«إسلام» على مقاس السلطة.. فتوى مصرية تجيز الاقتراض بالربا لأداء فريضة الحج!

- ‎فيتقارير

منذ اغتصابه للسلطة بانقلاب عسكري فإن الجنرال عبدالفتاح السيسي يعمل على نشر دين جديد تحت مسمى «الإسلام»، لكنه إسلام يختلف عن إسلام القرآن والسنة، هو دين جديد على مقاس السلطة، مجرد تابع لها وخادم لأجندتها، دوره أن يكون على الدوام طيعا مستسلما يتم توجيهه حسب هوى السلطة، فما تحله فهو الحلال وما تحرمه فهو الحرام، ومن ترضى عنه فهو المسلم الحق ومن تغضب عليه  فهو خارجيُّ مستوجبُّ للقتل.  الدين الذي يبشر به السيسي وشلة الجنرالات من حوله مدعومين من أمراء الخليج وحكومات العالم الغربي، هو إسلام منزوع الدسم فلا جهاد فيه ولا أمر بمعروف أو نهي عن منكر، لأن المعروف هو ما تقره السلطة والمنكر هو ما تنكره السلطة. التسليم في هذا الدين الجديد الذي يبشر به السيسي ليس لله ورسوله، بل للسلطة وأجهزتها الأمنية والتشريعية والإعلامية؛ فإذا كان القرآن قد حرم في سورة المائدة موالاة (الإذعان والمناصرة والتأييد) اليهود والنصارى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51)}، فإن السلطة ترى أن ذلك ضرورة قومية ومصلحة عليا للأمن القومي! وإذا نهى القرآن في سورة النور عن إشاعة الفواحش بين المؤمنين {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ (19)}، فإن العري والخمور والرقص والسكر والعربدة  لها بيوت كثيرة تحت حماية السلطة نفسها؛ لأن ذلك نشاط شرعي يزيد الدخل القومي ويوفر آلاف الفرص للعاطلين عن العمل!

وإذا كان الإسلام لم يقر إلا طريقة واحدة للوصول إلى هرم السلطة وهي عبر بوابة الشورى ومبايعة الناس طواعية، ويحرم بشكل حاسم الخروج على الحاكم الشرعي المنتخب بإرادة الناس الحرة؛  فإن الدين الذي يبشر به السيسي لا يرى بأسا في انتزاع الملك بقوة العنف والإرهاب وقتل الحاكم الشرعي المنتخب بإرادة الناس الحرة، ولا يرى بأسا من قتل الآلاف ما داموا رافضين اغتصابه للحكم بأدوات البطش والعنف والدماء. ولا ضير مطلقا من تلفيق التهم لعشرات الآلاف منهم وإيداعهم في السجون ظلما حتى لو كانوا علماء ودعاة إلى الله. بل لا يرى بأسا  في الانتقام منهم على الدوام وقهرهم وإذلالهم لإجبارهم على الانصياع والإذعان والقبول بجريمته واغتصابه للسلطة!

حرم الإسلام الربا وحذَّر القرآن في سورة البقرة من التعامل به { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (278) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ..}، لكن الدين الذي يبشر به السيسي يرى أن الربا هو عصب النشاط الاقتصادي كله ولا تقوم للدولة قائمة بدونه. وكانت النتيجة أن بند خدمة الديون فقط في مشروع الموازنة الجديدة (2023 ـ2024) تصل إلى نحو  "2.4" تريليون جنيه بينما كل إيرادات الدولة تصل إلى "2.1" تريليونا فقط، وهي لا تكفي لسداد ما على مصر من أقساط وربا خلال هذه السنة!

 

قروض ربوية لأداء الحج!

