في تهديد شكلي بالانسحاب من مسرحية الحوار.. «4»  مؤشرات تضع الحركة المدنية في ورطة  

- ‎فيتقارير

تجد الحركة المدنية العلمانية نفسها في حرج وورطة حقيقية جراء ممارسات  الأجهزة الأمنية لسلطات الانقلاب العسكري؛ فبالتزامن مع انطلاق ما يسمى بالحوار الوطني الأربعاء 03 مايو 2023م؛ تمثل ذلك في ثلاثة إجراءات قمعية من جهة ما توصل إليه أحد  مراكز البحث القريبة من الحركة  في تقدير موقف يؤكد فيه استحالة نزاهة ما تسمى بالانتخابات الرئاسية المقبلة في 2024م؛ الأمر الذي يعصف بأي معنى للحوار من جذوره.

الأول هو التنكيل بأقارب عضو الحركة أحمد الطنطاوي الذي يقيم حاليا في الخارج وكان دائم الانتقاد لنظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي ويرى أن المشاركة في الحوار تمثل استجابة لمخططات النظام وأهدافه وأنها لا تفيد البلد في شيء.  ونشر الطنطاوي مقطع فيديو على حسابه الخاص بموقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك" يؤكد فيه اعتقال قوات الأمن عمه وخاله وبعض أصدقائه، قبيل عودته إلى مصر قادمًا من بيروت التي أقام فيها لأشهر. وفي رد فعل شكلي  لمحت "الحركة المدنية"، إلى إمكانية عدم الاستمرار في الحوار، "إثر حبس أقارب وأنصار مرشح رئاسي محتمل"، على حد تعبير بيان للحركة، صدر فجر الجمعة 05 مايو 2023م.‎ وقال الطنطاوي، الذي أعلن، في فيديو نشره عبر "فيسبوك" في مارس الماضي، نيته العودة من الخارج والترشح للانتخابات الرئاسة المقررة العام القادم 2023، إن "ما حدث مع أقاربي من اعتقال، انفلات قانوني، وسأعود إلى مصر غدًا وأوصيت أقاربي بألا يستقبلني أحد في المطار، حرصًا على سلامتهم". لكنه  أرجأ العودة في ظل هذه الأوضاع خشية اعتقاله.

الحركة المدنية (لاحظ أن كلمة المدنية في عرف هذه الأحزاب تساوي بالضبط كلمة "علمانية بوصفها نقيض الدينية أو  الإسلامية عل وجه التحديد لأنها لا مشكلة بينها وبين أي قوى مسيحية على الإطلاق")، تجد نفسها في ورطة بسبب ما يجري لأقارب الطنطاوي وفي بيانها  الجمعة قالت الحركة إنه "‎تفاجأنا بأخبار عن القبض على اثنين من أقارب، وعدد من أنصار، النائب السابق المعارض أحمد الطنطاوي الذي أعلن عودته إلى مصر في السادس من مايو/ أيار، وأنه ينظر في احتمال خوضه الانتخابات الرئاسية ربيع العام المقبل. كما لم يتم، وحتى الآن، الإفراج عن معظم أعضاء الأحزاب الذين تم التعهد لنا بخروجهم، ومن تبقوا من القائمة التي تم التوافق على خروجها مع بدء الحوار". ‎وأكد البيان أن "الحركة ورغم انحيازها الواضح لخيار الحوار، وتقديرها للإشارات الإيجابية التي ظهرت في جلسة افتتاح الحوار، إلا أنها تعيد التذكير بأن نجاح الحوار من ناحية، واستمرار الحركة في فعالياته من ناحية أخرى، مرهون بتوفير الأجواء المناسبة، وعلى رأسها مدى توفر الأمن والأمان للأطراف المتحاورة كافة". وشددت الحركة على أن "هذه الممارسات، لا يمكن فهمها سوى بأنها ممارسات تقف خلفها إرادة واعية لاستبعاد الحركة من الحوار، وهو ما يعني إفشال الحوار نفسه". ‎وقال البيان إن "الحركة المدنية الديمقراطية تعلن أنها ستدرس بكل عناية، التطورات المعيقة لنجاح الحوار، لكي تحدد مدى جدوى استمرارها في المشاركة، وستتحلى في هذا الصدد، بأقصى درجات ضبط النفس، ولكنها تؤكد مجددًا أن الاستمرار في ظل هذه الأجواء أمر بالغ الصعوبة". وختم البيان: "لقد اخترنا رغم كل المعوقات، خيار الحوار، ولكن هل يمكن لنا أن نستمر بينما تطاردنا أخبار الحبس يوميًا لأعضاء الأحزاب وأصحاب الرأي وأقارب السياسيين، في ممارسات لا يمكن معها أن ينجح أي حوار جاد وحقيقي يحتاجه المواطنون والوطن؟!".

