البيان الذي أصدرته شركة "آر إيه تي بي ديف كايرو للنقل"، المسؤولة عن إدارة وتشغيل مشروع القطار الكهربائي الخفيف (LRT) في مصر، يوم الأحد الموافق 11 من ديسمبر 2022 حول البدء في تشغيل ثلاث محطات جديدة، هي: الروبيكي، وحدائق العاصمة (الإدارية الجديدة)، ومطار العاصمة، وذلك تحت إشراف الهيئة القومية للأنفاق، التابعة لوزارة النقل بحكومة الانقلاب يثير كثيرا من التساؤلات ويجعل الحليم حيرانا؛ لماذا؟
لأن المشروع الذي تم افتتاحه في ذكرى الانقلاب التاسعة (03 يوليو 2022) وتكلف نحو (1.2 مليار دولار = نحو 30 مليار جنيه مصري بالسعر الرسمي للدولار 24.65) يواجه عزوفا جماهيريا عن استخدامه رغم تكلفة تشغيله؛ ومنذ افتتاحه قبل شهور وحكومة الانقلاب تتجنب نشر أي صور للقطار الكهربي أثناء تشغيله لضعف ارتياده من جانب الجماهير؛ الأمر الذي يفضح النظام ويكشف كم يهدر أموال الدولة على مشروعات عبثية بلا أي جدوى أو قيمة اقتصادية أو اجتماعية. رغم أن القطار الكهربي هو أحد أنواع النقل الصديقة للبيئة لأنه يستخدم وقودا نظيفا (الكهرباء)، لكن المشروع فقد قيمته لأنه وضع في الصحراء ولو كان في وسط القاهرة لكان ناجحا بلا شك بشرط خفيض سعر تذكرته والذي يعد أحد أهم أسباب عزوف الجماهير عن استخدامه؛ حيث تصل أسعار بطاقات ركوب القطار الخفيف إلى 35 جنيهاً (الدولار = 24.65 جنيهاً) حتى 9 محطات، بما يزيد على 3 أضعاف أسعار المواصلات العامة لنفس المسافات، ما تسبب في عزوف المواطنين عن ارتياده خلال الشهور الماضية.
وكانت الشركة قالت في بيانها إن "تشغيل المحطات الجديدة يستهدف تقديم تجربة تنقل سهلة للركاب باستخدام الطاقة النظيفة، وتشجيع الكثير من المواطنين على استخدام وسائل المواصلات، بوصف قطار العاصمة الإدارية الجديدة يمثل نقلة نوعية في قطاع المواصلات بمصر".
وكانت وزارة النقل بحكومة الانقلاب قد ناقشت أزمة عزوف الجماهير عن استخدام القطار الكهربي الخفيف ودرست مقترحا يقضي بوقف تشغيل القطار لفترة مؤقتة قد تمتد إلى ستة شهور بشكل مبدئي ؛بسبب عدم جدواه اقتصادياً في المرحلة الراهنة، على خلفية تراجع أعداد الركاب الذين يرتادون القطار، والذي بلغ ثلاثة ركاب فقط في إحدى رحلاته، على الرغم من التكلفة المرتفعة لتشغيل القطار. دراسة هذا المقترح تمت بناء على توجيهات من رئاسة الانقلاب بضرورة ترشيد استهلاك الكهرباء من أجل توفير الغاز الطبيعي المستخدم في تشغيل محطات الكهرباء، وتصديره إلى الخارج. وبالتالي فإن القطار الكهربي في ظل هذه المعطيات كان يمثل إهدار صارخا لموارد الدولة، لذلك بحث الحكومة طرح إرجاء التشغيل حتى بدء انتقال الموظفين الحكوميين إلى العاصمة الإدارية.
لكن تقديرات الموقف داخل الأجهزة الأمنية انتهت إلى ضرورة تشغل القطار الكهربي وعدم إيقافه حتى لا يتسبب ذلك في إحراج للنظام رغم أن تشغيله في ظل العزوف الجماهيري لا يغطي أي جزء من تكاليف التشغيل أو الصيانة بصورته الحالية، ناهيك عن التكلفة الضخمة لإنشاء المشروع نفسه. وآثرت الأجهزة الأمنية تقليل عدد الرحلات لحين استكمال إنشاءات المرحلة الأولى من العاصمة الجديدة، والانتهاء من أعمال الحي الحكومي فيها، ومن ثم زيادة أعداد الركاب الذين سيرتادون القطار من موظفي الدولة المقرر انتقالهم للعاصمة الإدارية. واضطرت وزارة النقل إلى فتح القطار مجاناً للراغبين لمدة أسبوعين، ثم تشغيله حتى الخامسة مساءً من خلال 4 رحلات بحد أقصى، وتقليصها إلى رحلتين فقط في اليوم.
