آخر المشروعات الفاشلة لنظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي، هو خطة الحكومة حول (استيراد سيارات المصريين بالخارج)، والذي وضعته حكومة السيسي لإغراء المصريين بالخارج لشراء السيارات بتيسيرات كبيرة مقابل الدفع بالدولار؛ كان الهدف من الخطة هو در الدولار الشحيح؛ لكن المصريين بالخارج لم يتجاوبوا مع الحكومة وفشل المشروع فشلا ذريعا، ولم يحقق سوى (4%) فقط من المستهدفات.
وكان رئيس الانقلاب قد صدّق، نهاية أكتوبر الماضي (2022)، على قانون رقم 161 لسنة 2022، والذي ينص على تيسيرات لاستيراد المصريين بالخارج لسيارات بغرض الاستخدام الشخصي، مقابل إيداع قيمة الجمارك والضرائب بالدولار في حساب لدى وزارة المالية، على أن تُسترد الأموال بعد خمس سنوات بالجنيه المصري بسعر الصرف الموجود حينها، وهو المبلغ الذي خُفّض بمقدار النصف في تعديلات القانون. وأصدر مجلس الوزراء القواعد المُنظمة للقانون منتصف نوفمبر، لتدخل المبادرة حيز التطبيق وتنتهي في مارس(2023).
وبحسب القواعد، يحق للمصريين بالخارج استيراد سيارة واحدة، بعد حصولهم على موافقة استيرادية صالحة لمدة عام، وهو ما تم تمديده في التعديلات، ليصل إلى خمس سنوات. بالإضافة لذلك، كان من المفترض أن يقوم المصري المستورد للسيارة بدفع قيمة الجمارك في خلال مدة لا تتجاوز أربعة أشهر، قبل أن تمدها التعديلات إلى ستة أشهر.
(4% فقط)!!
خلال مناقشات مجلس النواب، جاءت تصريحات لوزير المالية، محمد معيط، أشار فيها إلى أن حصيلة المبادرة خلال الأشهر الثلاثة الماضية لم تتجاوز 202 مليون دولار لحوالي 12 ألف سيارة. ولا يتجاوز ذلك 28.6% من إجمالي الطلبات المُقدمة للمبادرة والتي وصلت، بحسب معيط، إلى نحو 42 ألف طلب. وبدورها، لم تتعدَ تلك الطلبات 4% من أدنى مستهدفات الحكومة، التي كان معيط حددها بين 300 ألف و500 ألف سيارة. أما بالنسبة للمبالغ التي دفعها المصريون بالخارج، فلم تتجاوز 8.08% من إجمالي 2.5 مليار دولار استهدفتها الحكومة مع إعلان المبادرة، وهي القيمة التي كانت انخفضت أصلًا أثناء المناقشات حولها، إذ كان معيط صرح سابقًا بأن الحكومة تستهدف من المبادرة الحصول على عشرة مليارات دولار في صورة ودائع من المصريين العاملين بالخارج للسماح لهم باستيراد سيارات.
هذا الفشل يبرهن على ثلاثة أمور:
الأول أن تقديرات الحكومة مبالغ فيها ولا تستند مطلقا إلى أي منهجية علمية أو واقعية، هي مجرد أماني وأوهام في عقول القائمين على الحكم الذين يديرون البلد بمنطق الفهلوة وتستيف الأرقام والبيانات المنمقة التي تجمل القبح الرهيب. وهو عين ما جرى تماما في مشروع التفريعة عندما وعدوا المصريين بأرباح تصل إلى مائة مليار دولار سنويا، وعندما وجدوا أن (كلامهم واسع جدا)، ادعوا أن أرباح القناة سترتفع إلى 13.5 مليار دولار في (2023)، والأرقام الحقيقية تؤكد أن أرباح القناة تصل إلى 8 مليارات دولار فقط سنويا وهي زيادة طبيعية لا دخل للتفريعة الجديدة فيها! لذلك لجأت الحكومة إلى تعديل قانون استيراد السيارات ومده إلى خمس سنوات على أمل أن يتجاوب المصريون في الخارج مع استغاثات الحكومة. يشرح الأمين العام لرابطة مصنعي السيارات، خالد سعد ذلك بقوله، إنه مع اقتراب نهاية العمل بالقانون، بدأت الحكومة أخيرًا في الانتباه للمشاكل الحقيقية الموجودة بالقانون، الذي جاء «في عجالة» لتحصيل عملة صعبة في أسرع وقت دون دراسة كافية. فمن جهة لم يراعِ القانون، بحسب سعد، الفروق بين المغتربين المصريين في الخليج والموجودين في الدول الغربية كأوروبا والولايات المتحدة. ويضيف: «في الحقيقة، المبادرة استهدفت بشكل مستتر مغتربي الخليج، لإن هم اللي بينزلوا مصر بشكل دوري وممكن يكونوا محتاجين عربيات لنفسهم أو لأهاليهم هنا. لكن، في نفس الوقت أصلًا اتفاقيات التجارة مع أوروبا بتعفي واردات مصر من السيارات من الجمارك، على عكس التجارة مع دول الخليج. فبقى فيه مغتربين في الخليج عايزين ينزلوا عربيات بس الجمارك غالية، ومغتربين فأوروبا عندهم أصلًا إعفاء من الجمارك بس مش مهتمين ينزلوا عربيات».