الثاني، هو تلقى المعارض المصري البارز يحيى حسين عبد الهادي، في نفس يوم انطلاق جلسات الحوار (الأربعاء 3 مايو) دعوة للمثول في 11 من الشهر الجاري لجلسة محاكمة في قضية رقم 1206 لسنة 2013، وقال عبد الهادي، في منشور عبر موقع "فيسبوك": "أقدّر صعوبة قرار المشاركة أو الاعتذار لمن وصلتهم الدعوة للحوار اليوم، أما عن نفسي فقد جنّبني الله فتنة السؤال ومشَقةَ الإجابة، فلم تصلني دعوة لجلسة الحوار، وإنما دعوة لجلسة المحكمة". وعقب عقب الناصري أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة مصطفى السيد على منشور عبد الهادي، بالقول إنّ "القرار صعب على من قرر المشاركة وهو يعرف مآلها، لكن ما هو الضرر في إسماع المطالب العادلة في هذا الحشد؟". بينما ردت الحقوقية البارزة ليلى سويف، وهي والدة الناشط المعتقل علاء عبد الفتاح، قائلة: "أشك أنّ هناك بعض الضرر في حالة من سبق أنّ أعلنوا أنّ مشاركتهم في الحوار مرهونة بتحقق شروط معينة، فلو حضروا دون تحقق شروطهم فهذا قد يُقرأ على أنه تنازل عنها حتى ولو ظلوا يطالبون بها".

الثالث، هو عدم استجابة سلطات الانقلاب لأهم شروط الحركة التي ذكرتها في بيان 8 مايو 2022م من أجل المشاركة في الحوار الوطني وهو التوقف عن الملاحقات الأمنية والاعتقالات وتبيض السجون من المعتقلين السياسيين. لكن السلطة لا تزال حتى اليوم تواصل اعتقال من تشاء حتى من بين عناصر أحزاب الحركة المدنية.

الرابع، هو ما توصل إليه مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان في تقدير موقف نشره الثلاثاء 02 مايو 2023م يؤكد فيه أن  الانتخابات الرئاسية، التي من المقرر أن تشهدها مصر في الشهور الأولى من العام المقبل (2024)  «من المستحيل أن تتسم بالحرية والنزاهة».  وأرجع المركز موقفه هذا إلى ما أسماه بـ«ترسانة التشريعات القمعية، والبناء المؤسسي الذي يجمع كل موارد الدولة وهيئاتها في قبضة الرئيس، ورفض السلطات الممتد لأكثر من 10 سنوات لجميع أشكال المعارضة والانتقاد».

وحسب تقدير الموقف فإن الحوار الوطني لن يفضي إلى أي نتائج ملموسة، «وحتى الحوار الوطني، الذي ينطلق بعد مرور أكثر من عام على إعلانه، لن ينعكس إيجابًا على الانتخابات المقبلة»، حسبما قال المركز، مضيفًا: «الأطر القانونية والسياسية القائمة تصادر الحريات السياسية، ولا تلبي المعايير الدنيا لضمان الإشراف المحايد على الانتخابات. هذا بالإضافة لما أسفرت عنه التعديلات الدستورية في 2019 من مصادرة تامة للاشتراطات الأساسية لعقد انتخابات رئاسية حرة ونزيهة، بما في ذلك تآكل مبدأ الفصل بين السلطات، ومصادرة استقلال المؤسسات وخاصة القضائية، فضلًا عن تقنين تدخل المؤسسة العسكرية في العملية السياسية».

ويعزو تقدير الموقف أسباب انطلاق الحوار أساسا إلى خوف السيسي من تداعيات الأزمة الاقتصادية موضحًا أن «النموذج الاقتصادي غير المستدام الذي تبناه السيسي، اعتمد بقوة على الاقتراض الأجنبي وتوسع الجيش في النشاط الاقتصادي، هذا النموذج تعرض لضغوط قوية بسبب التداعيات المالية لأزمة كوفيد-19، والغزو الروسي لأوكرانيا. والحوار الوطني في هذا التوقيت، سيجعل المعارضة شكليًا جزءًا من تحركات الحكومة للتعامل مع الأزمات الاقتصادية القادمة. الأمر الذي يضمن أن السياسات الاقتصادية التي لن تحظى بشعبية فيما يستجد، ستصور باعتبارها أنها مبنية على إجماع سياسي، وليست قرارات أحادية كالمتبعة في العقد الماضي».  وعلى الجانب الآخر، «هذه الانفراجة السياسية المزعومة قد تهدئ الحلفاء الغربيين والمؤسسات المالية الدولية، وهي أطراف يتعاظم دورها في الإنقاذ الاقتصادي، من خلال تقديم المزيد من القروض والمساعدات»، بحسب الورقة.