قراءة في بيان “تكنوقراط مصر”.. هل يمكن التعويل على الجيش في الإطاحة بالسيسي؟

- ‎فيتقارير

مطلب مجموعة «تكنوقراط مصر» المعارضة في الخارج  من الجيش أن يرفع الغطاء على رئيس الانقلاب عبدالفتاح السيسي بسبب فشله في إدارة البلاد ومخالفته للدستور، جدير بالمناقشة ودراسة جدوى هذا الطرح؛ فهل يمكن أن يستجيب الجيش فعلا لهذا المطلب  في ظل تدهور الأوضاع على نحو مخيف ودخول البلاد في دوامة الديون والقروض؟

وكان مجموعة «تكنوقراط مصر» قد أصدرت السبت 10 ديسمبر 2022 بيانا اشتمل على المضامين الآتية:

أولا، ولاأولالقوات المسلحة المصرية، لا سيما القيادات، مطالبة "باتخاذ كل الطرق اللازمة للحفاظ على مقدرات وممتلكات وسيادة مصر وفقا لنصوص الدستور المصري"، داعية القيادات إلى إثبات أن ولاءها "هو لمصر وللشعب وليس لفرد أو نظام، مع الاعتراف بأن السلطة للشعب وهو من يحكم نفسه". واستند البيان في مطلبه على أن الجيش عليه واجب دستوري طبقا لنص المادة 200 من الدستور، التي تنص على أن القوات المسلحة ملك للشعب، مهمتها حماية البلاد والحفاظ على أمنها وسلامة أراضيها وصون الدستور والديمقراطية، والحفاظ على المقومات الأساسية للدولة ومدنيتها، ومكتسبات الشعب وحقوق وحريات الأفراد".

ثانيا، حسب البيان فإن الجيش مطالب برفع مظلة حمايته عن السيسي؛ لأن الجنرال خالف الدستور المصري، وفرط في جزيرتي تيران وصنافير، والحدود البحرية الاقتصادية، ووقع على اتفاق فرط فيه بمياه النيل، وفشل في جميع الأمور، ما قاد إلى انهيار اقتصادي للبلاد يعاني منه الجميع.

ثالثا، البيان يؤكد أن السيسي هو اختيار جنرالات الجيش وأنه أوصل البلاد إلى مرحلة الإفلاس؛ يقول البيان: «"لقد أوصل من اخترتموه، مصر إلى حالة إفلاس وجوع بسبب السياسات الاقتصادية المغلوطة التي يتبعها بالمخالفة للدستور والأسس العلمية الحديثة، وأدى هذا إلى بيع أصول الدولة ودرر الإنتاج وأراضيها ومياهها وغازها وذهبها، وسلم مقدرات البلد للفسدة والمنافقين وأعداء الوطن». وأن الخطوات التي اتبعها النظام وضعت مصر "تحت الوصايا الإقليمية والدولية اقتصاديا، بالاتفاق الأخير مع صندوق النقد الدولي".

رابعا، ينتهي البيان إلى أن السيسي أصبح يمثل خطرا على الأمن القومي المصري، وعلى الجيش، ولم يعد في مقدوره تلبية احتياجات المواطنين بسبب سياساته التي أوصلت مصر إلى الإفلاس. ويحذر البيان من أن البديل (إذا لم يتم الإطاحة بالسيسي) هو "فوضى لن تحمد عواقبها، يكون الجيش فيها في مواجهة الشعب الذي أوشك على الانفجار". ويحرض البيان الجيش على السيسي والإطاحة به «هذا ليس وقت السكوت، وإلا ستعتبرون مشاركين معه وستحاسبون عن أفعاله و قراراته الخاطئة؛ جراء صمتكم». وناشدت المجموعة القوات المسلحة لاتخاذ الإجراءات اللازمة لإقالة السيسي، أو استقالته طوعا، دون انقلاب عسكري، وتولي نخبة من أبناء الشعب المصري إدارة البلاد بشكل علمي.

ومجموعة تكنوقراط مصر هي حركة معارضة مصرية تقيم بالخارج ومن أبرز عناصرها الأكاديمي المصري المقيم في الخارج محمود وهبة، والخبير الهندسي الاستشاري ممدوح حمزة.

