واجه الرئيس الشهيد محمد مرسي في العام 2013 حثالة تراكمت منذ انقلاب زعيمهم جمال عبد الناصر في العام 1954، تلك الحثالة كانت ولا زالت ترفض العدالة لأنها ستكشف فسادهم وسرقاتهم، وترفض المساواة لأنها ستجرئ عليهم الشعب الذي استعبدوه، ورفضت الحرية لأنها سترفع الغماية من فوق أعين المصريين وتجعلهم يبصرون حقوقهم، تلك الحثالة هي من تحتفل اليوم بذكرى زعيمهم عبد الناصر ويلقبونه بالزعيم.
والسؤال المهم ، هل من المعقول أن يحيا شخص على فكرة ويدفع من أجلها ثمنا باهظا، ثم تأتي من يقنعه بأن تلك الفكرة كانت وهما، وذلك الزعيم لم يكن يعبأ أصلا بما جعلك تؤمن به ؟
يقول الحقوقي الدكتور سامي يوسف “كل من يحتفلوا بذكرى هذا الرجل، لاتنسوا أنه سبب ما نحن فيه الآن بسبب انقلابه على ملك شرعي، وفي عصره وبسببه تعرضت مصر لأسوأ هزيمة في تاريخها الحديث واحتلت أرضها وانهار اقتصادها بسبب حرب اليمن وامتلأت المعتقلات في عهده بعشرات الآلاف من المعتقلين السياسيين، فقط للتذكرة”.
من مجرم إلى آخر
“إحنا قولنا عيش ، حرية ، عدالة اجتماعية مقولناش طُرق وكباري وعاصمة إدارية” من الطاغية عبد الناصر إلى السفاح السيسي تغوص مصر وشعبها إلى قاع الفقر والجهل والتخلف والخروج من تصنيف حقوق الإنسان، اتبع السفاح السيسي نهج عبدالناصر في تبذير ثروة مصر، التي كانت أغنى دولة في العالم الخمسينات وقبلها على حروب فاشلة، وبات السفاح عاجزا عن مواجهة أثيوبيا البلد الضعيف بكل أشكاله، و يبذر مئات المليارات التي اقترضها أو منحت له مكافأة من الخليج على انقلابه.
كشف الصحفي والكاتب الراحل محمد جلال كشك في كتابه “ثورة يوليو الأمريكية” ما جره انقلاب 23 يوليو من مآس بحق المصريين والأمة العربية والإسلامية.
ينطلق جلال كشك لتبيان هذا من خلال شرح وتوضيح علاقة جمال عبدالناصر بالمخابرات الأمريكية، هذه العلاقة التي بدأت قبل الثورة واستمرت لعام 1965 وكانت هي المحرك الرئيسي للقيام بحركة تقضي على حالة التحرر الوطني التي عاشتها البلاد وتكفل انتقالا هادئا للسلطة من الاستعمار البريطاني إلى الاستعمار الأمريكي في إطار لعبة الأمم.
هل كان ناصر وطنيا مخلصا أخطأ طريقه إلى تحقيق طموحات شعبه ، أم كان عميلا للمخابرات الأمريكية؟ يقول محمد جلال كشك “ولكنني عندما تعمقت في الدراسة تأكد لي صدق وطنية ومصرية عبدالناصر” ولكنه يعقب على ذلك في كتابه ثورة يوليو الأمريكية فيقول “هذا ما كتبته في كلمتي للمغفلين، ولو سألتني الآن، بعدما نشر من وثائق، هل تستطيع أن تقسم على ذلك؟ لترددت”.
ويعلق جلال كشك على هذه الصلة، الكثير من المواقف السياسية في عهد عبدالناصر مثل، تجنبه العدو الرئيسي للأمة وهو إسرائيل في مقابل خوضه حروبا غير ذات قيمة مثل حرب اليمن، والتدخل الأمريكي-السوفييتي لوقف العدوان الثلاثي على مصر.
ويُرجِع الاتصال الأمريكي بالضباط الأحرار إلى ثلاثة أهداف، منع قيام ثورة راديكالية في مصر تقضي على الاستعمارين البريطاني والأمريكي، حماية إسرائيل، تصفية الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية في العالم العربي، وإحلال النفوذ الأمريكي وليس الروسي محلهما.
ويعتمد محمد جلال كشك في تحليله للتاريخ الناصري على محمد حسنين هيكل، أبرز مؤرخي هذه الفترة، وأيضا على الكتاب الشهير “لعبةالأمم” لـ “مايلز كويلاند”.
استعمار باستعمار
لم يكن هيكل مجرد صحفي موال للنظام سواء الملكي أو الناصري؛ بل لعب دورا مؤثرا في قرارات جمال عبدالناصر، وكان وفقا لبعض الوثائق على علاقة بالمخابرات الأمريكية، ويدور هذا الفصل حول المقارنة بين كتابين لمحمد حسنين هيكل؛ الأول هو “ملفات السويس” وهو النسخة العربية من كتاب “السويس: قطع ذيل الأسد”.