الثاني، هو عدم تجاوب المصريين بالخارج مع خطط الحكومة؛ فعندما تتوقع الحكومة أن يشارك المصريين في الخارج بنحو 10 مليارات دولار ولا تحصل سوى على (200) مليون دولار فقط من المشروع؛ فهذا برهان عملي على انعدام الثقة؛ فالمصريون في الخارج لا يثقون في هذا النظام العسكري البغيض، ولا يثقون في مشروعاته وسياساته، وبالتالي فهم يحجمون عن المشاركة في خطط ومشروعات الحكومة كنتيجة حتمية لانعدام الثقة في النظام وحكومته.
الثالث، أن المصريين في الخارج يفرقون بين الوطن والنظام؛ الولاء والمحبة للوطن والبغض للنظام؛ فبعض أنصار النظام قد يتهم المصريين بالخارج بعدم الانتماء والولاء للوطن؛ ويتخذ من عزوفهم عن المشاركة في مشروع استيراد السيارات برهانا على ذلك؛ لكن الحقيقة هي أن المصريين بالخارج والذين يقدرون بنحو عشرة ملايين مصري يعشقون تراب هذا الوطن ويرجون له النهضة والتقدم والرقي، لكنهم في ذات الوقت يعلمون علم اليقين أن هذه النهضة وهذا التقدم لا يمكن أن يتحقق على يد الفسدة والمجرمين الذين اغتصبوا حكم البلاد سفاحا بانقلاب عسكري وقتلوا الآلاف ظلما وعدونا، ولا يزالون حتى اليوم يواصلون ظلمهم لعشرات الآلاف في السجون والمعتقلات بتهم ملفقة. ملايين المصريين بالخارج يريدون أن يروا نظام وطنيا حقيقيا في مصر وساعتها سوف يمدون بلادهم بعشرات المليارات من الدولارت كل سنة، وسترتفع تحويلات المصريين سنويا بنحو 5 إلى 10 مليارات على الأقل كل سنة، بشرط أن يطمئنوا على صحة المسار ويثقوا في حكومة بلادهم التي يتوجب أن تكون منتخبة بإرادة الشعب الحرة دون وصاية من الجيش أو الشرطة.
الخلاصة أنه يمكن بعين الراصد أن نرى أن معظم قرارات نظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي تأتي ضد المصالح المصرية وتمثل تهديدا مباشرا للأمن القومي للبلاد؛ البداية كانت سفاحا؛ فقد جاء هذا النظام في منتصف 2013م بانقلاب عسكري على نظام ديمقراطي انتخب بإرادة الشعب الحرة، وحتى يضمن عملية الاغتصاب ارتكب عشرات المذابح الوحشية وحول الجيش الوطني إلى عصابة توجه سلاحها إلى صدور شعبها، وكان هذا تحولا جذريا لا تزال تعاني مصر من تبعاته حتى اليوم وستظل تعاني منه لعشرات السنين حتى تُكفر هذه المؤسسة العسكرية عن جرائمها برفع يدها عن هذا الشعب المقهور. منذ ذلك الحين من العسير أن تجد قرارا واحدا اتخذه هذا النظام وكان في صالح الوطن والأمة؛ وكان قرار حفر تفريعة قناة السويس بداية للنزيف المميت؛ فقد أهدر النظام عليها نحو 8 مليارات دولار في وقت عصيب دون أن يكون للمشروع أي جدوى اقتصادية، فلم تحقق القناة أي زيادة بسبب هذه التفريعة فبرر السيسي حفرها برفع الروح المعنوية للمصريين! وفقدان الشرعية دفعه إلى التنازل عن حقوق مصر المائية بالتوقيع على اتفاق المبادئ في الخرطوم في مارس 2015م وفي إبريل 2016م، تنازل طوعا عن قطعة من أرض مصر العزيزة (جزيرتي تيران وصنافير) لحساب السعودية شكلا ولصالح العدو الصهيوني حقيقة. وكان الاتفاق مع صندوق النقد الدولي بداية لعهد جديد من الكوارث؛ فلم يعرف المصريين معنى الغلاء الحقيقي إلا بعد الاتفاق عندما انخفضت قيمة الجنيه إلى النصف تماما؛ ففقد المصريين نصف مدخراتهم، وتآكلت قيمة الأجور والمرتبات إلى النصف ولم يعد كثير من المصريين قادرين على العيش مستورين. وجاء خفض الجنيه مرة أخرى في (2022) حتى وصل سعر صرف الدولار الواحد إلى (30.65 جنيها) ليسقط عشرات الملايين من المصريين تحت خط الفقر. بسبب شح الدولار واعتماد النظام على استيراد نحو65% من السلع الغذائية من الخارج.
والمشروعات التي اتضح أنها بلا أي جدوى كثيرة؛ فهل نجح مشروع التفريعة؟ وهل نجح مشروع العاصمة الجديدة؟ وهل نجح مشروع المونوريل والقطار الكهربي؟ ولماذا لم يعرف المصريون الفقر والجوع والغلاء إلا بعد الاتفاق مع صندوق النقد الدولي؟! ولماذا أدى قرار قيود الاستيراد إلى مضاعفة المشاكل وغلاء الأسعار وتدمير صناعة الدواجن؟! حقا إن الله لا يصلح عمل المفسدين.