رجحت ورقة بحثية لموقع “الشارع السياسي Political Street” 3 سيناريوهات محتملة في تعامل السيسي مع مشروع تعديلات قانون صندوق قناة السويس الذي يسمح ببيع وتأجير القناة وإشراك الأجانب في إدارتها والتحكم بإرادتها المصرية.
ومن أبرز ترجيحات الورقة التي كانت بعنوان “مشروع تعديلات القانون رقم 30 لسنة 1975 سيناريوهات السيسي نحو خصخصة قناة السويس”
“الإرجاء” كما فعل تماما مع الفاتورة الإلكترونية من أجل امتصاص غضب المحامين والنقابات المهنية، لكنه في هذه الحالة قد يكون أيضا مصحوبا بحملة دعاية بيضاء لتلميع صورة السيسي بوصفه من رفض مشروع التعديلات وقرر إرجاءها وإجراء تعديلات على المواد المرفوضة شعبيا.
وأوضحت أنه “رغم أن الصندوق قائم بالفعل بالمخالفة للدستور والقانون وبإشراف مباشر من السيسي نفسه لكنه بلا صلاحيات ولا يملك التصرف حياله بشكل قانوني وشرعي؛ فهذا يستلزم تمرير مشروع التعديلات”.
وأضافت أن احتمال إرجاء القانون مرشح بقوة وإن كان المشهد مفتوحا على كافة الاحتمالات؛ فمصر تقف فوق برميل من البارود يوشك أن ينفجر في أي لحظة.
سيناريوهات محتملة
وطرحت الورقة سيناريوهان آخران والأول، هو إصرار النظام على تمرير مشروع التعديلات وبذلك يزيد من حجم خصومه ووزنهم النسبي؛ لأنه من الواضح أن هناك أجهزة داخل الدولة ترفض مشروع التعديلات، مضيفة أن السيسي يبيع أي شيء؛ مثل مياه النيل لإثيوبيا مقابل الاعتراف بشرعية انقلابه، وجزيرتي تيران وصنافير للسعودية مقابل حفنة مليارات من الدولارات وثروات مصر من الغاز في البحر المتوسط للصهاينة والقبارصة واليونانيين، وقاعدته لو ينفع أتباع لأتباع”.
وأشارت إلى أن السيناريو الثاني، “سحب مشروع التعديلات وهو أمر يتوقف على مدى الرفض الشعبي وقوته؛ على أن يكون سحب مشروع القانون تحت حملة دعاية بيضاء للسيسي بوصفه من رفض المشروع؛ في محاولة لترميم شيء من شعبيته المتآكلة، وهو احتمال قائم بشدة لكنه مرهون بمدى وقوة الرفض الشعبي للتعديلات”.
أبرز التحفظات
وعن الرفض الشعبي لمشروع التعديلات وأن الهدف “خصخصة ملكية القناة بإنشاء صندوق تابع لها، ومنحه سلطة تأسيس الشركات مع الغير، والاستثمار في الأوراق المالية، وشراء وبيع وتأجير واستئجار واستغلال أصولها الثابتة والمنقولة والانتفاع بها”، وكانت أبرز التحفظات:
أولا، الهدف المعلن من هذه التعديلات هو استثمار أصول الهيئة، وتنمية فوائضها المالية، ولفتت الورقة إلى العبارات المنمقة تخفي وراءها المآرب الحقيقية، حيث فتح باب للفساد، وزيادة معاناة الاقتصاد، وتعمق اختلالاته الهيكلية التي بدأت مع إنشاء الصناديق الخاصة المريرة، وأن الصندوق يمثل ثغرة خطيرة تؤدي لفقدان الدولة السيطرة على المرفق الأهم في البلاد، وهو قناة السويس.
وأضافت أن وصف الصندوق بالخاص وتحت الإشراف المباشر لرئيس الجمهورية، يخرجه وتصرفاته من ولاية السلطة القضائية باعتباره ليس قرارا إداريا قابلا للطعن أمام القضاء.
وأشارت إلى الغموض بعامل التوقيت حيث تتزامن هذه التعديلات مع المفاوضات الجارية مع صندوق النقد الدولي، وكونه وكيلا للدائنين الذين يريدون ضمانا لديونهم برهن الأصول المصرية.
