من المفارقات العجيبية حقا والتي تحدث لأول مرة في تاريخ مصر، أن الأسبوعين الماضيين شهدا ارتفاع أسعار بيع القمح «محليًا» قرابة 2500 جنيه للطن عن اﻷسعار العالمية؛ حيث يبلغ السعر العالمي حاليًا نحو 356 دولارًا للطن، ما يساوي نحو 7120 جنيهًا بحساب سعر صرف 20 جنيهًا للدولار، في حين يتجاوز متوسط سعر الطن محليًا 9500 جنيه؛ الأمر الذي انعكس على أسعار الخبز ويهدد بتوقف آلاف المخابز الخاصة التي باتت تشتري الطن بنحو 15 ألف جنيه وهو ضعف السعر العالمي بحسب الكاتب الصحفي أشرف البريري بالشروق.
نفس الأمر ينطبق على الأرز؛ فارتفعت أسعاره بشكل جنوني خلال الشهور الماضية؛ من 5 أو 8 جنيهات قبل الغزو الروسي لأوكرانيا ليصل إلى 15 جنيها وهو أيضا ضعف السعر القديم رغم أن الأرز سلعة محلية لا يتم استيرادها فمصر تحقق الاكتفاء الذاتي من الأرز على مدار العقود الماضية. ويتضح أن الحكومة تتواطأ مع مافيا الاحتكار التي تشتري الأرز بأسعار زهيدة من الفلاحيين والتجار ثم تخزنه بكميات هائلة ثم تخلق أزمة مصطنعة وتسمح بكميات محدودة للسوق فيقل المعروض ويرتفع السعر وتتحقق هي أرباحا طائلة على حساب المواطنين الفقراء والحكومة تعلم كل ذلك لكنها تغض الطرف عن هذه الجريمة التي تقف وراءها مافيا ترتبط بالنظام ارتباطا عضويا ووثيقا. رغم أن مصر تنتج سنويا نحو 3.6 ملايين طن فيما يبلغ حجم الاستهلاك المحلي 3 ملايين طن سنويا من زراعة 1.2 مليون فدان، زادت هذه السنة إلى 1.8 مليون فدان.
أما السكر وهو سلعة من السلع الأساسية عند المصريين؛ فقد ارتفع من عشرة جنيهات العام الماضي (2021) إلى 16 و17 جنيها حاليا في (أكتوبر 2022)؛ بزيادة قدرها 70% مرة واحدة. ويعزو عضو شعبة المواد الغذائية، عمرو عصفور، زيادة أسعار السكر إلى نقص المعروض من السكر في اﻷسواق حاليًا. ويفسر ذلك بتراجع المخزون في الفترة من أكتوبر إلى ديسمبر من كل عام، التي تسبق حصاد محصول البنجر والقصب بداية من يناير.
والسبب الثاني هو زيادة أسعار شراء البنجر والقصب من المزارعين، والتي وصلت في حالة البنجر إلى 1200 جنيه للطن مقارنة بـ800 جنيه العام الماضي بحسب الرئيس السابق لشركة القناة للسكر، إسلام سالم.
السبب الثالث لتراجع المعروض من السكر وارتفاع أسعاره حاليا في السوق يعود بشكل أساسي إلى وقف الاستيراد، لأن الإنتاج المحلي أصبح في نهاية موسمه، والذي كان يغطي هذه الفجوة هو السكر المستورد، لكن «البنوك لا تمرر الاعتمادات المستندية إلا واحد من كل عشرة اعتمادات وبعد عدة أسابيع».
السبب الرابع هو ارتفاع تكاليف الإنتاج على الفلاحين نظرًا لبقاء المحاصيل فترة أطول في اﻷرض مقارنة بالمحاصيل الأخرى، واستهلاك أسمدة وماء بكميات أكبر، وهي المدخلات التي ارتفعت أسعارها بشكل ملحوظ خاصة الأسمدة، فالشركات تخشى توقف المزارعين عن زراعة البنجر والسكر في حال تدني سعر الشراء منهم، ولجوئهم إلى زراعة القمح على سبيل المثال، وهو المحصول الذي يُزرع في نفس الموسم ورفعت الحكومة سعر شرائه.
السبب الخامس والأهم هو انخفاض قيمة الجنيه وشح الدولار وتأثير ذلك على إنتاج السكر؛ فأسعار السلع الغذائية ومن ضمنها السكر ترتبط ارتباطا وثيقا بالدولار، نظرًا ﻷن عددا من مدخلات الإنتاج، مثل السولار والجاز والأسمدة، يتم استيرادها عبر كافة مراحل عملية الإنتاج؛ من الزراعة وحتى التكرير وانتهاءً بالتغليف والتعبئة. وبالتالي فارتفاع سعر الدولار يعني زيادة تكاليف الإنتاج وهو ما ينعكس على ارتفاع أسعار السكر وجميع السلع الغذائية. علاوة على ذلك فاستيراد السكر يختلف عن باقي السلع، إذ يحتاج إلى ترتيبات مثل الاتفاق مع مصنع تكرير على حجم الشحنة القادمة، ثم يقوم المصنع بدوره بعمل ترتيبات للماكينات وجلب العمال، وهو ما يتطلب نفقات مُسبقة، ثم قد تنهار كل العملية في حال لم يقبل البنك الاعتماد المستندي أو لم يُفرج جمركيًا عن الشحنة، وكل ذلك جراء عدم وجود دولار، «نحتاج إلى توفير الدولار ولو بسعر 40 جنيهًا لكنه غير موجود».
السبب السادس هو ارتفاع تكاليف الشحن بشأن الكميات المستوردة من السكر والتي تقدر بنحو 30% من جملة الاستهلاك. وويُقدر إجمالي الاستهلاك المحلي من السكر الأبيض بنحو 3.5 مليون طن سنويًا، يُستخدم 60% منه كسلعة وسيطة في صناعات غذائية أخرى مثل المشروبات الغازية والمخبوزات والعصائر، فيما يتم استهلاك 40% من كسلعة نهائية بحسب عضو شعبة المواد الغذائية، عمرو عصفور. وتنتج مصر محليًا 70% من استهلاكها عبر القصب؛ مليون طن، ومن البنجر ما بين 1.25 إلى 1.5 مليون طن سنويًا، فيما يتبقى حوالي 30% من الاحتياج المحلي يتم استيرادها من الخارج. وقد تجاوز سعر السكر 500 دولار للطن، وتعد البرازيل هي أكبر مورد لمصر تليها أوروبا بحصة محدودة، علاوة على أن أسعار الشحن من البرازيل إلى الموانئ المصرية تحركت في الأشهر الأخيرة من 40 دولارًا للطن إلي 80 دولارًا، في الوقت نفسه انخفض الإنتاج الأوروبي من السكر ما أثر على المعروض العالمي وأدى إلى صعود الأسعار.