قرار الدائرة الأولى إرهاب فيما تسمى بمحكمة جنايات أمن الدولة العليا طوارئ برئاسة المستشار محمد السعيد الشربيني، الإثنين 22 مايو 2023م بإحالة أوراق فضيلة المرشد العام للإخوان المسلمين الدكتور محمد بديع و7 آخرين إلى مفتي الديار السيسية (المصرية سابقا) لأخذ رأيه الشرعي في إعدامهم وذلك في القضية المعروفة إعلاميا باسم "أحداث المنصة" يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حوى مغزى الحكم في هذا التوقيت وفي ظل انطلاق جلسات ما يسمى بالحوار الوطني.
المحكوم عليهم هم رموز وقيادات من الصف الأول بجماعة الإخوان المسلمين ومنهم علماء ودعاة مشهورون وتضم القائمة الدكتور محمد بديع (70 سنة) مرشد الإخوان وهو أستاذ متفرغ بكلية الطب البيطري جامعة بني سويف "محبوس". والدكتور محمود عزت إبراهيم – 69 سنة – أستاذ متفرغ بكلية الطب جامعة الزقازيق "محبوس" وهو نائب المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين". والدكتور محمد محمد إبراهيم البلتاجي – 60 سنة – أستاذ مساعد بكلية الطب جامعة الأزهر "محبوس"، وهو عضو مجلس شورى جماعة الإخوان المسلمين ونائب برلماني سابق، وعمرو محمد زكي محمد السن – 57 سنة – مهندس عمارة حرة "محبوس" ونائب برلماني سابق، وأسامة يس عبد الوهاب محمد – 59 سنة –طبيب بشري حر "محبوس" وهو وزير الشباب والرياضة الأسبق في عهد الرئيس الشهيد محمد مرسي". وصفوت حمودة حجازي رمضان – 61 سنة – رئيس مجلس إدارة الشركة العربية للقنوات الفضائية "محبوس" وداعية، وعاصم عبد الماجد محمد ماضي – 65 سنة – حاصل على لیسانس بكالوريوس هندسة وداعية، ومحمد عبد المقصود عفيفي – 66 سنة – أستاذ دكتور ورئيس بحوث وقاية النباتات بالمعاش معهد (فار)".
القضية المحكوم فيها تحمل رقم 72 لسنة 2021 جنايات أمن الدولة طوارئ ثان مدينة نصر، وقيدت برقم 9 لسنة 2021 كلى القاهرة الجديدة، وبرقم 21 لسنة 2021 جنايات أمن الدولة العليا، والتي تتعلق بأحداث مذبحة المنصة. وهي المذبحة التي ارتكبتها عصابات الانقلاب العسكري (الشرطة ـ الجيش ـ مدعومين بعدد من البلطجية وأرباب السوابق) مساء 26 يوليو 2013م، حيث استخدموا الرصاص الحي والخرطوش وقنابل الغاز المسيل للدموع وزجاجات المولوتوف ضد المسيرة الضخمة التي انطلقت من ميدان رابعة العدوية بمدينة نصر من جهة شارع النصر، وعند أول كوبري أكتوبر أطلقت عصابات الانقلاب وابلا من النيران استمر من مساء الجمعة إلى الساعة العاشرة من صباح السبت. وهي المذبحة التي راح ضحيتها نحو "200" قتيل وأكثر من "4500" مصاب كلهم تقريبا من المعتصمين وأنصار الرئيس الشرعي. وقد وثّقت شهادات بعض الأطباء بالمستشفى الميداني، والذي نقلت عنهم "ويكي ثورة"، ومنهم أستاذ الجراحة بجامعة عين شمس، محمد سليمان، أن المستشفى الميداني استقبل في تلك الليلة أكثر من 50 حالة قنْص في الرأس، و150 حالة إصابات مميتة ونزيف حاد، و50 حالة ماتت في الطريق إلى المستشفيات خارج الميدان، و4000 حالة إصابة ما بين كدمات وخرطوش واختناقات وجروح قطعية وعميقة ورصاص حي وكسور. بدوره، وثّق موقع "ويكي ثورة" المجزرة في 143 فيديو (بتسلسل الوقائع حتى آثار ما بعد الاشتباكات وفيديوهات للمصابين والضحايا والمشرحة وجنازات).. 18 شهادة فيديو.. 26 شهادة مكتوبة.. مئات الصور.. 11 تقريراً حقوقياً وطبياً.. 9 تقارير أجنبية.. مؤتمر وبيانات صحافية.. إضافة إلى عشرات الأخبار.