ثانيا، يُنذر بتغييرات مخيفة تمس الأمن القومي المصري، لا سيما مع تفريط السلطة سابقا في جزيرتي تيران وصنافير للمملكة العربية السعودية، بكل ما تمثله من قيمة استراتيجية مهمة للأمن القومي، ومكانة مصر الجيوستراتيجية في الإقليم والعالم، ويناقض المشروع تماما ما نص عليه الدستور في المادة “43” بضرورة حماية القناة وتنميتها، والحفاظ عليها باعتبارها ممرا مائيا دوليا مملوكا لها، كما تلتزم بتنمية قطاع القناة، باعتبارها مركزا اقتصاديا متميزا.
ثالثا، مصدر القلق أيضا من هذه التعديلات يتمثل في المادة التي تقضي باستخدام أموال قناة السويس في مجابهة الأزمات والحالات الطارئة التي تحدث نتيجة أية ظروف استثنائية، أو قوة قاهرة، أو سوء في الأحوال الاقتصادية، لأن الإدارة غير الرشيدة للاقتصاد الوطني تمهد إلى أزمات اقتصادية أكثر عنفا في المستقبل القريب.
وأضافت أن التخوف أن يكون الغرض الحقيقي لهذه التعديلات هو استخدام الصندوق المزمع تأسيسه للاستدانة بضمان أصول الهيئة، ومن ثم اللجوء لتوريطها وطرحها في البورصات العالمية إن عجزت الدولة عن سداد ديونها في أي وقت، وهي مقامرة غير مقبولة بثروات الوطن، واستخفاف مرفوض بتاريخ المصريين وتضحياتهم العظيمة في سبيل أن تظل قناة السويس مصرية خالصة.
رابعا، إنشاء الصندوق يخل بوحدة الموازنة العامة، التي من المفترض أن تشمل جميع إيرادات الدولة، وتتصرف فيها على نحو كلي في تنظيم الإنفاق والاستهلاك والاستثمار كوحدة واحدة تحت سيادة الدولة، وسلطتها التشريعية، مع توافر العلنية التي تيح الرقابة الشعبية على هذه الممارسات، بخلاف ما يحدث مع أموال الصناديق الخاصة، وبالتالي يتعين على الحكومة سحب مشروع التعديلات فورا؛ فالقناة ليست ملكا للسلطة أو الحكومة ومالكها الحصري هو الشعب المصري.
خامسا، تستند المخاوف الشعبية أيضا إلى إفراط الحكومة بشدة في الاستدانة من الخارج، وتخصيص أموال الديون في تطوير المرافق والبنية التحتية التي لا تدر عائدا إنتاجيا، وبالتالي وضعت البلاد تحت خطر المضطر للخضوع لشروط الدائنين في خصخصة أصول الدولة، بحسب ما ورد في وثيقة ملكية الدولة، معتبرة أن تمرير تعديلات القانون بصورتها الحالية هو إفراغ للحوار الوطني من مضمونه الرئيسي، لأن قناة السويس هي الرمز التاريخي لاستقلال وسيادة مصر، ودفعت ثمنا غاليا في حفرها.
سادسا، ما يفعله السيسي هو عين ما فعله الخديوي إسماعيل حيث تم إهدار أموال الدولة بشدة على البذخ والترف والقصور الفخمة والتبذير على مشروعات لا تحظى بالأولوية؛ مما أدى في النهاية إلى سقوط مصر في العبودية المالية للدائنين والمرابين الأجانب ثم فقدان سيادة مصر السياسية بعد فقدان سيادتها الاقتصادية.
سابعا، الخطير في الأمر أن الصندوق تأسس بالفعل قبل سنتين بأوامر مباشرة من السيسي نفسه، وبالتالي فإن موافقة البرلمان على مشروع التعديلات ليس تأسيسا للصندوق بل هو قائم بالفعل بالمخالفة للقانون، وما يجري هو مجرد عملية تقنين لوضع شاذ ومخالف للدستور والقانون بما يضمن وضع صلاحيات جديد للصندوق تمثل ثغرة نحو خصخصة القناة ومرافقها وشركاتها.
وأوضحت أن السيسي اعترف بذلك ضمنا في تصريحات خلال المؤتمر الاقتصادي في 25 أكتوبر 2022 حين قال “هيئة قناة السويس اعتادت أن توجه دخلها إلى الموازنة العامة ووزارة المالية فقط، وعندما سألت رئيس الهيئة عما تملكه من أموال، ذكر لي لا توجد أموال؛ قلت له، كيف مؤسسة عملاقة مثل الهيئة لا يكون لها ملاءة مالية بقيمة 300 أو 400 مليار جنيه؟”.
