على الدوام كان هدف السلطة في مصر إضعاف المجتمع وتهميش دوره لحساب السلطة، ومنذ فجر التاريخ كان نظام الحكم في مصر سلطويا يفرض سيادته على المجتمع بالحديد والنار؛ فالسلطة في مصر منذ عهد الفراعنة كانت تفضل الوسائل السلمية في حل المشاكل مع الخارج بينما تمارس أبشع صور العنف والطغيان في التعامل مع أي موقف معارض أو ناقد في الداخل.
ولم يحظ نظام حكم في القرآن الكريم بالنقد والذم والوعيد الشديد كما هو مع نظام الحكم المصري الفرعوني، ولم يحظ جيش بالتوبيخ والعقاب كما حظى جيش مصر الفرعوني في القرآن الكريم { إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4)} القصص. ويصفهم القرآن بأبشع الصفات ويتوعدهم بالعذاب الآليم: {وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ (39) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (40) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنصَرُونَ (41) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ (42)} القصص. ويحذر القرآن من أن هذا النموذج الفرعوني هو أحد أسوأ نماذج الحكم في التاريخ الإنساني كله. فقد كان فرعون متكبرا مغرورا يظن نفسه حكيما صاحب رأي سديد، شعاره في الحكم (مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ (29) غافر. تسلم البلاد ومصر دولة عظيمة قوية مرهوبة الجانب وتركها ذليلة ضعيفة بعدما غرق هو وجيشه في اليم انتقاما من الله على ظلمهم وبطشهم وطغيانهم. (كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (28) فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ (29) الدخان.
وفي قراءته للتاريخ المصري منذ فجر التاريخ سطر المؤرخ جمال حمدان خلاصة بحوثه ودراساته حين لخّص العلاقة بين الحاكم والمحكوم في مصر بهذه الفقرة البليغة لغة ومضمونا "وهكذا بقدر ما كانت مصر تقليديا، من البداية إلى النهاية، شعبا غير محارب في الخارج، كانت مجتمعا مدنيا يحكمه العسكريون كأمر عادي في الداخل، وبالتالي كانت وظيفة الجيش الحكم أكثر من الحرب، ووظيفة الشعب التبعية أكثر من الحكم، وفي ظل هذا الوضع الشاذ المقلوب، كثيرا ما كان الحكم الغاصب يحل مشكلة الأخطار الخارجية والغزو بالحل السياسي، وأخطار الحكم الداخلية بالحل العسكري؛ أي إنه كان يمارس الحل السياسي مع الأعداء والغزاة في الخارج، والحل العسكري مع الشعب في الداخل، فكانت دولة الطغيان عامة استسلامية أمام الغزاة، بوليسية على الشعب". وموقف السيسي الذي قاد انقلابا وحشيا دمويا من سد النهضة الإثيوبي خير برهان على ذلك.
هذه هي سمات الحكم الفرعوني منذ فجر التاريخ، وهي ذاتها نفس السمات التي لا تزال تحكم بها سلطة الحكم العسكري في مصر حتى اليوم، وحين قرر الوالي محمد علي باشا (1805 ــ 1849) إنشاء الدولة المصرية الحديثة، بدأ بالجيش على النمط الغربي العلماني سنة 1815م، وحين احتاج الجيش لمستشفيات لعلاج الجنود ومدارس لتعليم ما يحتاجه من أطباء ومهندسين وحرفيين مهرة، ومصانع للذخيرة والسلاح والملابس، ومزارع لتوفير الغذاء فعل كل ذلك لخدمة الجيش الذي صنعه لنفسه ليكون أداته في بناء سلطة دكتاتورية قمعية لتكوين إمبراطوريته الخاصة لبناء مجده الشخصي على حساب المجتمع والدين والحضارة. فالدولة المصرية (الوطنية!) التي تأسست في عهد محمد علي باشا لا تزال تحمل ذات السمات التي تجعل مؤسسات الدولة مجرد خادم للحاكم وليس للشعب، وعندما أسس الوالي الجيش لم يؤسسه للدفاع عن الوطن بل لخدمة أجندته ومشروعه الشخصي بتكوين إمبراطورية ضخمة تكون قادرة على فرض سيادتها على المجتمع والبلاد المحيطة بقوة السلاح.
