كيف تضخم بند خدمة الديون بالموازنة وارتفع إلى “70” مليار دولار سنويا؟!

- ‎فيتقارير

 

لم تعرف مصر شرها في الاستدانة والاقتراض من  الخارج إلا في فترتين فقط، الأولى في عهد الخديو إسماعيل خامس ولاة الأسرة العلوية (من 18 يناير 1863 إلى أن تم خلعه  في 26 يونيو1879م)؛ حيث كان الخديو شغوفا بإقامة طفرة معمارية فقد انتهى في عهد حفر قناة السويس لكنه أقام احتفالا ضخما تكلف ميزانية هائلة من القروض وهو سلوك في غاية السفه والتبذير وكان يمكن أن يكون احتفالا عاديا فالعبرة بالمشروع وعوائده المالية لا بالاحتفالات الصارخة به. وأنشأ قصر عابدين ودار الأوبرا، وكوبري قصر النيل وإضاءة الشوارع وغير ذلك. المشكلة أن كل هذه المشروعات تمت بالاقتراض الخارجي ما زاد من نفوذ الأجانب على نحو أدى في النهاية إلى احتلال الإنجليز لمصر نحو 74 سنة (1882 ـ 1956م).

الفترة الثانية التي توسعت فيها مصر في الاستدانة من الخارج هي فترة حكم الجنرال عبدالفتاح السيسي، الذي اغتصب الحكم بانقلاب عسكري في يوليو 2013م؛ حين اختطف الرئيس الشرعي المنتخب وزج به في السجن ظلما وعدوانا حتى استشهد في يونيو 2019م. فحين انقلب السيسي على رئيسه وخانه وغدر به كان حجم الديون الخارجية على مصر يصل إلى 43 مليار دولار. لكن الجنرال مضى على خطى الخديو إسماعيل مفتونا بالمشروعات العمرانية (بناء المدن الجديدة في الصحراء ـ الكباري ـ رصف الطرق ـ وغير ذلك)، فتوسع في الاستدانة على نحو يخالف العقل والمنطق والحكمة؛ فقد أظهرت بيانات الحكومة المصرية تزايد ديون مصر الخارجية ووصولها إلى مستوى تاريخي مسجلاً 162.9 مليار دولار في نهاية ديسمبر 2022، مقابل 145.5 مليار دولار في نهاية عام 2021، بزيادة نحو 17.4 مليار دولار وبنسبة 11.9% في عام واحد فقط. معنى ذلك أن حجم الديون الخارجية ارتفع في عشرة سنوات فقط بنحو 277% بخلاف الديون الأخرى على مؤسسات الدولة والتي تضمنها الحكومة.

شراهة إسماعيل في الاستدانة من الخارج انتهت باحتلال مصر لأكثر من سبعة عقود على النحو المعروف للجميع؛ فأي مصير أسود ينتظر مصر بنهاية حقبة السيسي السوداء؟َ   

 

مطلوب دفع "70" مليار خلال سنتين

ويتكون الدين الخارجي المصري من ديون قصيرة الأجل، والتي يجب سدادها خلال عام واحد، وأخرى طويلة الأجل تسدد على مدار عام أو أكثر.  وكان يتعين على السيسي أن يدفع 18 مليار دولار من الفوائد والأقساط خلال العام المالي الماضي (2022/2023)، وتُقدر قيمة عبء خدمة الديون مستحقة السداد خلال السنتين الماليتين (2024 و2025) بنحو 70 مليار دولار، وتنقسم ما بين 26 ملياراً ديون قصيرة الأجل، و43.6 مليار ديون متوسطة وطويلة الأجل. ويقترض ــ حسب تقرير لوكالة رويترز ــ  أن تسدد مصر من الدين الخارجي نحو 100 مليار دولار خلال السنوات الخمس القادمة، منها 18 ملياراً خلال العام الجاري. كما يُعادل قيمة الدين الخارجي المصري نحو 5 أضعاف احتياطي النقد الأجنبي لدى البنك المركزي المصري البالغ 34.4 مليار دولار. ويُعد الدّين الخارجي جزءاً من ديون مصر المُقترضة من المُقرضين الأجانب، وتتوزع ما بين 20 مؤسسة إقليمية ودولية، والعديد من البنوك التجارية الأجنبية، بالإضافة إلى قروض من 22 دولة. وبالطبع يجب تسديد هذه القروض وفوائدها، بالعملة الأجنبية التي تم الاقتراض بها.

