رغم التراجع الكبير الذى شهده الجنيه المصرى أمام الدولار الأمريكي مطلع العام الجارى إلا أن مؤسسات ومراكز دراسات وبنوك دولية تتوقع المزيد من تراجع الجنيه مؤكدة أن سعر الدولار سيتجاوز 35 جنيها خلال ايام .
وأرجعت هذا الانخفاض إلى أزمة الدولار التى يواجهها نظام الانقلاب الدموى بقيادة عبدالفتاح السيسي وتراجع الموارد الدولارية ومنها السياحة وقناة السويس والصادرات وتحويلات المصريين العاملين بالخارج بسبب الأزمات الاقتصادية التى يشهدها العالم منذ جائحة فيروس كورونا المستجد والحرب الروسية الأوكرانية .
يشار إلى أن هذه التطورات أصبحت حديث الشارع المصري حيث لا صوت يعلو عن الحديث عن الدولار وأزمة العملات الأجنبية ومأزق حكومة الانقلاب المتفاقم بشأن تراجع الاحتياطي النقدي وما لذلك من تبعات بشأن قدرة السيسي على سداد أعباء الديون الخارجية من أقساط وفوائد، فضلًا عن توفير السيولة الدولارية لتحريك المياه الراكدة في مستنقع الاستيراد المتجمد ويرى المصريون أن إسقاط السيسي وعصابة العسكر هو الحل الوحيد لما تواجهه البلاد من انهيار اقتصادى .
صندوق النقد
من جانبه رفع بنك HSBC توقعاته لسعر الدولار مقابل الجنيه، مرجحا أن يسجل الدولار على المدى القريب 35 جنيها في المتوسط
وقال البنك فى تقرير له إن استمرار انخفاض الجنيه على المدى القريب يرجع إلى زيادة احتياجات التمويل العالية للغاية من الدولار وتدفقات رأس المال الضعيفة في هذه الفترة مشيرا إلى أن الانخفاضات الحادة في أسعار صرف الجنيه خلال الأيام الأولى من عام 2023 أدت إلى ارتفاع سعر الدولار إلى نحو 29.8 جنيهً ليصعد الدولار أمام الجنيه بنحو 90% منذ مارس الماضي (قبل الموجة الأولى من الانخفاضات) .
وأشار بنك HSBCإلى أن الجولة الحالية لتخفيض قيمة العملة تشكل جزءًا من حملة متوقعة منذ فترة طويلة لإعادة موازنة الحسابات الخارجية لمصر بعد الصدمات الخارجية في العام الماضي.
وأوضح أن قرار رفع سعر الفائدة جاء لاستيعاب خفض سعر الصرف حيث قرر البنك المركزي رفع سعر الفائدة بمقدار 3% في ديسمبر الماضي وتم الإبقاء على معدل التضخم على المدى القريب بنسبة 7% (+/- 2) مستهدفا نزوله إلى 5% بزيادة أو نقصان 2% خلال الربع الرابع من 2026.
وأكد بنك HSBC أن البنك المركزي بدأ في التحول إلى سعر صرف مرن كما جاء في بيان صندوق النقد الدولي، وظهر ذلك من خلال تمويل الاعتمادات المستندية للإفراج عن البضائع المكدسة في الموانئ.
ولفت إلى أن صندوق النقد الدولي الزم نظام الانقلاب باتباع سياسة سعر الصرف المرن مع التدخل في أضيق الحدود في سعر الصرف ما دفع سعر الدولار للصعود بصورة اكبر .
الاحتياطي الأجنبي
وأكد الخبير الاقتصادى عبدالنبى عبدالمطلب وكيل وزارة التموين الأسبق أن الضغط على الجنيه والدفع به نحو تراجع قيمته، أحد الأسباب الرئيسية وراء أزمة العملات الأجنبية، موضحا أن قوة الجنيه وزيادة قيمته السوقية تعني تراجع قوة الدولار وزملائه داخل السلة النقدية الأجنبية، والعكس صحيح.
وكشف عبدالمطلب فى تصريحات صحفية أن هناك العديد من الأسباب التي أدت إلى زيادة وتيرة الضغط على العملة المحلية منها انخفاض الاحتياطي النقدي الأجنبي من 45.5 مليار دولار في مارس 2020، إلى 33.4 مليار دولار في نوفمبر 2022، بجانب بعض السياسات النقدية التي ثبت خطؤها مثل التدخل لتثبيت سعر الجنيه واعتماد سياسة التعويم المدار بدلًا من العرض والطلب، يضاف إلى ذلك، زيادة الفجوة بين الصادرات والواردات بأكثر من 40 مليار دولار، واتساع حجم الفجوة التمويلية هذا العام إلى نحو 32 مليار دولار.
