من أهم الملاحظات الهامشية على الاحتفال بذكرى حرب أكتوبر الـ"49" هذه السنة أن الجنرال عبدالفتاح السيسي زار قبري الرئيسين السابقين جمال عبدالناصر وأنور السادات، لكنه تجاهل زيارة قبر مبارك. وهو ما تسبب في شيء من الجدل حول أسباب تجاهل وضع إكليل زهور على قبر مبارك. واعتبر كثيرون عدم وضع إكليل على قبر مبارك منطقياً، لأنّه لم يكن رئيساً خلال حرب أكتوبر 1973، فيما رأى آخرون أنّ التجاهل يؤدّي إلى فتح باب كتابة التاريخ وتوثيقه، وإهمال شخصيات وإبراز شخصيات أخرى طبقاً للأهواء والمواقف السياسية، مع التأكيد أن الذاكرة الجمعية عصية على التزييف سواء من جانب مبارك الذي ظل لثلاثين سنة يمجد في دوره بوصفه صاحب الضربة الجوية الأولى في الحرب، وطمس دور الفريق سعد الدين الشاذلي رئيس الأركان وواضع خطة الحرب "المآذن العالية"، أو حتى محاولات السيسي طمس دور مبارك.
هذا التجاهل لمبارك من جانب السيسي ومنظومته الإعلامية وهي ذات المنظومة التي ظلت ــ خلال حكم مبارك ـ تمجد فيه وحده لمدة ثلاثين سنة باعتباره صاحب الضربة الجوية الأولى/ أثار كثيرا من الجدل. والبرهان على ذلك أن عددا من المنصات والنوافذ الإعلامية التابعة للسلطة حذفت خبر زيارة جمال لقبر والده في ذكرى الحرب بناء على تعليمات صارمة من جهات "سيادية"، وهي الزيارة التي التف عشرات المواطنين المؤيدين لمبارك حول نجله واصفين إياه بالقائد الرئيس. وبلغ الأمر بمغردين حد نشر الصورة والتعليق عليها بالقول "جمال مبارك رئيساً لمصر 2024"، وهو عام (مسرحية الانتخابات الرئاسية المقبلة) المتوقع أن يخوضها السيسي ليظل رئيساً (بالإكراه والانتخابات الصورية) حتى 2030، بحسب تعديلات رئاسية أجريت عام 2018، مددت رئاسته لمصر حتى يونيو 2024، وكان من المقرر أن تنتهي في يونيو 2022. الأمر الذي فهمه البعض بأن أجنحة داخل السلطة تريد تعزيز موقف آل مبارك في ظل فشل السيسي الذريع وعدم قدرته على إدارة البلاد على نحو صحيح.
وحسب صحيفة "العربي الجديد"، فإن آل مبارك حاولوا أن تبدو الزيارة كما لو كانت تحمل طابعا رسميا؛ إذ ظهر عند النصب التذكاري للجندي المجهول بمدينة نصر في شرق القاهرة، بعد يوم واحد من وضع السيسي أكاليل الزهور هناك برفقة وزير الدفاع محمد زكي. وتنقل الصحيفة عن مصدر سياسي مشارك في تنظيم "الحوار الوطني"، الذي أعلن عنه السيسي في إبريل 2022م، أن الظهور المتكرر لجمال مبارك في المناسبات القومية وحرصه على المشاركة في المناسبات الاجتماعية التي تحمل طابعاً شعبياً "ليس الهدف منهما، كما يروج البعض، رغبته في خوض غمار الحياة السياسية مجدداً أو عزمه الترويج لنفسه كمرشح للرئاسة خلال الانتخابات المقبلة". وبرأيه، فإن "هدف جمال مبارك من تلك التحركات هو التأكيد على أن أسرة الرئيس المخلوع تعيش حياة طبيعية، وليست منبوذة كما كان يحاول البعض الترويج، كون والده أطيح في ثورة شعبية عارمة". وأضاف المصدر "مبارك الابن يريد أن يؤكد أن هناك ندماً من جانب المصريين على ما فعلوه تجاه والده، بل وتجاهه هو شخصياً".
لكن نائبا في برلمان الانقلاب ــ بحسب التقرير ــ كان شغل منصباً قيادياً في الحزب الوطني المنحل إبان ترؤس جمال مبارك لجنة السياسات فيه خلال عهد والده، أنّ مبارك الابن "لا تزال تراوده أحلام الرئاسة المصرية. ولا يستبعد احتمال أن تكون هناك أطراف تستخدمه ورقةً تضغط بها على النظام السياسي الحالي، خصوصاً في ظلّ تمتعه بما يمكن وصفه بحماية من أطراف خليجية، لعبت دوراً كبيراً في أعقاب ثورة 25 يناير(كانون الثاني)، في عدم التنكيل بأسرة الرئيس السابق".
التقرير ينقل عن مصدر سياسي ثالث، أن هناك حالة من الانزعاج داخل دوائر رسمية رفيعة المستوى" من الظهور الأخير لجمال مبارك، قائلاً إنه "لم يكتفِ بالاحتفال بالذكرى عند ضريح والده رغم تجمع أعداد قليلة من أنصارهم عند الضريح". وتساءل: "لماذا توجه بعد ذلك للنصب التذكاري، وسجّل تلك اللقطة؟"، مرجحاً أنّه "سيكون هناك رد فعل لما فعله من جانب إحدى الجهات المهمة في الدولة". وكان جمال مبارك قد أصدر في مايو 2022، بياناً مصوراً باسم أسرة الرئيس المخلوع، شدد فيه على انتهاء جميع إجراءات التقاضي الدولية التي بدأت عقب تنحي والده عن السلطة عام 2011 إثر ثورة 25 يناير.
وكان السيسي قد ألقى خطابين بمناسبة ذكرى حرب أكتوبر والمولد النبوي الشريف يومي الثلاثاء والأربعاء الماضيين، لكنه الخطابين خلا من أي تصريحات مهمة حول القضايا المهمة والحساسة؛ فقد تجاهل السيسي عمدا أي حديث عن الحوار الوطني الذي دعا له في إبريل الماضي بما يمكن تفسيره بتراجع اهتمام النظام بالملف لا سيما مع قرب موافقة صندوق النقد الدولي على القرض الرابع، بخلاف تنظيم مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ في نوفمبر المقبل بما يعني عدم اكتراث المؤسسة الدولية بحجم الانتهاكات الحقوقية والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها النظام الذي اغتصب الحكم بانقلاب عسكري. كما خلا الخطابان من أي ذكر للأزمة الاقتصادية والغلاء الفاحش وشح الدولار والتوسع في الاقتراض والديون. والخلل القائم في الأمن الغذائي وآخر تطورات ملف سد النهضة والذي يمثل تهديدا كبيرا للأمن القومي المصري. خلو خطابي السيسي من هذه القضايا الحساسة يعكس ــ بحسب محللين وخبراء ــ حالة الإفلاس التي يعيش فيها النظام فلم يعد لديه من يقوله للمصريين بعدما تبخرت وعوده بالرفاهية وحصد ثمار الإصلاح الاقتصادي. فقد ساءت مستويات المعيشة وتزايدت معدلات الفقر وانتشر الجوع في أجراء البلاد. الأمر الذي دفع السيسي إلى ردم الفجوة بين الواقع والوعود المعسولة بخطاب إنشائي بلاغي خلا من أي مضامين واقعية تهم المواطنين.