا قرب نهاية الشهر مع انكشاف مركزه المالى بشكل غير متوقع. فالدفع مؤجل وبلا فوائد تأخير أو مصاريف إدارية، لكنه يغرى بالمشترى أن يستهلك أكثر من قدرته الشرائية فى ظروف السداد النقدى، وبالتأكيد أكثر من إمكانات راتبه المقيد بإنتاجيته، وهو ما يترتب عليه أثران بالغا الخطورة.

  • أولا على المستوى الكلى للاقتصاد، يخلق هذا الخط الائتمانى الجديد طلبا فعالا غير مدعوم بقوى شرائية حقيقية لتزداد معه فرص التعثر على نحو غير مسبوق، خاصة كلما كانت الظروف الاقتصادية غير مواتية وزاد عدد الفقراء، فلا أقل من تفشى ظاهرة الغارمين والغارمات بما يفوق قدرة الدولة والمجتمع على الوقاية منها أو علاجها. كما أن زيادة الطلب غير المدعوم بدخل ناشئ عن إنتاج يعنى ببساطة وجود فائض طلب، وعجز المعروض السلعى دون تلبية الطلب على كثير من السلع المشمولة بهذا النظام الائتمانى، مما يغذى التضخم برافد جديد مستمر فى دائرة مغلقة.
  • الأثر الثانى بالغ الخطورة والذى من المتوقع أن ينشأ عن انتشار نشاط التمويل الاستهلاكى أو «الشراء على النوتة» يستشعره المستهلك البسيط على المستوى الشخصى. التعثر والإفلاس والغرق فى دوامة من الديون هى باختصار بعض النتائج التى يمكن أن يجنيها المستهلك من التوسع فى «الشراء على النوتة» مهما بلغت درجة وعيه ومستوى تعليمه. بالتأكيد كلما انخفضت درجة الوعى وزادت حدة الفقر والنهم إلى الاستهلاك تكون النتيجة أكثر خطورة. فاختيارك بين بدائل السلع الكثيرة المتاحة فى المتاجر لابد أن يكون مقيدا بملاءتك المالية أو بتعبير آخر لابد أن تحده النقود التى تمتلكها فى محفظتك، فإذا اضطررت إلى السداد ببطاقة الائتمان فأنت تعلم يقينا أنك تتحمل تكلفة إضافية إن تأخرت عن سداد قيمة مشترياتك نقدا عن حد السماح، كما أن البنك الذى يتقن إدارة مخاطره يعلم تماما حجم الائتمان الذى يمكن أن يمنحه لكل عميل بعد دراسة وافية لجدارته الائتمانية، مما يحد من مخاطر التعثر والإفلاس. أما فى حالة التمويل الاستهلاكى المستحدث عبر الشركات المتخصصة (والتى يبدو أنها تحقق فى مصر توسعا كبيرا ونشاطا ملحوظا رغم حداثتها!) فإن المستهلك يحصل على التمويل بأقل قدر من الضمانات وبلا تكاليف إضافية فينفق من غير سعته.

 

زيادة التضخم

مشكلة فتوى دار الإفتاء السيسية أنها لم تقرأ الواقع كما يجب، ولم تقرأ مآلات فتواها كما يجب، ولم تنظر مليا في تأثير هذه الفتوى على تكريس النزعة الاستهلاكية بما يفضي إلى زيادة الطلب على السلع؛ وهو ما يفضي تلقائيا إلى قلة المعروض أمام الطلب المتزايد؛ ما يترتب على ذلك من غلاء أسعار السلع والخدمات وبالتالي  تزداد موجة التضخم وترتفع الأسعار وتزداد الأعباء بزيادة النزعة الاستهلاكية للمواطنين.

وحسب الخبير الاقتصادي مدحت نافع فإن  التوسع فى نشاط التمويل الاستهلاكى، خاصة فى دولة مثل مصر تعانى من انخفاض الإنتاجية وحفز النمو بالاستهلاك لا بالاستثمار والإنتاج، من شأنه أن يضاعف من أثر الضغوط التضخمية على المستوى العام للأسعار فى بلدنا، ومن الضرورى والمنطقى أن تقيد الدولة هذا النشاط خلال فترات الأزمات الاقتصادية، وفى مقدمتها أزمات التضخم التى ضربت معظم اقتصادات العالم.

الخلاصة أن فتوى دار الإفتاء تعمل ضد المجتمع وحتى ضد سياسات  الدولة نفسها التي تستهدف الحد من ظاهرة التضخم. ومن الضرورى أن تلتفت الحكومة ــ  حسب الخبير مدحت نافع ــ إلى الأضرار الاقتصادية التى يمكن أن يتركها نشاط التمويل الاستهلاكى دون وجود ضوابط واضحة لإدارة مخاطر التعثر. بل من الضرورى وقف ذلك النشاط تماما أو تعطيله لحين مرور الجائحة التضخمية التى تعصف باقتصادات الدول العظمى، حتى إن الاقتصاد الأكبر فى العالم يشهد معدلا سنويا للتضخم غير مسبوق منذ أربعة عقود، كما أن أوروبا كلها تعانى من ذات الأثر، على الرغم من قدرة تلك الدول على تطوير هياكلها الإنتاجية لإشباع الحاجات المحلية أولا، وتقييد التصدير للتغلب على أزمات التضخم المعززة بنقص المعروض. هذا ما يضيف على الدول التى تعانى موازين تجارتها من عجز مزمن (مثل مصر) أعباء تضخمية جديدة، وكذلك يؤدى رفع أسعار الفائدة على الدولار إلى خفض فعلى للعملات الوطنية وزيادة لأعباء الدين الخارجى بما يضاعف من أزمات الاقتصادات الناشئة ويعجل بمخاطر تعثرها.