الشعب لا يعلم
وقالت الورقة إن “مشروع التعديلات تحت رعاية السيسي نفسه وبتوجيه مباشر منه يمثل أول تدخل من جانب الجنرال منذ مشروع التفريعة أغسطس 2014 حتى أغسطس 2015، والتي ورطت هيئة القناة في قروض باهظة كانت في غنى عنها، ولم يعلم الشعب تفاصيلها إلا بعد سنوات. بلغت قروض الهيئة من البنوك 1.4 مليار دولار من 8 بنوك حكومية الأهلي – مصر – التجاري الدولي- العربي الأفريقي- القاهرة- الإمارات دبي الوطني – المشرق – العربي ، وقرض آخر بقيمة 400 مليون دولار، من تحالف لأربعة بنوك، لدفع مستحقات الشركات الأجنبية التي عملت في مشروع تفريعة القناة الجديدة، بطول 9.5 كيلومترات، تسدد القروض بواقع 300 مليون دولار كل سنة، يرى خبراء أنها تحقق فائدة متراكمة تصل إلى 50% من قيمة القرض، كل 5 سنوات.
السيسي ورط مصر
وأضافت أن دراسات مالية نشرت بصحف محلية، أشارت لتعثر الهيئة عن سداد 3 أقساط نصف سنوية من القرض عامي 2017 و2018، فلجأت الإدارة إلى ترحيل الدين للموازنة العامة، بما اضطر وزارة المالية إلى سداد 600 مليون دولار نيابة عن القناة، في أبريل/ نيسان 2021، اقترضت الهيئة 10 مليارات جنيه من 6 بنوك محلية بضمانات حكومية، بعد طلبها في نوفمبر 2020 تمويلا من بنكي “الأهلي ومصر” بـ10 مليارات جنيه بضمانة وزارة المالية.
وآخر ما طلبته هيئة القناة التي تتبع لها 8 شركات من قروض هو 20 مليار جنيه في 30 يوليو/تموز 2022 من البنوك المحلية مضاعفة قيمة قرض طلبته سابقا بتسهيل مدة 20 عاما، لتنفيذ مشروعات بمنطقتي “السخنة” و”شرق بورسعيد” الصناعيتين.
وقالت إن “السيسي لا يكتفي بما تسبب فيه من توريط لمصر وهيئة قناة السويس في التفريعة التي لم تسهم جديا في زيادة إيرادات القناة، ولا حتى في سقوط القناة تحت طائلة الديون، ويتجه نحو مشروع تفريعة جديدة تحت لافتة توسعة جديدة لمجرى القناة بتكلفة نحو 14 مليار دولار في وقت عصيب حيث تعاني مصر من شح السيولة الدولارية وتفاقم حجم الديون الخارجية لأكثر من 170 مليارا بنهاية سنة 2022م”.
وأشارت إلى أن الهدف الخفي للصندوق هو استقطاع الجزء الأكبر من موارد هيئة قناة السويس بعيدا عن الموازنة العامة للدولة، وتوجيهها مباشرة لما يعرف بـ”خطط التنمية الرئاسية” أي إنها ستكون تحت الإشراف المباشر لرئيس الجمهورية يتصرف بها كيفما يشاء، عوضاً عن توجيه هذه الأموال إلى وزارة المالية، وإدراجها بطبيعة الحال ضمن الإيرادات العامة للدولة.
تحيا مصر جديد
ولفتت إلى أن “الصندوق المرتقب لهيئة قناة السويس هو نسخة مشابهة لصندوق “تحيا مصر”، الخاضع مباشرة لإشراف السيسي بعيدا عن أي جهات رقابية، ونتيجة لتراجع إيرادات الدولة المحتمل بسبب احتجاز كثير من أرباح القناة؛ فسوف يتجه السيسي إلى تعويض ذلك بفرض المزيد من الرسوم والضرائب وتقليص فاتورة الدعم، فالصندوق يستهدف تحويل المال العام (ملك الشعب) إلى مال خاص (الخصخصة)، بما يسمح ببيع الهيئة أو بعض مرافقها وهيئاتها لاحقا”.
https://www.facebook.com/psar0/photos/a.1922834134604861/3300734100148184/