آخر تقاليع وبدع دولة العسكر ودينها الجديد هو الإعلان عن «قروض الحج»، وهي قروض ربوية طرحتها "4" بنوك مصرية منها بنكا فيصل ومصر، وتشترط البنوك إتاحة القرض لمن يتجاوز سن الـ21 عامًا بتمويلات تصل قيمتها إلى 400 ألف جنيه (نحو 12947 دولارًا أمريكيًّا)، بينما تصل فترة السداد إلى 10 سنوات بفوائد سنوية تبدأ من 16%. ويُمنح التمويل لفئات مختلفة، من بينهم الموظفون عن طريق تعهد جهة العمل بتحويل الراتب وهو ما يُعرف بـ”القسط الشهري”، أو لأصحاب المهن الحرة والأنشطة التجارية، أو لمستحقي المعاشات، وأصحاب الأوعية الادخارية سواء كان للمصريين أم الأجانب، وفقا لموقع بنك مصر.

بشاعة الفكر تأتي من جانبين: الأول، أنها دعوة لأداء فريضة من فرائض الله  بأموال ربوية رغم أن نصوص الشرع تحرم ذلك بنص الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، …… ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر ، يمدّ يديه إلى السماء : يا رب يا رب ، ومطعمه حرام ، ومشربه حرام ، وملبسه حرام ، وغُذّي بالحرام ، فأنّى يُستجاب له؟!).  والثانية أن هذه الفريضة أساسا فرضها الله على المقتدرين وأعفى منها غير القادرين كما ورد في سورة آل عمران: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً}. فالمسلم غير مطالب أصلا بأداء الحج إذا كان فقيرا وغير قادر على نفقته.

ورغم ذلك فإن  دار الإفتاء (السيسية)، كانت قد باركت هذه الفكرة الشيطانية حين طرحت أول مرة في منتصف 2022م، وذلك لإبداء أعلى صورة الانصياع والإذعان للسلطة على حساب الإسلام وأحكامه، وربما محاولة من المفتي لاسترضاء السلطة لأبعد مدى ممكن علها تختاره شيخا للأزهر خلفا للشيخ أحمد الطيب يوما ما ــ  فادعت الإفتاء أن تمويل خدمات الحج والعمرة عن طريق البنك بالتقسيط “أمر جائز شرعًا”، واشترطت أن تكون القيمة المطلوبة محددة سلفًا ويتم الاتفاق فيها بوضوح بين الطرفين على آجال السداد، وفق فتوى صدرت عنها عام 2022م!

موقف السلطة ودار إفتائها السيسية استفز قطاعات واسعة من المصريين على مواقع التواصل الاجتماعي، وقال الباحث في الشريعة والقانون أحمد عبد التواب، إن القرض المطروح “ربوي”، وتابع في تدوينة عبر فيسبوك “لا يقبل الله حج من اقترض بالربا، فالله طيب لا يقبل إلا طيبًا، والحج فريضة في حق المستطيع، وغير المستطيع تسقط عنه الفريضة”. أما المدونة لمياء السباعي فكتبت “تخيل تعمل قرض بفائدة ربوية علشان تؤدي فرض -ربنا جعله لمن استطاع إليه سبيلًا- أنا قعدت شوية أفكر إيه الدماغ اللي فكرت في الموضوع ده!”. وعلّق محمد حجازي مغردًا “مش معقول كل المسؤولين عن قرار زي ده محضروش حصة دين في المرحلة الابتدائية”.

وكان مجمع البحوث الإسلامية أفتى عام 2018 بأن الاقتراض للحج أو الاتفاق مع شركات تتيح الحج بالتقسيط “أمر غير مستحب لعدم الاستطاعة”، وحتى لا يكلف الإنسان نفسه بالاستدانة للحج. ونقل الأزهر في منشور سابق عبر صفحته “روى عن طارق بن عبد الرحمن، قال: سمعت ابن أبي أوفى يسأل عن الرجل يستقرض ويحج؟ قال: يسترزق الله ولا يحج”، وذكر عن الشافعي أيضًا “وَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَالِهِ سَعَةٌ يَحُجُّ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَقْرِضَ فَهُوَ لا يَجِدُ السَّبِيلَ”.