الشيء الأكثر وضوحا في مصر منذ الانقلاب المشئوم أن سعر صرف الدولار ارتفع من 7 جنيهات في عهد الرئيس الشرعي المنتخب الشهيد الدكتور محمد مرسي ليصل حاليا إلى 22.75 قرشا بعد تسع سنوات تحت حكم الدكتاتور عبدالفتاح السيسي؛ وأن الحد الأدنى للأجور تراجع من 172 دولار قبل تنصيب الدكتاتور عبدالفتاح السيسي في انتخابات صورية في يونيو 2014م، إلى 132 دولارا حاليا في شهر أكتوبر 2022م. بمعنى أن دخل الفقير تراجع بنحو 40 دولار كل شهر وذلك حتى بعد الزيادة الأخيرة التي أعلنها رئيس حكومة الانقلاب الأربعاء 26 اكتوبر 2022 برفع الحد الأدنى من 2700 ج إلى 3 آلاف جنيه شهريا، بزيادة قدرها 300 جنيه!
كيف ذلك؟
قبل تنصيب السيسي كان الأدنى للأجور (1200) جنيه شهريا، وكان سعر صرف الدولار حينها (نحو 6.96 جنيهات) بمعنى أن الأدنى للأجور بالدولار كان يساوي وقتها (172 دولار). وفي نوفمبر 2016م أبرم السيسي اتفاقه المشئوم مع صندوق النقد الدولي، وانخفضت قيمة الجنيه إلى النصف ليرتفع سعر صرف الدولار من نحو 8 جنيهات إلى 16 ثم 18 جنيها في غضون شهور قليلة. ثم تراجع قليلا. وفي 2019 تم رفع الأدنى للأجور من 1200 إلى 2000 ج، ثم إلى 2400ج في 2021م، ثم إلى 2700ج في 2022م، إلا أنّ القيمة الشرائية لهذا المبلغ تراجعت بصورة كبيرة بفعل آثار التضخم، وموجات الغلاء التي لم تتوقف في مصر منذ قرار تحرير سعر صرف العملة المحلية (الجنيه)، في 3 نوفمبر 2016. ويدرك المصريون جيداً انخفاض قيمة دخولهم، مقارنة بما كانت عليه قبل تنصيب السيسي في يونيو 2014م، حيث كان يبلغ سعر صرف الدولار نحو 6.96 جنيهات مقارنة بـ22.75 جنيهاً حالياً، أي أن الحد الأدنى للأجور حينها (1200 جنيه) كان يعادل 172.4 دولاراً، مقابل نحو (132) دولارا فقط اليوم بعد الزيادة الأخيرة التي رفعت الأدنى للأجور إلى ثلاثة آلاف جنيه!
اليوم يكتوي المصريون بنيران الأسعار وليبها الذي أشعله السيسي ولم ينطفئ؛ لأن نار الأسعار أكبر من كل محاولات إطفائه. كبأك
ومع ارتفاع قيمة الفواتير الشهرية لاستهلاك الكهرباء والغاز والمياه للمنازل، بات المصريون يقتطعون ربع دخلهم على الأقل لسدادها، خصوصاً الفقراء منهم ومحدودي الدخل. إذ ارتفعت أسعار الكهرباء بنسبة 860% منذ اغتصاب السيسي الحكم، والغاز بنسبة تصل إلى 2400%، إضافة إلى ارتفاع أسعار البنزين 8 مرات منذ عام 2014، ومضاعفة أسعار مياه الشرب للمتر المكعب من 36 قرشاً (الجنيه 100 قرش) إلى 225 قرشاً.
عشرة آلاف قد لا تكفي
في ختام جلسات (المؤتمر الاقتصادي.. مصر 2022) الذي انعقد من الأحد 23 إلى الثلاثاء 25 أكتوبر 2022ـ بفندق الماسة المملوك للجيش في العاصمة الإدارية، اعترف الدكتاتور عبدالفتاح السيسي أن المواطن الذي يقل دخله عن عشرة آلاف جنيه في الشهر لا يستطيع العيش، لكنه لا يستطيع توفير هذا المرتب لكل الناس! يقول السيسي في الجلسة الختامية: «أقول للمسؤولين الحاضرين اكرهوا الفقر، ولا تكرهوا الفقير، وأقول إن أي شخص يتقاضى أقل من 10 آلاف جنيه في الشهر لا يستطيع العيش. لكن لا أستطيع أن أوفر لكل الناس هذا المرتب، لأن هناك مشروعات في الدولة نعمل على إنجازها. غيري أكل وشرب وتركها على الحديدة (في إشارة خفية إلى الرئيس المخلوع الراحل محمد حسني مبارك)، والإصلاح الاقتصادي الحقيقي بات أكبر من أي رئيس»!
