كما وصل الوضع في مصر في عهد الخديوي إسماعيل، حينما فرضت بريطانيا وفرنسا الوصاية على مصر بعد إقراض الخديوي إسماعيل أموالا من أجل احتفالات افتتاح قناة السويس ودار الأوبرا، يفعل السيسي، ومع تعثر مصر جرى التدخل الأجنبي واحتلت مصر عسكريا، تحت ذريعة ضمان حقوق المقرضين، وهو الأمر الذي يتكرر اليوم مع الخديوي السيسي، الذي يبتلع الأموال في مشاريع العاصمة الإدارية والمدينة الترفيهية والحديقة العالمية والنهر الأخضر والأبراج الأيقونية وناطحات السحاب في العلمين الجديدة.
وبعد عناء وافق صندوق النقد الدولي على إقراض مصر 3 مليارات دولار، ستقر في اجتماع ديسمبر المقبل، وسيتم منحه على 6 دفعات نصف سنوية، وتبدأ في يونيو المقبل.
رضوخ كامل
وجاء الاتفاق بعد رضوخ كامل من مصر لإملاءات الصندوق سواء بالتعويم المرن، أو بالموافقة على شرط الصندوق أن تخضع مصر لإشراف إقليمي ودولي من الدول الداعمة ماليا للسيسي من أجل تطبيق سياسات الإصلاح الاقتصادي، وذلك بعد أن تعهدت الدول الأعضاء بالصندوق بتوفير دعم مالي كقروض بأسعار فائدة عالية من قبل الممولين، من دول الخليج وإسرائيل وأمريكا، وهو ما يمثل تقزيما لدور مصر أمام العالم، حيث باتت دول أخرى ضامنة للسيسي ونظامه أمام المنظمات العالمية، بعد حجم الفشل الكبير للسيسي.
والغريب أن ذلك الشرط رفضه الرئيس المخلوع حسني مبارك، جينما اشترط الصندوق فرض رقابة اقتصادية من دول إقليمية على الإنفاق الحكومي المصري من أموال الصندوق.
وهو ما يذكره الخبير الاقتصادي محمود وهبة على حسابه على التواصل الاجتماعي ، بأنه احتلال اقتصادي لمصر، رفضه مبارك وقبل به السيسي القزم.
وتسعى حكومة السيسي لسد الفجوة التمويلية التي تقدر بنحو 28 مليار دولار حتى يونيو المقبل، كما تأمل الحكومة أن يمنح القرض الاقتصاد المصري الثقة الغائبة، لهدف رئيسي، وهو الحصول على قروض أخرى من دول وبنوك ومؤسسات إقليمية ودولية، يقول وزير المالية إنها "ستكون 5 مليارات دولار من الشركاء الدوليين، ومليار من صندوق المرونة والاستدامة".
لإتمام هذا الاتفاق، كان لزاما على نظام الانقلاب اتخاذ العديد من الإجراءات الصادمة، وبشكل سريع ومتتال، بعد أن طالت المفاوضات مع صندوق النقد الذي تمسّك بشروطه حتى النهاية.
وفي صباح يوم 27 أكتوبر استيقظ المصريون على الصدمة المنتظرة بإعلان البنك المركزي تحرير سعر صرف الجنيه أمام العملات الأجنبية، وأصدر قرارات أخرى تضمنت رفع سعر الفائدة 2% على الإيداع والإقراض، بهدف مواجهة الارتفاع الجنوني للتضخم الذي سيحدث بعد انخفاض قيمة العملة.
هذه الإجراءات كانت متوقعة من قبل الحكومة قبل إتمام الاتفاق، وخاصة التحرير الكامل لسعر العملة، وتركه لآلية العرض والطلب، وخلال الفترة المقبلة من المتوقع اتخاذ قرارات أكثر إيلاما للمواطنين من قبيل زيادة أسعار البنزين والكهرباء والخبز المدعم.
القرض بالنسبة للاقتصاد المصري الذي يعاني من تراجع الاحتياطيات الأجنبية، وفجوة تمويلية تتراوح ما بين 40 و45 مليار دولار للأشهر الـ12 المقبلة، مما جعل هناك صعوبة في تغطية فاتورة الواردات دفعها إلى إغلاق الاستيراد، والأهم من ذلك ارتفاع الدين الخارجي.
ولكن، في ظل هذه الأزمة الخانقة، هل يحمل قرض صندوق النقد الدولي الدواء؟
قرض 2016 نموذجا
في أواخر عام 2016 حصلت مصر على قرض بقيمة 12 مليار دولار من صندوق النقد الدولي، وبدأت حكومة الانقلاب تنفيذ برنامج الصندوق على 3 سنوات.
وبدأت مصر سريعا في تنفيذ العديد من الإجراءات الصادمة، ومنها خفض دعم الطاقة تحديد ضريبة القيمة المضافة، وتحرير سعر صرف الجنيه المصري وتركه للعرض والطلب، ورفع سعر الفائدة بنسبة 3%.
بالإضافة إلى حزمة أخرى من القرارات ذاق المصريون مرارتها، من تخفيض قيمة الدعم على المشتقات البترولية التي تشمل وقود السيارات والمنازل. وكذلك رفع سعر تذكرة مترو الأنفاق والمواصلات العامة، وتخفيض الدعم على الكهرباء سواء للأغراض المنزلية أو الصناعية.
وتمثلت صدامية هذه السياسات، في فقدان معظم المصريين قيمة مدخراتهم وانخفاض قيمة الدخل الأساسي إلى مستويات متدنية، ولا يمكن للأرقام والإحصاءات وحدها أن تصور كارثية تبني سياسات صندوق النقد الدولي على الأوضاع المعيشية للمصريين.
وأدى ما كان يدعى بالإصلاحات الاقتصادية إلى ارتفاع معدلات التضخم خلال الشهور التي تلت قرار تعويم حتى وصلت إلى نحو 35%. وبعد أن كان قيمة الدولار 8.86 جنيه قبل التعويم، وهوى بعدها بشكل متسارع إلى 18.89 جنيه.
وفي تقرير للبنك الدولي، أشار إلى أن الإصلاحات الاقتصادية التي انتهجتها الحكومة المصرية منذ 2016 أثرت سلبا على الطبقة المتوسطة، وأدت إلى ارتفاع نسبة الفقر إلى 32.5% بعد أن كانت 27.7%، وأن هناك تفاوتات جغرافية كبيرة في معدلات الفقر جعلتها تصل في بعض المحافظات إلى نسبة 60%.
وكان البنك الدولي قد أصدر بيانا في شهر مايو 2019، يتناول فيه برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي يتم بالتنسيق مع صندوق النقد الدولي منذ 2016، وقال إن "نحو 60% من سكان مصر إما فقراء أو عرضة للفقر".
تبدو هذه الأرقام أكثر صدمة، ولربما رعبا، عندما يضاف إليها توقع إذ خبراء الاقتصاد بأن يزيد هذا العدد بشكل أكبر بعد القرارات التي اتخذتها حكومة الانقلاب مؤخرا.
