البيان الذي أصدرته وزارة الداخلية بحكومة الانقلاب السبت 05 نوفمبر (2022)، حول مقتل أحد الأشخاص أمام قسم شرطة المنيرة الغربية في محافظة الجيزة على يد أحد أفرادح القسم بدعوى أن المواطن كان يهاجم سيارة شرطة أمام القسم مساء الجمعة الماضي بزجاجات مولوتوف يثير كثيرا من الأسئلة التي تنسف الإجابة عليها رواية الشرطة ويؤكد أن المواطن قد قتل ظلما من أجل إرهاب المصريين ومنعهم من التظاهر يوم الجمعة المقبل 11 نوفمبر 2022م.
وحسب رواية الداخلية فإن المواطن أحمد محمد محيي إبراهيم السيد وهو من مواليد 16 فبراير/ شباط 1985، وحاصل على بكالوريوس إدارة صناعية، ومقيم في 12 شارع عباس طه الكيلاني بمنطقة أرض المطار في حي إمبابة الشعبي، هاجم مساء الجمعة سيارة شرطة أمام قسم المنيرة الغربية بالجيزة، بزجاجات مولوتوف، وردت قوات الأمن بإطلاق الأعيرة النارية التحذيرية، إلا أن الشخص الذي هاجم القسم لم يمتثل، ما دفعها إلى إطلاق النيران عليه دفاعاً عن النفس والمنشأة، وإصابته في الفخذ الأيمن والجانب الأيمن في البطن ومنتصف الرأس، ما أدى إلى وفاته.
البعض يحاولون تفسير الحادث وربطه بالفقر والجوع المنتشر بين الناس؛ ويستدلون على ذلك بأن بيان الوزارة قال إن المواطن كان يحمل بطاقة دعم مواد غذائية؛ ما اعتبره مراقبون دليلا على أن تدهور الموضع المالي والاقتصادي بات له تأثير عنيف على مستويات المعيشة حتى بات ملايين المصريين غير قادرين على تدبير تكاليف الأساسيات من طعام وشراب ملبس ومسكن. والسيسي نفسه اعترف بأن الحد الأدنى للأجور يجب ألا يقل عن عشرة آلاف جنيه في الوقت الذي لا يتجاوز متوسط دخل ثلثي المواطنين عن 5 آلاف جنيه!
وهناك من يربطون بين الحادث وحملة الاعتقالات التي طالت المئات من المواطنين في مناطق شعبية، منها عين شمس والمطرية والوايلي والزاوية الحمراء في العاصمة القاهرة، وإمبابة وبولاق الدكرور وفيصل في محافظة الجيزة. وكانت منظمات حقوقية مصرية قد كشفت أن نيابة أمن الدولة العليا الكائنة في ضاحية التجمع الخامس بالقاهرة، تحقق بشكل يومي مع عشرات من المقبوض عليهم بسبب دعوات التظاهر المعروفة بـ”11/11″، وتصدر قرارات بحبسهم احتياطياً لمدة 15 يوماً بعد إدراج أسمائهم في قضيتين بنفس الاتهامات، وهي: “نشر وبث وإذاعة أخبار وبيانات كاذبة، وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي”، الأولى تحمل رقم 1691 لسنة 2022، والثانية رقم 1893 لسنة 2022.
تناقضات رواية الداخلية
وفي هذه السطور نحاول تحليل مضامين بيان الوزارة وكشف ما به من تناقضات تنسف رواية الداخلية وتؤكد أن الحادث كله مفتعل بمعنى أن الوزارة ضحت بأحد المواطنين من أجل افتعال مشهد قتل لإرهاب الموطنين قبل مظاهرات 11 نوفمبر التي لا يعرف على وجه الدقة الجهات الداعية إليها، في ظل توقعات ترجح عدم استجابة المواطنين لدعوات التظاهر الغامضة الأمر الذي سوف يستغله النظام للزعم بأن هذا دليل على رضا المواطنين عن الأوضاع المتدهورة للغاية. متجاهلين أن امتناع المواطنين عن التظاهر ليس عن قناعة بجدارة نظام الحكم بل خوفا من البطش الرهيب والقمع الأمني غير المسبوق في ظل عصابة تحكم البلاد بالحديد والنار ولا تكترث لقتل الآلاف نشر الظلم والفساد في الأرض.