 

قراءة حول مضامين البيان

أولا، بناء على ما آلت إليه أوضاع البلاد من تدهور حاد في كافة قطاعات الدولة؛ بات هناك شبه اتفاق بين المصريين على ضرورة التغيير؛ فلا أحد في مصر يريد بقاء نظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي، حتى المقربون من النظام ومن ضمنهم ما تسمى بأجهزة النظام السيادية (الجيش ـ المخابرات ـ الأمن الوطني) والذين ظلوا لسنوات يدافعون عنه باتوا على يقين كامل أن بقاءه واستمراره هو استنزاف وتدمير لمصر وشعبها وحضارتها، تدمير للحاضر والمستقبل على السواء؛ وإذا جاز لنا أن نستثني أحدا من هذا الإجماع فإنهم قلة لا تزيد باي حال عن (1%) واحد في المائة فقط من الناس؛ لكن هذا الـ(1%) هم الذين يمسكون مفاصل السلطة من الألف إلى الياء؛ وهؤلاء هم الذين ينتفعون من بقاء النظام باستغلال مناصبهم الحساسة في تكوين ثروات طائلة من الصفقات الحرام ونهب أموال الأمة؛ يزدادون ثراء بينما تزداد بهم مصر فقرا وجهلا وقبحا وتخلفا.

ثانيا، البيان يتبنى  فكرة الانقلاب العسكري وتدخل المؤسسة العسكرية للإطاحة بالسيسي؛ حتى وإن ذكر البيان أنهم يفضلون الإطاحة بالسيسي عبر الإقالة (الانقلاب)، أو الاستقالة الطوعية  دون انقلاب عسكري؛ لكن كيف يمكن أن يحدث ذلك دون ضغوط من المؤسسة العسكرية؟ ففي كلتا الحالتين (الإقالة أو الاستقالة الطوعية) فلن تتم إلا بتدخل وضغوط من الجيش. وهي عين الانقلاب. ومعلوم ان الثورات تصنعها الشعوب والانقلاب تدبرها الجيوش.

ثالثا، التحولات الاستبدادية التي جرت بعد انقلاب 3 يوليو 2013م وانعدام الأمل في التداول السلمي للسلطة، أوجد تيارا  مصريا  يتبنى الحل من داخل منظومة الحكم ذاتها، بمعنى أن تجربة سنوات ما بعد الانقلاب أوصلت أنصار هذا الفريق إلى مرحلة اليقين بانعدام التغيير بالطرق والآليات السلمية؛ فمن اغتصب السلطة بانقلاب دموي يستحيل أن يتركها بالصندوق؛ فتلك أوهام لا وجود لها في واقع الناس. والقائلون بجدوى التغيير عبر الصناديق هم في نظر أنصار هذا الفريق واهمون غير واقعيين بالمرة، كذلك فإن القائلين بجدوى التغيير عبر الثورة واستنساخ ما جرى في يناير 2011 هو من قبيل الخفة والسطحية، لأن أنصار هذا الفريق يرون أن المؤسسة العسكرية هي المؤسسة الوحيدة القادرة على تغيير الأوضاع؛ فهي الوحيدة التي تملك القوة والسلاح، وأن السيسي في ظل انعدام فرص التداول السلمي للسلطة، ومنع الناس من التظاهر والاحتجاج  عبر اعتقال عشرات الآلاف من أبناء ثورة يناير، فإنه لم يدع طريقا للخلاص منه إلا بذات الطريقة التي اغتصب بها السلطة (انقلاب عسكري). ويرى هؤلاء أن المؤسسة العسكرية يمكن أن تطيح بالسيسي  إذا أدركت أن مصالحها في خطر وأن بقاء السيسي يهدد مشروعاتها وإمبراطوريتها الاقتصادية.