وعندما أسس الباشا الجيش أثناء حربه على الحركة الوهابية في بلاد الحرمين الشريفين، أسسه على النمط الغربي العلماني، وكذلك تأسست كل مؤسسات الدولة المصرية الحديثة بناء على هذا النمط، وتم استبعاد الهوية الإسلامية للأمة و المجتمع في تكوين الدولة. والفارق الجوهريَّ بين مشروع محمد علي التحديثي ومثيله الغربي يكمن في أن النموذج الغربي تأسس ليُساير الانتقال من الزراعة للصناعة من أجل حسن إدارة الدولة وتحسين رفاهية مواطنيها، في حين تأسست الدولة المصرية الحديثة بدافع طموح عسكري للباشا، في سياق صراعه على النفوذ والسلطة. معنى ذلك أن الدولة الغربية الحديثة تمحورت في نشأتها حول المواطن وسخرت كل إمكانياتها من أجل الشعب وإسعاده وتحقيق الرفاهية له، بينما تمحورت الدولة المصرية الحديثة حول الجيش الذي كونه الحاكم كأداة يوظفه من أجل تكريس حكمه وتوسيع مملكته وقهر شعبه من أجل فرض تصوراته التحديثية التي ارتبطت بالنمط الغربي في شقيه المادي والفكري.
لم يكن للجيش دور في مواجهة الاحتلال الإنجليزي (1882 ــ 1956)، بل كان له دور سلبي لأن النظام السياسي للأسرة العلوية أضعف المجتمع لحساب السلطة؛ لدرجة أن هذا المجتمع الذي انتصر على الجيش الإنجليزي (حملة فريزر 1807م) في ظل غياب الجيش أصلا، لم يقو هذا المجتمع ولا الجيش في صد الاحتلال الإنجليزي، بعدما تم فرض الخضوع والخنوع والمذلة على كل الشعب المصري لحساب السلطة المستبدة. وفي أعقاب الاستقلال الشكلي المرتب له بين الاحتلال والجنرالات تحول الجيش فعليا إلى حزب سياسي، لكنه الوحيد الذي له حق حمل السلاح واستخدامه، فسطا الجنرالات على الدولة بعدما اختطفوا الجيش نفسه لحسابهم وحساب رعاتهم في الخارج.
وبناء على ذلك فالجيش الذي يعتبر الحاكم الفعلي للدولة يتعامل مع المجتمع (الشعب ـ رجال الدين والثقافة ـ أساتذة الجامعات ـ مؤسسات المجتمع المدني) بوصفها تهديدا، وعدوا حال فكر المجتمع في التحرك من أجل تحرير بلاده من حكم الجنرالات؛ والمعادلة الحاكمة لعلاقة الجيش بالمجتمع هي (المعادلة الصفرية) التي يتبناها الجيش بكل أبعادها والتي تقوم على مبدأ "إما نحن وإما هم"، وهي معادلة وإن ظهرت تمثلاتها العارية المتوحشة منذ انقلاب 3 يوليو ٢٠١٣ إلا أنها تعود بجذورها إلى بدايات الحكم العسكري لمصر منذ أوائل الخمسينيات من القرن الماضي، وبل ولربما أكثر قبل ذلك بحوالي 150 عاما، وتحديدا منذ تولي محمد علي السلطة في مصر، ذلك أن منطق الدولة المصرية "الحديثة" بالطريقة التي أنشأها بها محمد علي هو في تضاد بنيوي مع المجتمع وقواه وممثليه. وهو منطق يقوم على رفض أي شكل من أشكال التمثيل الشعبي، سواء أكان سياسيا أو اجتماعيا أو اقتصاديا انطلاقا من كونه يمثل خطرا على الدولة ذاتها، أو بالأحرى على مصالح من يحكمونها ويسيطرون عليها.
ووفقا لهذا التفسير فإن الجيش يخوض حربا ضروسا على فكرة التمثيل المجتمعي والشعبي الذي كان يكرهه بعض أعضاء ما كان يسمى "مجلس قيادة الثورة"، فقد قرر عبد الناصر في يناير 1953 إلغاء كافة أشكال الحياة النيابية والتمثيلية، خاصة الأحزاب السياسية، قبل أن يقوم بحظر جماعة الإخوان المسلمين بعدها بشهور. معنى هذا وفقا لهذا التفسير، فإن إحدى المهام الأساسية لهذه الدولة "العسكرية" هي تفكيك أي تكوينات أو تنظيمات أو حركات قد تمثل قطاعات شعبية معينة، ويتحول الأمر إلى حرب شاملة أمنية واقتصادية واجتماعية إذا تجرأت أي من هذه القوى ودخلت المجال السياسي منافسا للجيش الذي تحول إلى حزب سياسي يحتكر كل شيء في البلاد.