وأشار إلى أن ما زاد من صعوبة الوضع هروب أكثر من 20 مليار دولار (أموال ساخنة) من أدوات الدين الحكومية بعد أسابيع قليلة من الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت في فبراير 2022 موضحا أن ارتفاع كلفة استيراد السلع الضرورية اللازمة لضمان خطوط الإنتاج الصناعي، والحيوية التي يحتاجها المواطن، أدت إلى مزيد من الضغوط، ما تسبب في زيادة الطلب على الدولار مقارنة بالجنيه، الأمر الذي زاد من الفجوة القيمية في سعري كل من العملتين لصالح العملة الأمريكية التي أفقدت الجنيه أكثر من 60% من قيمته خلال عام واحد فقط.
وشدد على أن تراجع سعر الجنيه يشير إلى أن هناك ندرةً وشحًا في العملات الأجنبية لدى البنك المركزي، ما يعني أن دولة العسكر ستواجه مشاكل قوية في تدبير التزاماتها من أقساط وفوائد الدين.
جراحة عاجلة
وأكد الخبير الاقتصادي مصطفى عبد السلام أن الأزمة الحاليّة أكبر من قدرات حكومة الانقلاب وإمكانياتها المحدودة، وأنها أعمق من أن يتم حلها بالإجراءات القاسية المقترحة التي ذهب إليها الكثير من الخبراء مثل تعويم جديد للعملة أو زيادة سعر الفائدة أو إطالة أمد سد الودائع والديون الخليجية، ولا حتى الحصول على قروض جديدة وبيع أصول الدولة والتخارج المرحلي وجذب الاستثمارات الخارجية.
وقال عبد السلام فى تصريحات صحفية ان العلاج السحري لتلك المعضلة يتمثل في إجراء إصلاح سياسي جذري شامل يبدأ ببعض الخطوات السريعة مثل الافراج عن رجل الأعمال صفوان ثابت ونجله، ووقف سفه الاقتراض الخارجي، وزيادة الإنتاج المحلي خاصة من الحبوب والأدوية والمشتقات البترولية للحد من الواردات التي تلتهم أكثر من 80 مليار دولار سنويًا من موارد الدولة الدولارية، وينتهي بارتفاع منسوب الطمأنينة لدى المواطن في الداخل والخارج بأن مدخراتهم في آمان وأنها بمأمن عن التآكل بفعل التضخم والدولرة.
وشدد على أن القادم – إن لم يكن أصعب مما مضى – فلن يكون الأفضل على كل حال، والأزمة ليست مقصورة على مصر وحدها، فهي أزمة عالمية من الدرجة الأولى، غير أن استثنائية الحالة المصرية ربما تفاقم الوضع وتبلغه مبلغًا حرجًا، فى ظل فشل حكومة الانقلاب في التعامل مع التحديات الراهنة وإجراء جراحة عاجلة للاقتصاد قبل أن يخرج النزيف عن حاجز الاحتواء.
مشروعات الفنكوش
وكشف الخبير الاقتصادي إبراهيم نوار عن حزمة من الإجراءات العاجلة التي يجب على حكومة الانقلاب اتخاذها لعلاج الأزمة والخروج من تلك الشرنقة، منها تخفيض سعر الجنيه مرة واحدة بما يتناسب مع قيمته السوقية، بجانب رفع سعر الفائدة الأساسي إلى 18-19% على الأقل، وتخفيض الإنفاق الحكومي فورًا بنسبة 20% على الأقل لمنع تفاقم الدين العام، مع تخفيض ضريبة القيمة المضافة بنسبة 5% على الأقل، وزيادة الضرائب على شركات الطاقة العاملة في السوق المحلي.
وشدد نوار في تصريحات صحفية على ضرورة البدء فورًا في إعادة أصول الصندوق السيادي للشعب، وبيع الشركات المملوكة للدولة وأجهزتها المختلفة بأسعار تفضيلية للمصريين، وتخفيض كل ميزانيات دواوين حكومة الانقلاب، بما فيها الوزارات والمحافظات بنسبة 50%، وإلغاء كل القرارات الإدارية التي أدت إلى الاختناقات السلعية الحاليّة في الأسواق.
وقال إن علاج تلك المعضلة يتطلب إجراء إصلاح سياسي جذري شامل مطالبا بالدخول في مفاوضات مع الدائنين لإعادة جدولة الدين، المحلي والخارجي، الذي يستهلك خدمته أكثر من 20% من إجمالي الناتج المحلي .
وأشار نوار إلى ضرورة إعادة النظر في المشروعات الفنكوشية التي تنفذها دولة العسكر حاليًّا وتستنزف نصيب الأسد من الدخل القومي، خاصة أن عوائدها بعيدة المدى وليست في الأجل المنظور، ما يتطلب إعادة تقييمها مرة أخرى وفق قائمة أولويات اقتصادية وطنية تراعي الأهم فالمهم فالأقل أهمية.