رابعا، أنصار هذا الرأي (الانقلاب العسكري) يعتقدون أن الخروج من حالة الجمود في المشهد المصري لن تحدث إلا بتدخل المؤسسة العسكرية؛ وهو سيناريو (الانقلاب على الانقلاب)، يقول الخبير الأمريكي المتخصص في شؤون مصر والشرق الأوسط، روبرت سبرنجبورج، في يونيو 2022 إن «هناك بلا ريب أناس داخل النظام نفسه يعتقدون أن هذا الرجل (السيسي) غير قادر على إخراج مصر من الوحل الذي توجد فيه حاليا، ولذا إذا ازدادت الأمور سوءا يصبح السؤال كالتالي: ماذا عساها تكون ردود أولئك الذين يملكون خلعه من الداخل؟ (..) ولا بد أن هذا الأمر يقلق السيسي، وسوف يحتاج لأن يقضي وقتا أطول يتحسب من الانقلاب وفي التأكد من أن أجهزة مخابراته يقومون بما يلزم من أجل حمايته وهذا سيزيد من صعوبة الأمر عليه».

 

امتداد لجمهورية الضباط

وحتى السفيرة الأمريكية بالقاهرة خلال فترة الانقلاب آن باترسون، لم تستبعد في تصريحات لها خلال حديثها في ندوة خاصة نظمها مركز أبحاث أمريكي  في فبراير 2019م بشأن رد الفعل الأمريكي على أحداث الربيع العربي، أن يطيح الجيش بالسيسي قائلة: «إن الجيش المصري أطاح بالرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك، والسابق محمد مرسي، وقالت إذا كانت هناك جهة ستتخلص من السيسي فستكون الجيش المصري، مضيفة: "الأمر لم يكن عملية ديمقراطية».

ويبقى التساؤل الأهم هل يمكن التعويل على تحرك الجيش ضد السيسي والجيش هو من أتى به ويدعمه؟ ألا يعلم الجميع أن السيسي هو امتداد لجمهورية الضباط التي تأسست بعد انقلاب 23 يوليو 1952م؟ وهل يمكن توقع انقلاب الجيش على نظام الجيش نفسه؟ وما الذي يدفع المؤسسة العسكرية إلى الإطاحة بالسيسي وتهديد بيزنس الجيش وإمبراطوريته الاقتصادية الضخمة؟! وما البديل في هذه الحالة؟ وكيف يمكن الاتفاق عليه  وفق الآليات الديمقراطية؟ وألا نخشى من عملية إعادة تدوير المنظومة من جديد كما جرى بعد مبارك؟ وهل يمكن أن يفكر الجيش في الانقلاب على السيسي من أجل الحفاظ على مصالحه التي باتت مهددة بالفعل؟ وهل يمكن أن يحدث ذلك وقد تمكن السيسي خلال السنوات الماضية من تفريغ المؤسسة العسكرية من كل القيادات القادرة على تحديه أو منافسته، واستبعد كل قيادة يمكن أن تمثل له تهديدا، وما ارتقى إلى سلم المناصب العليا في المؤسسة العسكرية إلا كل من يضمن السيسي ولاءه المطلق لشخصه قبل أي شيء؟. ولا ننسى أن على رأس المؤسسة  اللواء محمد زكي الذي كان قائدا للحرس الجمهوري أثناء فترة الانقلاب؛ وهو من اختطف الرئيس المنتخب وشارك في جريمة الانقلاب على النحو الذي جرى؛ هل مثل هذا يمكن أن يقود انقلابا على السيسي؟! كذلك فقد عزز السيسي ترسانة الحرس الجمهوري من السلاح على نحو كبير حتى يضمن حمايته من غدر الرفاق.

على كل حال فإن جميع الاحتمالات قائمة، والجيش  المصري مؤسسة انقلابية بالأساس، ويكفي للبرهنة على ذلك أنه يحكم مصر منذ  سبعة عقود بانقلاب عسكري في يوليو 1952م، وعندما  ثار الشعب في يناير 2011، واسترد سيادته  على بلاده؛ وأقام نظاما ديمقراطيا؛ تمرد الجيش وقاد انقلابا جديدا أكثر عنفا ودموية في يوليو 2013م ليعيد وصايته على الدولة والشعب ويحكم البلاد بالحديد والنار؛ فهل تدفعه المشكلة الاقتصادية وانهيار الأوضاع نحو التخلي عن حكم البلاد؟!