ورغم ضخامة عدد الضحايا (200 شهيد و4500 جريح ومصاب) إلا أن النيابة العامة والقضاء يحققون فقط في مقتل ضابط واحد! يدعى شريف السباعي، وكتب عبارة "آخرين" لتحميل قيادات الجماعة جريمة مقتل أنصارهم الذين قلتهم الداخلية بمعاونة البلطجية بأوامر مباشرة من السيسي وجنرالات الانقلاب. وأكدت هيئة الدفاع عن المتهمين بالقضية أن المتهمين مجني عليهم، وأن للمتهمين بالقضية أبناء وأشقاء قتلوا في الأحداث ولم تحرك النيابة العامة الاتهامات ضد الداخلية وقيادتها رغم وجود فيديوهات تظهر قيام الضباط بالتعامل بالرصاص الحي معهم وقتلهم، علماً بأنّ أعمار المذكورين في الحكم، هي أعمارهم عند قرار الإحالة، أي قبل عشر سنوات. كما دفعت هيئة الدفاع بشيوع جريمة القتل وعدم معقوليتها، وأن المتهمين هم المجني عليهم، وأن النيابة العامة في ظل الظروف التي شهدتها الأحداث كان لها تحرك "سياسي" وليس "قانونيا" في القضية، بل ورفضت إثبات الضحايا من ذوي المتهمين كقتلى.
وعندما نقرأ القرار في ظل السياق السياسي الحالي، فإنه يأتي بعد صدور أربعة قرارات (قضائية) بمد وضع الإخوان على لوائح الإرهاب لخمس سنوات مقبلة. كما يأتي في ظل انعقاد جلسات ما يسمى بالحوار الوطني والذي يستهدف به السيسي لم شمل تحالف قوى 30 يونيو الانقلابي والذي يضم الجيش ومؤسسات الدولة العميقة التي اختطفت الدولة والأحزاب والقوى العلمانية كالناصريين (الكرامة والحزب الناصري) واليساريين التقليديين (التجمع) والليبراليين المزيفين مثل الوفد بخلاف خدام السلطة العسكرية على الدوام وهي مجموعة أحزاب كرتونية أسستها الدولة لدعم مواقفها وسياستها وهم بلا تأثير يذكر. وحسب كثير من الخبراء والمحللين فإن الهدف من الحوار هو تصميم عملية إخراج مسرحية الانتخابات الرئاسية المقررة منتصف العام المقبل (2024) بشكل يضمن فوز السيسي بالرئاسة دون انتقادات على النحو الذي جرى في مسرحية 2018م. والهدف الثاني هو منح السياسات الاقتصادية للنظام وأبرزها التوسع في الاقتراض وما تسمى بالمشروعات القومية غطاء اجتماعيا بالزعم أنه يحظى بقبول وموافقة شعبية من خلال مخرجات الحوار الوطني. والهدف الثالث هو تبييض صورة النظام أمام المجتمع الدولي، والهدف الرابع هو محاولة امتصاص شيء من الغضب الشعبي العارم من تفشي الغلاء الفاحش وسوء الأوضاع الاقتصادية وتآكل قيمة الاجور والمرتبات إلى مستويات مرعبة وغير مسبوقة. وفي ظل هذا السياق يعمل النظام على لم شمل التحالف المؤيد له في الوقت الذي يعمل على إقصاء كل معارضيه من الإسلاميين وروابط الألتراس لأكبر الأندية الرياضية مثل أهلاوي والوايت نايتس.
نستنتج من تصعيد الحملة ضد الإخوان والألتراس في هذا التوقيت أن الوساطات التي جرت خلال الشهور الماضية لإخضاع الجماعة وإجبارها على التسليم والاعتراف بالانقلاب العسكري قد فشلت في التوصل لحل، وأن قيادات الجماعة في السجون والمعتقلات رفضوا شروط الإذعان والتسليم بالأمر الواقع؛ وبالتالي فإن النظام الذي يجد نفسه في موقف شديد الضعف لأسباب اقتصادية في معظمها مدفوعا بمخاوف من احتمال خروج الأمر عن السيطرة يواصل المزيد من الضغوط على قيادات الجماعة بالسجون من أجل إجبارهم على التسليم متجاهلا أن الجماعة قد دفعت بالفعل أثمانا باهظة خلال السنوات الماضية؛ وبالتالي فإن إجبارهم على التسليم بالانقلاب اليوم بعد كل هذه التضحيات هو سلوك عبثي بامتياز ولن يأتي بأي نتائج على الإطلاق. يعزز موقف الرفض لدى قيادات الجماعة أن النظام نفسه ليس أهلا هلللثقة فقد عاينه الجميع غدارا سفاكا للدماء، لا يتورع عن فعل أبشع الجرائم من اجل التشبث بالسلطة حتى النهاية.