توسع السيسي في الاستدانة خلال سنوات ما بعد الانقلاب ساعده في ذلك معدلات الفائدة المنخفضة التي كان يقترض بها من مؤسسات التمويل الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وهو ما أغراه بطلب المزيد من القروض. بالإضافة إلى اعتماده  على الاقتراض من خلال بيع أدوات الدين مثل السندات الحكومية وأذون الخزانة للمُدينين الأجانب والبنوك المحلية بعائد مرتفع هو الأعلى في العالم. كل ذلك من أجل سد الحاجة إلى تمويل الاستثمارات الواسعة من مشاريع ضخمة أثبتت أنها غير منتجة ولا توفر عائداً تنموياً يعوض الدولة عن الأنفاق في سبيلها، وبالرغم من ذلك أفرطت الحكومة في الإنفاق على مشاريع بلغت تكلفتها نحو 400 مليار دولار.

وارتفع بند خدمة الدين في مشروع الموازنة العامة للدولة (2023/2024) إلى (1.12 تريليون جنيه) كفوائد ديون (ربا)، بزيادة مئوية (44.5%) ويصل قدرها إلى "344 مليار جنيه عن السنة الماضية.  بينما يتعين سداد أقساط واجبة الدفع إلى (1.31 تريليون جنيه) خلال العام المالي المقبل الذي يبدأ من يوليو 2023م بزيادة "11.1%" تصل إلى 350 مليار جنيه!  معنى ذلك أن بند خدمة الديون فقط ارتفع  إلى 2.43 تريليون جنيه، بينما كل إيرادات الدولة المتوقعة حسب مشروع الموازنة (2.1 تريليون جنيه = 70 مليار دولار بسعر 30 جنيها لكل دولار)؛ فمصر تحتاج إلى كل إيرادتها على مدار السنة ولن تكفي لسداد بند خدمة الديون فقط! بل ستحتاج إلى اقتراض أكثر من "300 مليار  جنيه" للوفاء بما عليها من ديون خلال هذه السنة! والعجيب أنه من بين هذه الـ(2.1 تريليون جنيه كإيرادات متوقعة)، هناك نحو تريليون و529 ملياراً و991 مليون جنيه حصيلة ضريبية متوقعة، بنسبة تعادل 72.8% من جملة الإيرادات!

هذه الأرقام  تبرهن حجم الانهيار والسقوط المروع. فمصر حاليا تحت حكم الجنرالات الذين يحكمون البلاد بالحديد والنار منذ أكثر من سبعة عقود في وضع بائس أكبر  من وصفه بالأزمة أو الورطة هي في عمق مشكلة حقيقية  لا يمكن إنكارها أو التهوين منها. فقد وضع الجنرالات مصر على حافة الانهيار والإفلاس المالي والاقتصادي بعدما أفلسوها إنسانيا وأخلاقيا وعلميا واجتماعيا، وعاثوا في  أرجائها مفسدين دون خوف من حساب أو مساءلة، ودون وخز من ضمير أو إحساس بالمسئولية الوطنية والدينية عن هذه الأمة العظيمة التي جعلوها في مؤخرة الأمم والشعوب!

بالمعايير المادية قد لا نملك دفعا لهذه المصائب، فهل يتركنا الله الرحمن الرحيم الذي نعبده نهبا لشرذمة من الظلمة والطغاة أم تتلقفنا يداه الرحيمة بحكام صالحين كما فعل مع أجدادنا من قبل آلاف السنين؛ فهيأ لهم يوسف الذين كان في السجن مظلوما بتهمة لم يرتكبها؛ لإنقاذهم من مجاعة كانت محققة لولا لطف الله بهذه الشعب المبتلى بحكامه الفاجرين على مر الدهور والسنين.