يواجهون الموت بالجوع قبل الرصاص.. حكومة الانقلاب تتخلى عن المصريين بالسودان

- ‎فيتقارير

 

رغم مزاعم نظام الانقلاب الدموي بقيادة عبدالفتاح السيسي بالعمل على إجلاء المصريين من السودان لإنقاذهم من جحيم الحرب التي اشتعلت بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، إلا أن الحقائق على الأرض تكشف أن آلاف المصريين في السودان يواجهون الموت بالجوع قبل الرصاص، حيث تسببت الحرب في محاصرتهم في مساكنهم ولا يستطيعون الخروج إلى الشوارع، كما أن المحلات التجارية مغلقة خاصة في العاصمة الخرطوم، وبالتالي لا يستطيعون الحصول على الغذاء وكذلك لا يجد المرضى منهم العلاج، لأن المستشفيات توقفت عن العمل .   

ويؤكد أبناء الجالية المصرية في السودان أنهم يشاهدون الموت بأعينهم في كل لحظة، سواء جوعا مع إغلاق المحلات ، أو مرضا مع صعوبة الخروج من منازلهم للحصول على العلاج، بالإضافة إلى انتشار العصابات المسلحة في الشوارع والتي تهدد حياة كل من يغادر منزله، وقد يلحقهم الموت أيضا، وهم بين جدران منازلهم المظلمة بسبب نيران الحرب التي لا تفرق بين مدني وعسكري.

وقالوا: إن "طلقات الهاون التي يدوي صوتها في كل مكان تهدد آلاف المنازل بالانهيار على رؤوس من فيها".

وكشف أبناء الجالية أنهم لا يستطيعون التواصل مع السفارة المصرية رغم أن الأوضاع أصبحت في غاية الصعوبة، موضحين أنه حينما يستنجد أحدهم بالسفارة يسمعون رسالة واحدة «التزموا منازلكم»، لذلك يبحث الكثيرون عن وسيلة للعودة إلى مصر بطرقهم الخاصة، في غياب الطرق الرسمية.

 «صابر نصر» طالب جامعي توفي في منزله وظل قرابة 18 ساعة داخل مسكنه لا أحد يعلم عنه شيئا حتى فاحت رائحة كريهة من المنزل وقتها علم الجميع بوفاته.

وحاول المصريون المتواجدون بالقرب من مسكنه البحث عن سيارة تنقله للمطار ليتم نقل جثمانه إلى مصر ويدفن في مدافن عائلته لكنهم عجزوا، واضطروا إلى التواصل مع عائلته وأخبروهم بوفاته وعدم قدرتهم على نقله إلى مصر، فكان القرار الأصعب لعائلته هو دفنه في السودان، وذلك بعد أن فشلت حكومة الانقلاب في إنقاذه حيا أو إعادته إلى مصر ميتا .

هنموت من الجوع 

حول ما يحدث للمصريين في السودان قال عوض جبريل شاب ثلاثيني: "جئت إلى السودان منذ 4 أشهر أملا في تحقيق أحلامي وتكوين ثروة مالية من نجارة الموبيليا، لكن تبدل الحلم إلى كابوس يحاصرني ليلا ونهارا". 

وأضاف "عوض" في تصريحات صحفية  "اخترت الإقامة في منطقة «أركويت» التي تحتضن الكثير من أبناء الجالية المصرية بعضهم عمال وبعضهم طلاب يدرسون في المدارس والجامعات السودانية، مشيرا إلى أنه كغيره من أبناء الجالية المصرية المُحترفين للمهن المختلفة كان يحاول أن يستثمر أوقات يومه ويسخر طاقاته في تكوين مستقبل أبنائه حتى فوجئ بطلقات الرصاص تحاصره في مكان".

وتابع ، كان يوم مشؤوم، حسيت بالموت بيقرب مني وفضلت استغفر ربنا قبل ما أموت، مؤكدا أن طلقات الرصاص اخترقت جدران المنزل الذي يعمل به وأصابت بعض الأخشاب التي كان يعدها لعمل حجرة نوم.

وأشار "عوض" إلى أنه ترك مصر وذهب إلى السودان لتكوين مستقبله، ولكنه حاليا أصبح محاصرا، إما الموت جوعا بعد نفاد الطعام من منزله وإغلاق المحلات طوال اليوم، أو الموت بالرصاص الحي الذي يدوى فوق رأسه ليلا ونهارا، لافتا إلى أن طلقات الرصاص فاجأته يوما وهو نائم على سريره داخل غرفته، بينما طلقات الهاون تخترق الجدران وتمر بجوار السكان.

وأكد أن جميع محلات السودان مغلقة خوفا من النيران، ومن يستطع فتح المحل يستغل الموقف ويرفع الأسعار حتى وصلت قيمة المصروفات للفرد الواحد لأكثر من 10 آلاف جنيه مصري نظير شراء المتطلبات الأساسية.

وقال عوض:  "فيه طلاب كتير توفوا جوعا بعدما أفلسوا وعجزوا عن التواصل مع أسرهم في مصر ودفناهم، موضحا أن سعر تذكرة السفر لمصر حاليا 300 ألف جنيه ويعجز أي مصري عن شرائها، وبالتالي فهم محتجزون هنا، لا عارفين يروحوا لعيالهم ولا حكومة الانقلاب عارفة توصل لهم، وتركتهم يواجهون مصيرهم بأنفسهم".