تنوع محتوى مؤلفات هيكل بحسب الجمهور القارئ لها، فللقارئ العربي منجزات الرئيس وروايات محرّفة، للقارئ الأجنبي الحقيقة، وهذه المقارنة تبرز التزوير الكبير الذي قام به في حق التاريخ المصري، وهو تزوير فج لا يمكن تبريره بخطأ المترجم أو النسيان، فقد صدر الكتابان في نفس الفترة تقريبا.
وأما الترجمة فقد قام محمد حسنين هيكل بترجمة الكتاب بنفسه إلى النسخة الإنجليزية، ويهدف هذا التزوير إلى التعمية عن فضائح العهد الناصري والتمجيد في بعض ما قام به عبد الناصر باعتباره أعمالا ثورية غير مسبوقة مثل الإصلاح الزراعي وتأميم القنال وغيرها، ومن جهة أخرى إخفاء العلاقة المريبة بين عبدالناصر والمخابرات الأمريكية.
تقع النسخة العربية في حوالي 928 صفحة، بينما تقع النسخة الإنجليزية في 242 صفحة، ويعتذر هيكل للقارئ الأجبني لأنه قد أغفل الكثير من التفاصيل التي لا تهمه، ومع ذلك يمكننا أن نلاحط أن الطبعة الإنجليزية قد حفلت بالكثير من الوقائع والحقائق المهمة تاريخيا، في حين امتلأت الطبعة العربية بالإسهاب والحديث عن بطولات الزعيم.
يتحدث الناصريون كثيرا عن منجزات العهد الناصري ومن أهمها الإصلاح الزراعي، ولكننا نقرأ في كتاب “السويس: قطع ذيل الأسد” النسخة الإنجليزية عن لقاء دار بين الملك والرئيس الأمريكي يقترح فيه الرئيس الأمريكي على الملك تقسيم الملكيات الكبيرة في مصر وتسليمها للفلاحين لزراعتها.
ويعد هذا النص في غاية الأهمية حيث يعزز حجة القائلين بأن الإصلاح الزراعي كان مطلبا أمريكيا منذ عام 1945م، أي قبل الثورة بسبع سنوات، ولما كان هذا اللقاء أول لقاء بين الرئيس الأمريكي والملك، فإننا نجد من الغريب أن يكون هذا موضوعا من مواضيع النقاش بين الطرفين.
حُذف هذا الموضوع بالطبع من الطبعة العربية، ولكنه أورده في النسخة الإنجليزية ليظل مطبوعا في ذهن الإنسان العربي هذا الحدث على أنه من منجزات الناصرية، فماذا لو كان هذا الأمر بطلب من أمريكا في المقام الأول؟
يستدل كشك بحكاية خطيرة أوردها هيكل في كتابه، ولكننا نقرأ تحريفا خطيرا يدل على الطريقة التي كانت تدار بها مصر في عهد عبدالناصر.
في النسخة العربية يورد هيكل ما معناه أن الوزير البريطاني جاء مصر ليقابل جمال عبدالناصر ويخبره بأنه أثناء حديثه مع بن جوريون، سأله الصهيويني عن نوايا جمال عبدالناصر تجاه إسرائيل؟ فأجابه ريتشارد كروسمان بأن إسرائيل ليست من ضمن أولويات جمال عبدالناصر الملحة الآن، وأنه يركز جهده على الخلاص من الإنجليز وعلى التنمية الاقتصادية والاجتماعية في مصر، ويأتي رد بن جوريون “هذه أسوأ معلومة سمعتها في الشهور الأخيرة”.
أما في الطبعة الإنجليزية فنقرأ رواية مختلفة تماما ، مفادها أن الوزير البريطاني فشل في الحصول على مقابلة مع جمال عبدالناصر من خلال السفير البريطاني، فأحال الأمر إلى السفير الأمريكي الذي رتب الأمر مع “وليام ليكلاند” وتمت المقابلة في ديسمبر 1953م.
ولمن لا يعرف “وليام ليكلاند” هو ضابط الاتصال السياسي بالسفارة الأمريكية، بصيغة أخرى هو مسئول الاتصال بالمخابرات المركزية الأمريكية في السفارة، والذي نجد له أيضا يدا واضحة في انقلاب 1963م ببغداد على عبدالكريم قاسم.
وفي كتاب “الطريق إلى السويس” لمؤلفه مايكل ثورنهيل نجد تلك العبارة المثيرة:Nasser and Lakeland visited each other’s homes for late night chats about strategy = “تزاور ناصر وليكلاند مرارا من أجل سهرات طويلة من المحادثات الاستراتيجية”.
فكيف يتأتى لرئيس مصر أن يتم ترتيب لقاءاته من خلال المخابرات الأمريكية؟ هذه الواقعة لا تترك إلا مخرجا واحدا لتفسيرها، وهو أن انقلاب يوليو كان بمثابة انتقال للسلطة الفعلية من يد بريطانيا إلى يد أمريكا، وما كانت إلا استبدالا لاستعمار باستعمار.