الدليل الأول على فبركة الرواية أن المواطن هاجم سيارة الشرطة الواقفة أمام القسم بمفرده بحسب بيان الوزارة؛ فالبيان يزعم أن «شخصاً ألقى زجاجة مولوتوف على سيارة شرطة أمام القسم. ولدى خروج الضباط لإخماد الحريق واجههم بسلاح أبيض، وحاول الاعتداء عليهم». وحسب البيان فقد عثر بحوزة المواطن على صندوق به خمس زجاجات مولوتوف ،وحقيبة فيها 4 زجاجات أخرى؛ فكيف لمواطن أن يهاجم بمفرده قسم الشرطة؟!
الدليل الثاني أن الشرطة خالفت القانون بقتل المواطن بدعوى أنه كان يحمل سلاحا أبيض هاجم به ضباط وعناصر القسم، والفيديو الذي صور الواقعة لم يظهر فيه أن المواطن كان يحمل سلاحا من أي نوع، بل إلقاءه بعض زجاجات المولوتوف والطوب نحو الضباط حين هاجموه. فلماذا قتلوه ولم يصيبوه في الأرجل وفقا للقانون لشل حركته ثم القبض عليه والتحقيق معه لكشف ملابسات هجومه وأسبابه، ومعرفة ما إذا كان بمفرده أن ينتمي إلى تنظيم معين؟ لماذا قرروا قتله وغلق الملف نهائيا بدلا من إصابته والتحقيق معه وكشف ملابسات الحادث؟!
الدليل الثالث الذي يؤكد أن الرواية مفبركة أو بمعنى أدق أن الحادث مفتعل وجرى بالكامل على عين الوزارة التي أرادت افتعال شيء ليكون كارت إرهاب للمواطنين قبل الجمعة 11 نوفمبر، أن الحادث جرى تصويره بالكامل حتى قبل خروج الضابط من القسم وقبل حدوث أي شيء؛ الأمر الذي يمكن تفسيره بأن الوزارة رتبت الهجوم في سيناريو مسبق يكون المواطن فيه هو الضحية ويكون في ذات الوقت كارت إرهاب للناس. فقد صور أحد الأفراد الواقعة بالكامل وقبل حتى خروج الضباط وأفراد الأمن من القسم في مواجهة المواطن الذي تم التضحية به، فضلاً عن نشر ضابط شرطة يدعى محمد سليمان الفيديو كاملاً على صفحته على موقع فيسبوك، وتفاعله مع المتابعين في التعليقات عليه.
الدليل الرابع، هو تجربتنا مع بيانات الداخلية؛ فقد دأبت على الكذب دون شعور بالذنب أو خشية من حساب في الدنيا أو الآخرة؛ بل إن وزارة الداخلية قد افتعلت حوادث أكثر دموية من حادث مواطن قسم المنيرة الغربية؛ والبرهان على ذلك حادث تفجير مديرية أمن الدقهلية في أكتوبر 2013م، في أعقاب الانقلاب العسكري بشهور والذي أسفر عن مقتل نحو 14 من عناصر الشرطة وإصابة 130 آخرين بسيارة مفخخة، اتضح لاحقا أن الذي نفذ الحادث مرشد يتعاون مع الأمن الوطني كان مندسا بين المعتقلين السياسيين، وجرى إخراجه بمعرفة الجهاز، حسبما نقلت “المصري اليوم” عن مصادر أمنية سيادية، في تقرير لها نشر السبت 20 ديسمبر 2014م. اتضح لاحقا أن هذه المصادر هي رئيس جهاز المخابرات اللواء محمد فريد التهامي الذي تمت إقالته وإحالته إلى التقاعد وتعيين اللواء خالد فوزي بديلا له في ديسمبر 2014م. وهو الحادث الذي استغلته حكومة حازم الببلاوي العلمانية بإصدار قرار في أكتوبر 2013م باعتبار جماعة الإخوان المسلمين تنظيما إرهابيا، وقبل حتى أي تحقيق في الحادث الذي دبره الأمن الوطني.