تحذر كثير من البحوث والدراسات وتقديرات الموقف من تزايد معدلات الفقر والحرمان والجوع؛ لأن ذلك سوف يضغط على الطبقات الفقيرة التي تتزايد أعدادها بشدة؛ وفي ظل هذه الأوضاع المتدهور فإن حجم الضغوط قد تصل إلى مرحلة الانفجار وهو انفجار فجائي وتلقائي، ولن تنفع معه القبضة الأمنية لأنها لن تبقى على الدوام والضغوط كثيرة تحاصر النظام من كل جانب؛ وسقوطه حتمي في ظل ارتفاع الدولار فوق الـ30 جنيها.
وقد خرجت تقديرات موقف من مراكز بحث وتحليل تحذر بالفعل من انفجارات اجتماعية في الدولة الهشة كمصر وعدد من الدول العربية؛ وكان على رأس المحذرين البنك الدولي، الذي توقع اندلاع احتجاجات مشابهة لأحداث الربيع العربي بسبب التضخم وارتفاع الأسعار. وتؤكد صحيفة "التلجراف" البريطانية، أن مصر ستواجه أزمة غذاء كبرى، وتنقل الصحيفة البريطانية عن البروفيسور "تيموثي لانج" الأستاذ الفخري المتخصص في سياسة الغذاء، تحذيراته مؤكدا أن «مصر صندوق بارود ينتظر الانفجار». ووفقا لتقديرات موقع «جيوبوليتيكال فيوتشرز»، فإن الاحتجاجات الجماهيرية تكاد تكون حتمية في مصر وشمال إفريقيا إذا ارتفت أسعار الغذاء إلى مستويات جديدة تفوق قدرة ملايين الفقراء.
واستنادا إلى مؤلفات جاك غولدستون عالم الاجتماع السياسي الأميركي والأستاذ بجامعة جورج مايسون، فإن هناك احتمالات قوية لحدوث تمرد وانفجار اجتماعي جراء ارتفاع معدلات التضخم وارتفاع أسعار الغذاء. بينما الحرمان النسبي قد يدفع إلى قيام الثورة وحدوث التغيير، فالشعور بعدم المساواة وانعدام الفرص -سواء في الدول الغنية أو الدول متوسطة الدخل- هو الذي يدفع باتجاه التفكير في الثورة، وذلك من أجل تغيير موازين القوى السياسية وتحقيق العدالة الاجتماعية، ويصبح الأمر أكثر إلحاحا عندما يدرك المواطنون أولا أن فقرهم ليس قدرا حتميا لأن بلادهم فقيرة ولكن نتيجة للسياسات الحكومية الفاشلة والفاسدة، وثانيا لأن هناك فئات وطبقات أخرى لا تعاني الفقر، بل تحتكر الثروات والموارد على حساب بقية المجتمع، وبكلمات أخرى، فإن فقرهم هو بفعل فاعل وليس أمرا قدَريا.
أجهزة السيسي تحذر النظام
حاليا هناك حالة من الارتباك تسود في أروقة نظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي في ظل انفلات الأسعار وتدهور الوضع الاقتصادي على نحو غير مسبوق بعدما ارتفع سعر صرف الدولار فوق الـ 30 جنيها، بانخفاض يصل إلى 50% مرة واحدة خلال الشهور القليلة الماضية. ورفعت الأجهزة الأمنية للنظام تقديرات موقف تحذر من عواقب عدم السيطرة على انفلات الأوضاع في ظل تصاعد مستويات الغضب الشعبي على نحو مقلق. وتلقى وزراء ومحافظون توجيهات بضرورة التحرك العاجل لتوفير السلع الغذائية في الأسواق في ظل اختفاء الكثير من السلع وتفضيل كثير من التجار تخزين السلع على بيعها في ظل الارتفاع المتواصل للأسعار.
تقديرات الموقف الأمنية رصدت صعوبة حصول المواطنين على أبسط المواد الغذائية، الأمر الذي أدى إلى تنامي حالة السخط الشعبي؛ الأمر الذي ينذر بتوترات اجتماعية قد تؤدي إلى عدم الاستقرار السياسي. وفي مواجهة هذه الأزمة ـ حسب صحيفة العربي الجديد اللندنية ــ فقد سعت الأجهزة الأمنية إلى فرض رقابة على تجار المواد الغذائية في القاهرة والمحافظات، وهو الدور المنوط أصلاً بوزارة التموين ومفتشيها، عبر جهاز الأمن الوطني وفروعه في المحافظات. ويقوم ضباط الجهاز بمتابعة الأسواق والتحري عن التجار، خصوصاً تجار المواد الأساسية مثل الأرز والدقيق والسكر، لمنعهم من تخزين تلك السلع والمضاربة عليها.