ولفت إلى أن أبناء الجالية المصرية في السودان يعيشون في ظلام بسبب انقطاع دائم للكهرباء والشموع هي الوسيلة الوحيدة للإضاءة، وغلق تام للمحلات خاصة محلات المواد الغذائية فضلا عن غياب الخدمات مثل الصيدليات والمستشفيات وغيرها.

 السفارة المصرية

وقال المهندس محمد محمد، الذي يعيش في السودان منذ خمسة أشهر ويعمل في إحدى الشركات الخاصة: إن "أعمال السلب والنهب والتهجم على المنازل عرض مستمر وحياتهم على كف عفريت".

وأضاف محمد  "مع الظلام الدامس ليلا نتعرض لمحاولات كسر لأبواب المنازل ونهب المخزون من المأكولات خاصة بعدما أصبحت غير متوافرة إلا بسعر خيالي في محلات نادرة استطاع أصحابها التعايش مع النيران".

وأشار إلى أن هناك حروبا أهلية وعصابات منتشرة في كل مكان، وأفرادا مسلحين بأسلحة نارية وبيضاء يجوبون الشوارع ويرهبون الأهالي لنهب الأموال والطعام، مؤكدا أن هذه مشاهد يومية يعيشها المصريون في السودان كل دقيقة، يصارعون الموت وفي الوقت ذاته يحاولون التواصل مع السفارة المصرية لكن دون جدوى.

 وتابع محمد، كل ما نمشي بنلاقي جثث مرمية في الشوارع مصريين على غيرهم محدش عارف ولا قادر يشيلهم، مؤكدا أن الأجواء لا تختلف كثيرا عن يوم القيامة فكل فرد مسئول عن نفسه وأعماله.

خارج الخدمة 

وقال محمود عاطف طنطاوي، طالب في الفرقة الرابعة بكلية طب الأسنان بجامعة النيل: "جئت إلى السودان لدراسة طب الأسنان، وتحقيق حلم والدي بأن أكون طبيبا، لكن لم أتوقع أن يصل الحال إلى ما وصل إليه".

وأضاف طنطاوي  "ذات يوم كنت عائدا من الجامعة ووقفت على موقف الأتوبيس حائرا قلقا من طلقات الرصاص التي تحاصرني في كل مكان، وإذ بطلقة نارية تصيبني في العمود الفقري، مما أدى إلى إصابتي بالشلل، وحالت ظروف الحرب دون عودتي إلى مصر".

وأشار إلى أن معظم مستشفيات السودان خارج الخدمة، ولذلك لم أتلق الرعاية الصحية الجيدة .

الوضع صعب

وقال المهندس عبدالمنعم محمد: "وصلت إلى الأراضي السودانية منذ ثلاثة أشهر ومع اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، أريد العودة إلى مصر لكن لا أجد سبيلا لذلك، مطالبا حكومة الانقلاب بتوفير وسائل مواصلات لإعادة المصريين إلى بلدهم".

وأضاف، بصفة عامة الوضع صعب جدا بالنسبة للأكل والشرب، والكهرباء قاطعة على طول ومفيش بنزين وجاز ولا محلات والناس سابت العاصمة وراحوا الأقاليم، ومن يعيش في العاصمة الآن يعيشون على أصوات الصواريخ والمدفعية التي لا تنقطع، ده غير الضرب بالطيران.

وتابع محمد، بدأت أعمال السرقة والنهب وخروج السجناء من السجون، وللأسف مش عارفين نطلع من الخرطوم، وعلشان نوصل لمناطق الأجلاء فيها مخاطرة كبيرة جدا والخروج على مسئوليتك الشخصية، مؤكدا أن اللي بيخرج من منزله بيتعرض للسرقة والنهب ومضايقات وتثبيت من العصابات. 

وأشار إلى أن قوات الدعم السريع، تعتبر المصريين جواسيس عليهم، وبسبب ده لا عارفين نخرج من بيوتنا ولا عارفين نعيش وبنشرب ميه غير صالحة للاستخدام الآدمي.

حرب شوارع 

عبدالتواب عزيز، ولي أمر طالبة في السنة الثانية بكلية الطب بالسودان، وشقيقها في الصف الثالث الثانوي، وخوفا على الأبناء حرص الأب على الإقامة معهما لتوفير وقت لهما للمذاكرة، ولكن اندلعت الحرب وتغيرت الأحوال وأصبح حلمهم جميعا العودة إلى مصر سالمين.

وقال عبدالتواب: "اللي بيحصل في السودان حرب شوارع ومش عارفين هتخلص إزاي ومتى؟ مشيرا إلى أنه كان يحلم بمستقبل باهر لأبنائه خاصة أنهم متفوقون دراسيا، ولكن تبدلت معالم الحياة وأصبح الموت يحاصرهم جميعا في كل لحظة".

وأضاف، خايف أموت أنا وعيالي ونعفن هنا، مؤكدا أن معظم الاتصالات مقطوعة، والوضع غير آمن، وعشان نرجع مصر لازم ندفع أكثر من 400 دولار، والمعيشة هنا أصبحت صعبة للغاية، المخابز والمحلات مقفولة وبنجازف بحياتنا عشان نجيب عيش لأولادنا.

وأعرب عبدالتواب عن أسفه لعدم وجود تواصل بين حكومة الانقلاب والجالية المصرية في السودان، محذرا من أن المأساة تزداد مع انقطاع الاتصال بين الجالية المصرية والسفارة والاكتفاء فقط بالرسالة التحذيرية "التزموا منازلكم".