التلاعب في معدلات التضخم.. 21% كما تزعم حكومة الانقلاب أم أعلى من 100%؟!

- ‎فيتقارير

يؤكد الفيلسوف الفرنسي هلفتيوس (القرن الثامن عشر) أن «إن التفاعل بين المجتمع والسلطة ذو اتجاه واحد، فالشعب لا يؤثر في طبيعة السلطة وانما تؤثر السلطة في خصائص الشعب وأخلاقه؛ فالسلطة مسئولة عن مساوئ الشعب كما أنها مسئولة عن محاسنه».  ويرى الكاتب الكبير فهمي هويدي أن الكذب والاحتيال والغش والتدليس رذائل متوطنة في كل المجتمعات الإنسانية منذ قديم الأزل، ولا تملك سلطة في الأرض أن تجتثها أو تقضى عليها. لكن أي سلطة تستطيع بممارساتها أن تكسب تلك الرذائل شرعية وتثبتها كقيم في المجتمع، رغم أنها قد تعلن على الملأ بألف لسان وبيان إصرارها على مكافحة أمثال تلك الرذائل والتصدي لها. فممارسات السلطة قد تبدو في ظاهرها جولات سياسية أو حسابات اقتصادية أو أهدافا تنموية تتعجل بلوغها.. غير أن ذلك يظل فقط الوجه المرئي والمحسوس. الوجه الآخر يتمثل في أن تلك الممارسات تشكل منهجا في تربية الجماهير من ناحية، ومدرسة تتخرج فيها كوادر السلطة المبثوثة في كل مكان من ناحية ثانية.

وأفضل مثال على ذلك تلاعب نظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي في أرقام الوضع الاقتصادي حتى تبدو مقبولة بهدف التغطية على الأرقام الحقيقية المرعبة التي تؤكد حجم الانهيار في الأوضاع الاقتصادية في البلاد. فحسب الجهاز المركزي للإحصاء (حكومي)، فإن معدل التضخم لإجمال الجمهورية بلغ 21.9% على أساس سنوي في ديسمبر الماضي"2022م". فقد ارتفع معدل قسم الطعام والمشروبات حوالي 38% ومجموعة الخبز والحبوب بنحو58% تلتها الألبان الألبان والجبن والبيض بـ48.9%، ثم الأسماك والمأكولات البحرية بزيادة 44.2%، ثم مجموعة الخضروات 38.8%، وجاءت الارتفاعات في أسعار اللحوم والدواجن بـ35.5%.

وتنعكس الموجة التضخمية الحالية بحدة على الجوانب الاجتماعية، حيث أظهرت دراسة صادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، في نوفمبر الماضي، الآليات التي لجأت إليها الأسر المصرية لمواجهة ارتفاع الأسعار، حيث قللت 75% من الأسر الإنفاق على الطعام عبر استبعاد الأصناف ذات الأسعار الأعلى والقيم الغذائية المرتفعة، مثل اللحوم والدواجن والأسماك، وحتى الأرز، الذي جاء كثاني مكون قررت غالبية الأسر التقليل في الاعتماد عليه. وعلى الرغم من أن معدل التضخم يُسجل 16% تقريبًا سنويًا، إلا أنه وفقًا للدراسة، ترى نصف الأسر أن أسعار السلع الغذائية وغيرها، زادت بمقدار 100% أو أكثر.

هذه المعدلات مشكوم في صحتها، وهناك اتهامات لأجهزة الحكومة بالتلاعب في الأرقام الحقيقية؛ هذه الشكوك لم تقف عند المعارضين للنظام والمواطنين الذين يئنون من الغلاء الفاحش، بل امتدت إلى إعلاميين محسوبين على السلطة كعمرو أديب الذي شكك في أرقام التضخم المعلنة من الجهاز المركزي للإحصاء عن شهر نوفمبر 2022م؛ والتي بلغت نحو 21.5%. مؤكدا في برنامجه على قناة "إم بي سي مصر" الممولة من المخابرات السعودية أن الأرقام الحقيقية للتضخم أعلى من ذلك بكثير.

وحسب قائمة التضخم العالمية التي يعدها البروفيسور ستيف هانك، أستاذ الاقتصاد المعروف في جامعة "جونز هوبكنز"، فقد احتلت مصر المرتبة السادسة عالميا بين أسوأ 21  دولة؛ بعدما قفز معدل التضخم الحقيقي في مصر إلى 101 بالمئة بقائمة معدلات التضخم العالمية. وقال هانك في تغريدة نشرها عبر حسابه الرسمي بموقع التواصل الاجتماعي "تويتر"، إن برنامج صندوق النقد الدولي فشل في وقف التضخم في مصر.

وحسب استطلاع أجرته وكالة رويترز في  تقرير لها في 09 يناير 2023، فقد توقع الخبراء المشاركون فيه استمرار ارتفاع معدل التضخم الرئيسي في مصر بعدما سجل بالفعل أعلى مستوى في خمس سنوات في نوفمبر22م، بينما لا يزال خفض قيمة العملة المحلية الجنيه في أكتوبر22م يلقي بظلاله على الاقتصاد.. وفي يناير تم إجراء تعويم رابع أدى إلى انخفاض قيمة الجنيه من 27.6 جنيها إلى 29.7 جنيها.

رغم ارتفاع معدلات التضخم في مصر وفقا للأرقام الرسمية إلى (21.9%) وفق الأرقام الرسمية وهي معدلات مرتفعة إلا أن  هذه الأرقام مشكوك فيها من جهة أخرى؛ لأن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء وهو الجهة الرسمية الوحيدة المسموح لها بقياس التضخم، يستخدم منهجية مضللة في حساب نسب التضخم؛ حيث يستبعد من مجموعات السلع التي يتم قياس التضخم على أساسها  السلع الأكثر تقلبا وهي السلع الأساسية والتموينية التي يستهلكها عموم المصريين وبكميات كبيرة. فالجهاز يقيس التغير في أسعار سلع وخدمات مثل المشروبات الكحولية والثقافة والترفيه والمطاعم والفنادق وإيجارات المساكن وأكثر من 1000 سلعة وخدمة يظل التغير في سعر بعضها قريبا من الصفر، لينخفض، تبعا لهذه المنهجية، رقم التضخم العام، بالرغم من تضاعف أسعار السلع الأساسية في الواقع(السلع الغذائية الأساسية)، وهي المنهجية التي ينتقدها خبراء الاقتصاد في مصر والعالم ويعتبرونها منهجية مضللة. وبسبب فساد منهجية جهاز الإحصاء المصري كما جرى سنة 2017م، اتهم خبير الاقتصاد الأميركي ستيف هانك، أستاذ الاقتصاد التطبيقي في جامعة "جونز هوبكينز" ومدير مشروع العملات المضطربة بمعهد كاتو الأميركي، الأجهزة الرسمية بالكذب بشأن معدلات التضخم في مصر، مؤكدا أن معدل التضخم الحقيقي في مصر في منتصف 2017م يساوي 146.6%  وليس 32% كما أعلنت الحكومة؛ مشككا في صحة الإحصائيات الحكومية الرسمية، علما أن المعهد الذي يعمل به هانك يحتل الترتيب 16 بين أفضل معاهد دراسات السياسات في العالم.