زاد من سوء الموقف أن الوزراء والمحافظين يتحركون مرتعشين خشية أن يتحولوا إلى كباش فداء لاسترضاء الجماهير الساخطة؛ و وبينما يسعى الوزراء والمحافظون إلى إيجاد حلول عاجلة، ولو مؤقتة، للأزمات الاقتصادية والمعيشية المتتالية، فإن بعضهم، يشكو من عائقين رئيسيين: الأول، عدم وجود تنسيق كاف بين الوزارات والمؤسسات المختلفة في الدولة. أما الثاني فيتعلق بتدخل بعض مسؤولي الأجهزة الأمنية في تسيير أعمالهم وبرامجهم التنفيذية، فضلاً عن خشيتهم من الإطاحة بهم وتقديمهم "كبش فداء"، لامتصاص غضب الشارع المصري المكتوم من الأزمات المعيشية المتلاحقة.
في هذه الأثناء فإن الكثير من الشخصيات المعارضة يرفضون غالبا المشاركة في برامج أو مداخلات مع صحف وقنوات تلفزيونية حكومية، أو خاصة تابعة للأجهزة الأمنية، خوفاً من حالة السخط العامة التي يعيشها المصريون، وما يمكن أن يستتبعه ذلك من تأثير سلبي عليهم. وترى هذه الشخصيات أن الوزراء والمحافظين هم سبب الأزمات السياسية والاقتصادية في مصر، لأنهم مجرد منفذين لسياسات خاطئة متتالية.
محاولة امتصاص الغضب
وتحاول المؤسسة العسكرية مساعدة نظام السيسي بوصفه نظامها والممثل لها بعدما أوصلته إلى عرش البلاد بعد انقلاب عسكري في منتصف 2013م؛ ويعمل الجيش على إيجاد حلول لأزمة نقص السلع، عبر تسيير شاحنات بالمحافظات تقوم بتوزيع حصص من السلع الغذائية على المواطنين، لكنها كنقطة في بحر مما يحتاج إليه عشرات الملايين من المصريين الذي يعانون أشد المعاناة في الحصول على السلع الغذائية الرئيسية. أصدر الجيش بيانا الإثنين الماضي أنه سير شحنات غذائية بناء على توجيهات من السيسي من أجل تخفيف الأعباء المعيشية عن المواطنين فتم توزيع كميات كبيرة من الحصص الغذائية في مختلف محافظات الجمهورية، لمواجهة التداعيات الاقتصادية".
وفي محاولة لامتصاص غض الشارع تقدم نواب في البرلمان بطلبات إحاطة واستجوابات لوزير التموين علي المصيلحي، والحكومة، حول أزمة اختفاء السلع وارتفاع أسعارها، كمحاولة لامتصاص غضب الشارع. وتوجيه المسئولية إلى الحكومة وليس إلى السيسي رغم أن الحكومة مجرد منفذين لسياسات السيسي وأجهزته الأمنية والذين يمثلون الحكومة الفعلية للبلاد. ووجه مجلس النواب، خلال جلسة 3 يناير أيضاً، نحو 150 أداة رقابية مُقدمة من النواب، ما بين طلبات إحاطة وأسئلة وطلبات مناقشة عامة، إلى وزير التموين والتجارة الداخلية علي المصيلحي، حول "دور الوزارة وجهودها في الرقابة على الأسواق لمواجهة الاحتكار وارتفاع الأسعار ونقص بعض السلع، وخطة الحفاظ على المخزون الاستراتيجي لمواجهة أزمة الغذاء العالمية، وتفعيل دور جهاز حماية المستهلك لمراقبة الأسواق وضبط ارتفاع الأسعار، وتوسيع قاعدة المستفيدين من الدعم التمويني، وإجراءات وأسعار توريد المحاصيل، وزيادة سعر توريد طن قصب السكر، وإنشاء وتشغيل منافذ وزارة التموين الاستهلاكية، وإنشاء وتطوير مكاتب التموين، وغيرها من الأمور التي تخص قطاع وزارته".
ولمواجهة هذه الأوضاع المتدهورة طالب نواب بزيادة الدعم التمويني لتكون أكثر من 50 جنيهاً (الدولار الأميركي نحو 30.55 جنيهاً)، من خلال احتياطي الميزانية، لمجابهة ما قالوا إنه "ظروف استثنائية يمر بها الاقتصاد المصري في ظل تداعيات الأزمة العالمية". وينقل تقرير "العربي الجديد" عن المواطن أحمد عنتر (60 عاماً) قوله: " بينما كان في المجمع الاستهلاكي "فاميلي ماركت" الموجود بمنطقة سراي القبة، قرب قصر القبة الجمهوري، إن المسؤول عن البيع بالمجمع أبلغه أنه لا يوجد أي نوع من أنواع الزيت ولا السكر ولا الأرز المخصصة لوزارة التموين، بالإضافة إلى الدقيق، وطالبه بأن يعود مرة أخرى الثلاثاء المقبل، على أمل أن تكون تلك السلع قد توفرت!.