مع اقتراب شهر رمضان المبارك تتزايد تخوفات المواطنين من الارتفاعات الجنونية في الأسعار، خاصة مع تزايد الاستهلاك في الشهر الكريم وتراجع القدرة الشرائية وعدم قدرة الأسر على الحصول على احتياجاتها اليومية الأساسية ، في ظل تزايد نسبة من يعيشون تحت خط الفقر إلى أكثر من 70 مليونا من المصريين وفق بيانات البنك الدولي.
في المقابل لجأت حكومة الانقلاب إلى إقامة معارض "أهلا رمضان" لمواجهة ارتفاع الأسعار وتزعم أنها تقدم السلع خاصة المواد الغذائية بتخفيضات تصل إلى 50% رغم أن المواطنين المترددين على هذه المعارض يؤكدون أن التخفيضات على سلع محددة هي السكر والدقيق والأرز ولا تتجاوز 5% وأحيانا يكون هناك نقصا في الوزن مقابل هذا التخفيض ، وبالتالي فليست هناك أي تخفيضات حقيقية.
وتعترف حكومة الانقلاب بأن المواطنين لم يشعروا بالتخفيضات بسبب «صانعي الأزمات» الذين تكالبوا للحصول على هذه السلع الرخيصة، وقاموا بتخزينها لإعادة بيعها بأسعار مرتفعة وفق تعبيرها .
وزعمت أن صانعي الأزمات هم فئة من التجار معدومي الضمير المتاجرين بأقوات الشعب المصري، يستغلون الظروف لخلق أزمات حتى يستفيدوا من ورائها، متهمة المواطنين الذين يقومون بشراء كميات كبيرة من السلع لتخزينها بأنهم يساهمون في زيادة الأزمات أكثر.
أسعار غير حقيقية
حول ارتفاع الأسعار ونقصها في الأسواق ومعارض أهلا رمضان قال مراد كامل موظف «مش لاقيين حاجة نأكلها» مشيرا إلى أن مبادرات ومعارض توفير السلع الأساسية، ليس فيها تخفيضات حقيقية .
وطالب كامل في تصريحات صحفية حكومة الانقلاب بمحاربة جشع التجار وتوفير السلع بأسعار مخفضة، نافيا تكالب المواطنين على شراء منتجات المعارض بكميات كبيرة بسبب ارتفاع الأسعار.
و من أمام معرض أهلا رمضان، في منطقة فيصل، قال صابر عبدالعال، عامل، إنه "كثيرا ما يذهب للمبادرات التي تعلنها حكومة الانقلاب لشراء متطلبات المنزل بأسعار مخفضة، لكنه يفاجأ حينما يصل بعدم توافر كثير من المنتجات التي تم الإعلان عنها ".
وأضاف «عبدالعال» في تصريحات صحفية أنه عندما يتوجه بالسؤال عن السبب ، يرد القائمون على المعارض قائلين «فيه ناس حملوا عربيات ومشيوا».
وتساءل ، هل معدومو الضمير هم السبب في اختلاق أزمة لغيرهم من البسطاء الذين يحتاجون فعلا لمثل هذه التخفيضات، مؤكدا أنه "مفيش بني آدم عادي يشتري كل هذه الكميات مرة واحدة".
واتهم حكومة الانقلاب بأنها تمارس النصب على المواطنين ، مؤكدا أنها هي المسئولة عن ارتفاع الأسعار ونقص المعروض من السلع .
معادلة صعبة
وكشف الخبير الاقتصادي الدكتور السيد خضر، أن الأزمات الاقتصادية والصراعات والتوترات التجارية تستغلها بعض المؤسسات والشركات والأفراد لتكوين ثروات غير مشروعة، مؤكدا أنه في الأزمات تصنع الثروات الهائلة بسبب الجشع والاحتكار من قبل بعض التجار، الذين يقومون بتعطيش السوق والسعي الدائم إلى زيادة الأسعار ، مما يؤثر بالسلب على المواطنين في شراء السلع الاستراتيجية.
وقال «خضير» في تصريحات صحفية إن "الفترة الأخيرة شهدت زيادة في أسعار السلع الغذائية بشكل سريع، حيث لا يتوقف الأمر على ارتفاع سعر السلعة التي ترغب في شرائها في وقت معين، ولكن الارتفاع دائم ومستمر، ما ينعكس على الأسواق بشكل سلبي، بالإضافة إلى زيادة الأعباء على المواطنين، وخلق معادلة صعبة في تحقيق التوازن بين مدخلات الفرد ومخرجاته في شراء السلع الغذائية.