وفي أعقاب التوجيهات الأمنية بضرورة استمرار تشغيل القطار الكهربي الخفيف؛ فإن حكومة الانقلاب تبذل قصاري جهودها من أجل إنجاح المشروع الذي جرى إنشاؤه بقرض صيني من بنك الاستيراد والتصدير الصيني (إكزيم) . وتحاول الحكومة بشتى الطرق اجتذاب الجماهير لارتياده واستخدامه؛ فتم تخفيض سعر تذكرته في شهر سبتمبر 2022 إلى 10 جنيهات) حتى 3 محطات بدلاً من 15 جنيهاً، و15 جنيهاً حتى 7 محطات بدلاً من 25 جنيهاً، و20 جنيهاً لأكثر من 7 محطات بدلاً من 35 جنيهاً. كما قرر جهاز النقل البري -التابع للوزارة- في 15 سبتمبر، توفير باصات مجانية لنقل الركاب من وإلى محطات القطار لمدة أسبوعين، ثم بقيمة 6 جنيهات للفرد. وبمعدل حافلة كل 20 دقيقة، بداية من السابعة والنصف صباحاً، وحتى الحادية عشرة والنصف مساءً.
ويربط القطار الخفيف، في مرحلته الأولى، ما بين مدينتي السلام والعاشر من رمضان، وصولاً إلى العاصمة الإدارية. ويمر بمدن العبور والمستقبل والشروق وهليوبوليس الجديدة وبدر، ثم يتفرع إلى مسارين الأول شمالاً في اتجاه مدينة العاشر من رمضان، والثاني جنوباً إلى العاصمة الجديدة. والشركة المسؤولة عن تشغيل القطار تتبع مجموعة "آر إيه تي بي ديف" الفرنسية، المتخصصة في تشغيل وصيانة أنظمة النقل في بعض دول العالم. وبدأت عملها في مصر عام 2020 إثر حصولها على عقد إدارة وتشغيل وصيانة الخط الثالث لمترو أنفاق القاهرة لمدة 15 عاماً، ثم حصولها على تعاقد إدارة وتشغيل القطار الخفيف بـ"الأمر المباشر" لمدة 20 عاماً. وقضت اتفاقية التمويل بسداد القرض على 15 عاماً، مع فترة سماح مدتها 5 سنوات، مقسمة بواقع 739 مليون دولار بمعدل فائدة 1.8%، و461 مليون دولار بمعدل فائدة 2%.
ويصنف مشروع القطار الخفيف ضمن قائمة طويلة من المشاريع الضخمة التي نفذتها مصر منذ عام 2014، وليس لها أي مردود أو نفع اقتصادي، باعتبارها نُفذت بـ"الأمر المباشر" من دون دراسات جدوى، ونتج عنها تحميل البلاد المزيد من أعباء الديون الخارجية، لا لشيء إلا بغرض نسبها إلى "الإنجازات المزعومة" للنظام الحالي.
وحسب الأرقام الرسمية، ارتفع الدين الخارجي لمصر إلى 157.8 مليار دولار في نهاية مارس 2022. ومع اغتصاب الجنرال عبدالفتاح السيسي للسلطة في 2014م توسعت حكومته في الاستدانة حتى وصلت الديون الخارجية في يونيه 2022 إلى أكثر من 175 مليار دولار. ولأول مرة في تاريخ مصر يزيد بند خدمة الدين في الموازنة العامة للدولة (1.655 تريليون جنيه) عن الإيرادات العامة المتوقعة والتي تصل إلى (1.550 تريليون جنيه). وهو ما يكشف حجم الأزمة التي تمر بها مصر حاليا في ظل غلاء فاحش وشح الدولار والعجز المزمن في الموازنة والميزان التجاري.