من المفارقات أن حكم الرئيس المصري، عبدالفتاح السيسي، وهو رجل عسكري، أصبح التهديد الأكثر إلحاحا لحكم الضباط الذي استمر 70 عاما، بهذه الكلمات عبر الكاتب والناشط الحقوقي المصري عبدالرحمن منصور عن رؤيته لمآل حكم النظام العسكري في مصر، مشيرا إلى أنه بات من المؤكد لدى كافة المراقبين والخبراء الدوليين ومراكز الدراسات أنه لا إصلاح اقتصادي بمصر، إلا بإعادة المسار الديمقراطي للبلاد المنكوبة باستبداد الحكم العسكري، الذي يديره مجموعة لواءات، يظنون أن البلد وإداراتها ككتيبة تتكون من مجموعة عساكر، يطيعون أوامر القائد في الخطأ قبل الصواب، وهو ما أرادوه لمصر، فهي في أسفل سافلين حاليا، على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والأمني والسياسي.
ووفق تقديرات استراتيجية، فلم تعد الديمقراطية حاجة سياسية وحقوقية في مصر فقط، بل أصبحت حاجة ملحة لإصلاح اقتصادها أيضا.
ووفق تحليل لموقع مجلة "فورين بوليسي" فإن حكم السيسي يقوض العقد الاجتماعي الذي صاغه الضباط عام 1952، والذي يمكن القول إنه كان حجر الزاوية للاستقرار السياسي في مصر.
وأوضح أن هذا العقد أسس تفاهما غير مكتوب، تسامحت فيه قطاعات كبيرة من المجتمع المصري مع تجاوزات النظام للحقوق السياسية مقابل منافع اقتصادية واجتماعية ترعاها الدولة.
ومنذ الستينيات، تحولت مصر تدريجيا إلى بلد يمثل الرئيس فيه الصوت الوحيد على الساحة السياسية، إلى أن جاء عهد السيسي، الذي اتسم بآلاف السجناء السياسيين، وضحايا للتعذيب، ووفيات كثيرة داخل السجون، إضافة إلى أزمة اقتصادية يتم فيها اختبار رؤية السيسي.
فمنذ عام 2013، عندما أطاح العسكريون بحكومة الرئيس الراحل "محمد مرسي" سيطر السيسي وحلفاؤه على أجهزة الدولة المصرية، وأصدر مجموعة من القوانين المثيرة للجدل، التي حولت القضاء فعليا إلى أداة للحكومة.
هدم السيسي لأسس الديمقراطية
وبالتعاون مع حلفائه في البرلمان، عدل السيسي الدستور للتخلص من سقف عدد مرات الترشح للانتخابات الرئاسية، ما يسمح له بالبقاء في السلطة حتى عام 2030.
وقوّض السيسي المعارضة العلمانية من خلال استمالة بعض عناصرها وتغليفهم داخل تنظيمات سياسية تسيطر عليها الأجهزة الأمنية، وسُجن النشطاء السياسيين الذين حاولوا العمل خارج حدود هذه المنظمات.
ورغم قرارات العفو الرئاسية الأخيرة التي جاءت استجابة لضغوط دولية، لا يزال العديد من هؤلاء النشطاء وراء القضبان ، ثم بسط سيطرته أيضا على وسائل الإعلام التي كانت مستقلة في يوم من الأيام. وأيضا همش كل من حاول تقديم نفسه كبديل لحكمه، بما في ذلك رجال الأعمال، الذين تعرضوا لضغوط كبيرة كي يتبرعوا قسرا لصندوق تحيا مصر، الذي يُنظر إليه باعتباره أداة للنظام لابتزاز المصالح التجارية وتمويل مشاريع السيسي السياسية.
استحواذ عسكري
وفي السياق ذاته، زاحمت الشركات المملوكة للجيش ووكلائه، القطاع الخاص في مجالات لا حصر لها، خاصة العقارات والصناعات الثقيلة، مثل الحديد والصلب والأسمنت، ما كان له أثر كارثي على الوضع الاقتصادي في مصر.
فـ "السيسي" وحلفاؤه منشغلون بتلبية احتياجات المشروعات العسكرية، وأدى الافتقار إلى المساءلة والسياسات التشاركية إلى قرارات اقتصادية سيئة.
انهيار اقتصادي
وعلى الرغم من تخقيض الدعم والاتفاق الحكومي، وفق اشتراطات صنندوق النقد الدولي في 2016، إلا أن الانهيار والتردي ظل لصيقا بالتعليم والصحة، وكلاهما يعاني من نقص التمويل بشكل مؤسف، بل تم استخدامه لخدمة الديون.
فقد حصل السيسي على قروض كبيرة لتمويل مشاريعه الكبرى والمدن الجديدة وناطحات السحاب التي لم تسفر عن أي فوائد اقتصادية لمصر، وقد ينتهي بها الأمر كمدن أشباح.
ورغم أن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي دعيا مصر مرارا وتكرارا إلى عدم إهدار احتياطيات العملات الأجنبية في المشاريع العملاقة، إلا أن السيسي رفض الاستماع لهما، ومضى قدما في مشروعات مثل العاصمة الإدارية الجديدة، والقطار الكهربائي، وغض الطرف عن احتياطيات الدولار المتضائلة.