وتوقع أن تشهد الفترة القادمة زيادة في معدلات الاستهلاك، وبالتالي لا بد من إحكام السيطرة الكاملة على الأسواق ومحاربة استغلال التجار، لافتا إلى أن أزمة ارتفاع الأسعار ترجع إلى زيادة الصراعات والتوترات العالمية والداخلية، بالإضافة إلى انخفاض قيمة الجنيه المصري أمام الدولار، وبالتالي أصبح ارتفاع الأسعار يمثل صداعا مزمنا لربات البيوت والأسر المصرية .
وأشار «خضير» إلى أن ربات البيوت لجأت إلى التعايش مع تلك الظروف من خلال ترشيد الإنفاق وإعادة التدوير والاقتصاد في شراء الكميات التي تحتاجها فقط، وتوقفت معظمهن عن شراء الأطعمة المعلبة لأن أغلبها مستورد، ولجأت لطرق جديدة في إعداد الطعام لترشيد النفقات.
وشدد على ضرورة إحكام السيطرة الكاملة على الأسواق، والتوسع في نشر منافذ البيع التي تقدم تخفيضات لتصل إلى كل أنحاء مصر لتخفف الأعباء ، مطالبا المواطنين بشراء الاحتياجات الأساسية الضرورية وتيغير ثقافة الاستهلاك والتخزين، وتأجيل نفقات الرفاهية غير الأساسية لمواجهة موجة الغلاء الفاحش.
زيادة الإنتاج
وقال عماد قناوي، رئيس شعبة المستوردين بغرفة القاهرة التجارية، إن "زيادة الإنتاج تقضي على الفجوة الاستهلاكية وتزيد من القدرة التصديرية، وتساعد في السيطرة على أسعار صرف العملات الصعبة، فضلا عن زيادة الحصيلة الضريبية، مما يحدث توازنا في الميزان التجاري والمالي".
وأوضح "قناوي" في تصريحات صحفية أن هناك طريقتين لعلاج التضخم الذي ضرب الاقتصاد المصري، لافتا إلى أن الطريقة الأكثر فاعلية لعلاج التضخم وعلاج كل الأمراض التي يعاني منها الاقتصاد المصري، هي زيادة الإنتاج، عبر الاعتماد على التصنيع المحلي.
وأكد أن الإنتاج هو العلاج لكل أمراضنا الاقتصادية، حيث أن التضخم مرض اقتصادي عضال يصيب اقتصاديات الدول، إما بوتيرة بطيئة وآثار منخفضة أو بوتيرة مفاجئة وآثار سريعة وضخمة ، مشيرا إلى أن التضخم يتسبب في مشكلات وأزمات بجميع قطاعات الدولة، سواء الأفراد أو الشركات، أو الصناع والمزارعين، إضافة إلى الخدميين، وعلاجه بطريقتين، الأولى رفع الفائدة وتقليل السيولة للحد من الطلب، والثانية زيادة السيولة في السوق مع خفض الفائدة.
وكشف "قناوي" أن حكومة الانقلاب عملت بالطريقة الأولى، موضحا أن تداعيات هذه الآلية في علاج التضخم، ينتج عنها قلة السيولة في السوق وانخفاض كبير في القوى الشرائية، حيث يعزف المستهلكون فجأة عن الشراء، وهو ما يدفع المنتجين إلى خفض إنتاجهم، وبالتالي تقليل التشغيل والعمالة، وهو ما ينتج عنه زيادة في البطالة، وخروج متتالي للمؤسسات الإنتاجية من الأسواق، وزيادة تكاليف الإنتاج بسبب ارتفاع فوائد التمويل.
وأكد أن الطريقة الأخرى لعلاج التضخم، تتمثل في زيادة السيولة بالسوق مع خفض الفائدة، مشيرا إلى أن هذه الطريقة استخدمت بعد الحرب العالمية، وهي التي تتماشى مع الوضع الاقتصادي المصري لكن حكومة الانقلاب رفضت استخدامها .
وأوضح "قناوي" أنه مع هذه الطريقة تزيد في البداية الأسعار بنسب عالية ومتسارعة، وتؤدي إلى تحقيق أرباح كبيرة للمنتجين بسبب زيادة الطلب مع زيادة القوى الشرائية، وهو ما يدفع المنتجين إلى زيادة التشغيل وتحسين الأجور وزيادة عدد المصانع والمستثمرين والمزارع، وبالتالي تنخفض البطالة وتزيد الأجور، وتتحسن المنافسة، فينتج عن ذلك تراجعا في الأسعار بشكل تدريجي، وتتعدد هذه الدورة مرات عديدة حتى تصل الأسعار إلى السعر العادل.