بعد اتفاقه مع صندوق النقد الدولي الخميس 27 أكتوبر 2022م، والذي يتضمن حزمة قروض لمدة أربع سنوات، قيمتها 9 مليارات دولار منها ثلاثة مليارات من الصندوق والستة الأخرى من جهات تمويل دولية أخرى قريبة من الصندوق، نجح نظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي في الحصول على قرض جديد بقيمة مليار دولار حتى عام 2030 من الصندوق الدولي للتنمية الزراعية التابع للأمم المتحدة والمنظمات الشريكة، حسبما أفادت "بلومبيرج". وهو القرض الذي يتزامن مع تجميد روسيا السبت الماضي 29 أكتوبر 2022م اتفاق الغذاء الذي رعته الأمم المتحدة وتركيا قبل شهور؛ وهو ما يفاقم مشكلة واردات الحبوب خلال الفترة المقبلة وقد يؤدي إلى ارتفاع أسعارها.
معنى هذا أن السيسي الذي ظل طوال السنوات الماضية منذ انقلاب 3 يوليو 2013م يستدين من أجل دعم الجنيه وسداد الديون المصرية، فإنه بات حاليا يستدين لبند ثالث أشد خطورة وهو ضمان واردات الغذاء في ظل استيراد القاهرة أكثر من 65% من غذائها من الخارج. فمصر حاليا تحت حكم السيسي تقترض من أجل توفير الطعام وليس حتى من أجل إقامة مشروعات إنتاجية تسهم في زيادة الدخل وتوفير فرص العمل لملايين العاطلين.
في تقريرها المنشور الإثنين 30 أكتوبر 2022م، تقول "بلومبيرج": إنه سيتم توجيه الأموال إلى الحكومة المصرية "من أجل تعزيز الأمن الغذائي في البلاد"، لافتة إلى أن التمويل جزء من برنامج NWFE (محور الترابط بين المياه والغذاء والطاقة)، والذي جرى تصميمه لتسريع تحقيق أهداف المناخ في مصر، ومن المنتظر الإعلان عنه في مؤتمر المناخ الدولي COP27، المقرر عقده الشهر المقبل في شرم الشيخ. وحسب الشبكة الأمريكية المتخصصة في شئون الاقتصاد، فإن القرض مخصص لدعم صغار المزارعين في الريف المصري، وسيقود الصندوق الدولي للتنمية الزراعية، تنسيق الجزء الخاص بالغذاء من البرنامج، بينما سيرأس البنك الأوروبي للإنشاء والتعمير الجزء المتعلق بالطاقة، فيما سيشرف بنك التنمية الأفريقي على استثمارات المياه. ونقلت الوكالة عن رئيس الصندوق ألفاريو لاريو، قوله في مقابلة، الأسبوع الماضي، أن الأموال التي ستُقدم لمصر ستكون مخصصة لـ"إنتاج المواد الغذائية وتخزينها ونقلها، بالإضافة إلى ربط الأسواق بصغار المزارعين". ووفقاً للصندوق الدولي للتنمية الزراعية، فإن صغار المزارعين يتلقون 1.7% من تمويل المناخ العالمي، وذلك على الرغم من أنهم ينتجون ثلث الغذاء في العالم، ويوفرون سبل العيش لأكثر من 3 مليارات شخص. ويؤدي تغير المناخ إلى خفض غلة المحاصيل، مما يؤدي إلى الحاجة إلى توفر بذور مقاومة للجفاف، وأنظمة ري أفضل، وأنظمة حديثة للتنبؤ بالطقس، لمساعدة المزارعين على التخطيط للمستقبل.
مخاوف وزير التموين
وصرَّح وزير التموين بحكومة الانقلاب على المصيلحي الثلاثاء غرة نوفمبر 2022، أنّ الأحداث العالمية قد تؤثر على إمدادات القمح في البلاد، مدعيا أن مصر قادرة على التكيف معها، وذلك رداً على سؤال عما إذا كان قرار روسيا تجميد مشاركتها في صفقة لتصدير الحبوب توسطت فيها الأمم المتحدة وتركيا سيؤثر على إمدادات مصر. وأضاف المصيلحي لوكالة "رويترز" أن الإمدادات العالمية من القمح المتوفرة تكفي لتلبية الطلب على مستوى العالم. ولم تطرح مصر، وهي واحدة من كبرى الدول المستوردة للقمح، ممارسات دولية لشراء القمح منذ منتصف يوليو وآثرت الشراء مباشرة من مؤسسات تجارية.
وأكد المصيلحي، في تصريحات إعلامية، أول من أمس الأحد، أنّ الاحتياطي الاستراتيجي من القمح بالبلاد يغطي 5.1 أشهر من الاستهلاك، مضيفاً أن الاحتياطي الاستراتيجي من الزيوت النباتية كاف لفترة 5.3 أشهر. من جانبه كشف رئيس جهاز التجارة الداخلية إبراهيم عشماوي، الثلاثاء، أنَّ مصر تستهدف استيراد مليون طن من القمح حتى بداية موسم التوريد المحلي، العام المقبل.