وكانت نتيجة هذه السياسات كارثية، كما يتضح من الميزان التجاري وعجز المدفوعات والفجوة المالية الكبيرة التي تتطلب المزيد من الاقتراض.
وإزاء ذلك، لطالما اعتمد "السيسي" على الأموال الساخنة من سندات الخزانة المصرية ذات العائد المرتفع، وكذلك أسواق الدين الدولية؛ للحفاظ على استقرار سعر صرف الجنيه المصري بشكل مصطنع.
انهيار العملة
وخفضت الحكومة قيمة الجنيه بنحو 50% في محاولة لمنع تكرار أزمة لبنان الاقتصادية في مصر.
لكن شبح الوضع اللبناني يلوح في الأفق، مع فارق جوهري، هو أن مصر دولة ذات عدد سكان أكبر بكثير، حيث يعاني ملايين الأشخاص من الفقر ويعيشون أيضا في ظل اضطهاد سياسي شديد وغالبا ما يكون عنيفا.
إذ إن الوضع المتدهور بسرعة لا يمكن تحمله، وقد يؤدي الانهيار المالي على الطريقة اللبنانية في مصر إلى اضطرابات سياسية في جميع أنحاء الشرق الأوسط.
ويؤجج الوضع الاقتصادي المتردي غضب الجماهير في مصر، حيث يبلغ متوسط الأجر الشهري نحو 100 دولار، وأصبحت الحالة بحاجة ملحة للإصلاح الاقتصادي والسياسي، وكليهما لا يمكن أن يحدث دون الآخر.
ومن ضمن أسس الإصلاح الاقتصادي ضرورة توحيد الموازنة والإنفاق الحكومي لزيادة الشفافية وإلغاء الإنفاق خارج الموازنة العامة للدولة، وحصر دور المؤسسات العسكرية على الدفاع الوطني ووقف مشاركتها في القطاعات الاقتصادية المدنية.
إلا أن الجيش سيقف عقبة ، إذ يستحوذ ويحتكر توزيع الأراضي، وتعمل شركاته في الصناعات الثقيلة وقطاعات الإنتاج الزراعي والغذائي، وتختلف تقديرات نسبتها في الناتج المحلي الإجمالي بين 60 % و40%، وهو ما ينبغي تقليصها بانسحاب الجيش من العمل الاقتصادي، وتركه للقطاع الخاص.
فزيادة دور القطاع الخاص يمكن أن يساعد في إفساح المجال للاستثمارات الأجنبية المباشرة التي تشتد الحاجة إليها، والتي تعمل كبديل سليم للاقتراض الأجنبي المكثف، الهادف إلى سد النقص في احتياطيات الدولار ومنع العملة المحلية من الغرق أكثر.
إجراءات ديمقراطية
ولكي يحدث ذلك، يجب إجراء إصلاحات منهجية لضمان سيادة القانون، والتي بدونها ستظل الثقة في الاقتصاد المصري منخفضة..
ولكن رفض نظام "السيسي" إجراء أي إصلاحات اقتصادية وسياسية جوهرية، مع استمرار تلقيه تمويلا دوليا، لن يؤدي إلا إلى استقرار قشري.
لذا فإن ضرورة أن تكون الإصلاحات السياسية أولوية أيضا، عبر فتح الحوار السياسي للأحزاب والحركات التي عانت كثيرا من القمع في العقد الماضي، وإعطاء الموظفين المدنيين من التكنوقراط ذوي الخبرة الفرصة لتولي مناصب قيادية للمساعدة في صياغة خارطة طريق سياسية واقتصادية في الفترة المقبلة، وفق ما يقوله الناشط الحقوقي المقيم بالخارج عبد الرحمن منصور.
مشيرا إلى أن "الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها العام المقبل قد تكون بداية جديدة لمصر للتحرك ببطء نحو التحول الديمقراطي".
ودعا الناشط الحقوقي حلفاء السيسي، خاصة دول الخليج والإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، إلى حثه على عدم الترشح مرة أخرى في الانتخابات المقبلة واعتماد الإصلاحات السياسية والاقتصادية اللازمة، موضحا أن ذلك قد يؤدي إلى ظهور قيادة منتخبة ديمقراطيا أكثر مصداقية وخضوعا للمساءلة.
لكن ذلك يتطلب انفتاحا سياسيا في المجال العام المصري، يقوم على إطلاق سراح السجناء السياسيين، ووقف الحملات القمعية، وإنهاء تدخل القطاع الأمني في وسائل الإعلام وشؤون الأحزاب.
ويرى خبراء ودوائر استراتيجية بالغرب أن الانتقال الاقتصادي والسياسي البطيء، بموافقة الجيش والدولة إلى جانب الضمانات الدولية والإقليمية، قد يكون بداية لمستقبل سياسي واقتصادي مستقر وعادل لمصر، وهو ما يمكن أن يمهد الطريق لمزيد من التغيير الديمقراطي والاستقرار في المنطقة، وذلك ما تؤكد عليه "فورين بوليسي" في تقديرها الاستراتيجي، وهو ما سبق وأن أكدته قيادات وطنية مصرية بالداخل والخارج، من ترابط الإصلاح السياسي واتباع الوسائل الديمقراطية وتطبيق قواعد الشفافية والمحاسبة والرقابة طريقا للاستقرار المجتمعي الشامل وإصلاح الاقتصاد.