كان هذا يوم الثلاثاء الماضي (25 أكتوبر)، وفي اليوم التالي مباشرة (الأربعاء 26 اكتوبر 2022) أعلن رئيس حكومة الانقلاب مصطفى مدبولي، في مؤتمر صحفي عن حزمة قرارات اجتماعية تشمل:
- أولا، رفع الحد الأدنى للأجور، بقيمة 300 جنيها شهريا ليرتفع من 2700 إلى ثلاثة آلاف جنيه يستفيد منها كل العاملين في جهات الدولة والشركات التابعة لها وأصحاب المعاشات.
- ثانيا، مد فترة المساندة الاستثنائية لقطاع من الأسر عبر زيادة الدعم التمويني، وزيادة الإعفاءات الضريبية، ومساندة العمالة في القطاع الخاص في مواجهة أخطار التسريح.
- ثالثا، مد فترة وقف رفع أسعار الكهرباء، موضحًا أن تكلفة تلك الحزمة تصل إلى 67 مليار جنيه.
في اليوم التالي (الخميس 27 أكتوبر 2022م) قرر السيسي تحرير سعر صرف الجنيه بوتيرة أكبر بدلا من التعويم بالتنقيط الذي يتم منذ عدة شهور؛ وارتفع الدولار من 15.7 قرشا في إبريل الماضي إلى 19.70 قرشا حتى أمس الأربعاء، وفي أعقاب القرارات التي أصدرها البنك المركزي في اجتماعه الاستثنائي الخميس ومنها رفع أسعار الفائدة بنسبة 2%، لتصل إلى 13.25% للإيداع و14.25% للإقراض، ورفع سعر الائتمان والخصم بواقع 200 نقطة أساس ليصل إلى 13.75%، إلى جانب اعتماد سعر صرف مرن لقيمة الجنيه مقابل العملات الأجنبية، وهو ما مهد لتعويم جديد للعملة المحلية. مع الإلغاء التدريجي للتعليمات الصادرة في 13 فبراير 2022م، والخاصة باستخدام الاعتمادات المستندية في عمليات تمويل الاستيراد، حتى إتمام الإلغاء الكامل لها في ديسمبر المقبل، وذلك بهدف دعم النشاط الاقتصادي على المدى المتوسط. ارتفع سعر الدولار إلى 22.75 قرشا بالبنوك، وبذلك يفقد الجنيه نحو 20% من قيمته في يوم واحد، وهو الذي فقد 25% من قيمته خلال الشهور الماضية. بمعنى أن الجنيه فقد نحو 50% من قيمته!!
كانت الحكومة رفعت، في يناير الماضي (2022)، الحد اﻷدنى للأجور في القطاع الحكومي من 2400 إلى 2700 جنيه، فيما ارتفع معدل التضخم العام في سبتمبر الماضي ليتجاوز 15% مقابل 8% في نفس الشهر من العام الماضي، ويتوقع صندوق النقد الدولي أن يصل التضخم كمتوسط في عام 2022 إلى 12%.
حد الفقر العالمي
يبلغ حد الفقر عالمياً 3.2 دولارات للفرد في اليوم، ما يعادل 96 دولاراً شهرياً، أي أن العامل في القطاعين العام والخاص الذي لا يعيل سوى زوجته يحتاج إلى 192 دولاراً شهرياً (4368 ج شهريا)، وبالتالي فهو لا يزال يقبع تحت خط الفقر، حتى مع الحد الأدنى الجديد للأجور (3 آلاف جنيه شهريا). والأسرة التي تتكون من أربعة أفراد تحتاج إلى نحو 9 آلاف جنيه حتى تبقى على خط الفقر الدولي ولا تهبط دونه.
معنى ذلك أن هذا الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص "2400" ج، أو القطاع العام "3000"ج، لا يساوي شيئا، في زمن الغلاء الفاحش وتحويل التعليم والصحة إلى سلعة. ولا تكشف البيانات الحكومية في مصر عن معدلات الفقر الحقيقية، بينما أعلن سابقاً رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، أنها وصلت إلى 29.7% في العام المالي 2019-2020، مقارنة بـ32.5% من إجمالي السكان في العام المالي 2017-2018. لكن خبراء اقتصاد يؤكدون أن النسبة الحقيقية للفقر تتجاوز 55% في مصر، في ظل الغلاء المستمر مع فرض زيادات متواصلة على أسعار السلع والخدمات والضرائب، علماً أن وباء كورونا زاد من تعقيدات الوضع، خصوصاً للعاملين في القطاع غير الرسمي البالغ عددهم نحو 4 ملايين شخص، والذين فقدوا (أو باتوا مهددين) بفقدان أعمالهم.
ويعزو الخبراء الارتفاع الكبير في نسب الفقر إلى السياسات الاقتصادية التي يتبناها السيسي، والتي لم يضع محدودي الدخل ضمن أولوياته، ورضخ إلى تعليمات صندوق النقد بشأن تقليص الدعم، وتحرير أسعار الوقود والكهرباء نهائياً، وخفض أعداد الموظفين الحكوميين، ما أدى إلى إنتاج مزيد من الفقراء. وفي المقابل، اتجه نحو مشروعات عملاقة ليس لها أي مردود على المواطن، مثل مشروعات العاصمة الإدارية والعلمين الجديدة وغيرها.