تجميد اتفاق الغذاء مع روسيا
وارتفعت أسعار عقود القمح الآجلة في أسواق الحبوب العالمية، الاثنين 31 أكتوبر 2022، بعد انسحاب روسيا من اتفاق صادرات الحبوب من أوكرانيا عبر البحر الأسود، وهو الاتفاق الذي توسطت في توقيعه تركيا وبإشراف الأمم المتحدة في يوليو 2022 لفك الحصار الروسي عن الموانئ الأوكرانية، والسماح بخروج شاحنات القمح الأوكراني لدول العالم، وتم بموجبه فك الحصار عن الموانئ الأوكرانية على البحر الأسود الذي استمر لمدة 5 شهور. وكانت صفقة الاتفاق مهمة لتخفيف أزمة الإمدادات العالمية من الحبوب والسيطرة على تكاليف الغذاء العالمية التي تهدد العديد من الأنظمة الحاكمة باضطرابات سياسية. وعلّقت روسيا الصفقة، يوم السبت، بحجة أن أسطولها البحري تعرّض لضربات بطائرة مسيّرة بدون طيار. وتزعم روسيا أن إحدى الطائرات بدون طيار ربما جاءت من إحدى سفن الحبوب التي تشكل جزءاً من مبادرة البحر الأسود، ولكنها لم تقدم دليلاً على ذلك.
وقال كبير خبراء الاقتصاد في برنامج الأمم المتحدة للغذاء، عارف حسين، إن "عشرات الدول وكبار المستوردين للحبوب والمنتجات الغذائية في العالم سيتأثرون بتعليق الاتفاق". ووصف القرار الروسي بأنه أمر سيئ في مثل هذه الظروف التي يمر بها العالم. وقال: "يجب حل هذه المشكلة بأسرع وقت حتى لا تتفاقم تداعياتها". من جانبه، قال الخبير في منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة "فاو"، ماكسيمو توريرو، في تعليقات لقناة سي أن بي سي، إن الخطوة الروسية سترفع من أسعار القمح في العالم. ومن المتوقع أن يكون لخطوة تعليق الاتفاق إن لم يُحلّ تأثير مباشر على المزارعين في أوكرانيا، إذ إنّهم باتوا لا يعلمون ما إذا كان إنتاجهم سيجد طريقه للأسواق في المستقبل، وذلك وفقاً لتعليق من مصرفي أوروبي.
وحسب بيانات "فايننشال تايمز"، قفزت أسعار العقود الآجلة للقمح والذرة الشامية المتداولة في بورصة شيكاغو، الاثنين، بعد انسحاب روسيا من الاتفاق الذي سمح حتى الآن بمرور مليون طن من الحبوب عبر البحر الأسود. وتشير بيانات "فايننشال تايمز" إلى أن العقود الآجلة للقمح في بورصة شيكاغو للسلع الأولية ارتفعت بنسبة 7.7% إلى 8.93 دولارات للبوشل، صباح الاثنين، قبل أن تتراجع طفيفاً ويتم تداولها لاحقًا على ارتفاع بنسبة 5.7% عند 8.29 دولارات للبوشل. كما ارتفعت أسعار الذرة الشامية بنسبة 3% تقريباً، لتصل إلى 7 دولارات للبوشل، وزيت فول الصويا بنسبة 3%.
وعلى الرغم من الخطوة الروسية، قال أوليكسندر كوبراكوف، وزير البنية التحتية الأوكراني، إن 12 سفينة تحركت من موانئ أوكرانية، الاثنين، بموجب مبادرة الحبوب من البحر الأسود، بعدما قال متحدث من الأمم المتحدة باسم المبادرة، لـ"رويترز"، إنّ فرقاً من تركيا والأمم المتحدة استأنفت تفتيش السفن بموجب الاتفاق.
وقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الاثنين، إن تركيا ستواصل بذل جهودها من أجل اتفاق تصدير الحبوب عبر البحر الأسود، على الرغم من التردد الروسي. وأضاف: "حتى لو تصرفت روسيا بتردد لأنها لم تحصل على نفس الفوائد، فإننا سنواصل بشكل حاسم جهودنا لخدمة الإنسانية".
ويرى محللون وخبراء أن تجار الحبوب العالمية يراقبون بحذر مسار الوساطات الجارية لإعادة تفعيل الاتفاق بعد تعليقه قبل تنفيذ صفقات كبرى، لكن هناك مخاوف من احتمال استغلال صناديق الاستثمار العالمية خطوة تعليق الاتفاق وزيادة مشترياتها من صفقات الحبوب الآجلة، وبالتالي رفع الأسعار بمعدلات كبرى.