قرارات ومواقف أيقظت المصريين وأسقطت شعار الجيش والشعب إيد واحدة.. ماهي؟

- ‎فيتقارير

تقول الحكمة التي خرج بها المصريون من انقلاب 30 يونيو “لو كان الجيش والشعب إيد واحدة؛ ما كنتم لتقتلوا المصريين ولتسرقوا ثرواتهم ثم تعطونهم الفتات”  وتنص دساتير جميع البلاد الديمقراطية، على اختلافها وبما فيها كل الدساتير المصرية ومنها دستور الانقلاب عام ٢٠١٤، على أن الجيش ملك للشعب، ومهمته الدفاع عن الوطن وحمايته.

وحرصت كل الدساتير، بما فيها المصرية، على أن البرلمان، باعتباره الممثل للإرادة الشعبية، هو صاحب الحق في إعلان حالة الحرب، أو إرسال الجيش إلى خارج البلاد، أي تكليف الجيش للقيام بمهامه.

ما يعني أن يكون شعار وهتاف المصريين في كل وقت، الجيش جزء أصيل من نسيج الشعب، وملك له، وشرفه العسكري يحتم عليه أن يحمي الوطن، ويدافع عنه، لا أن يحكمه ويقتل أولاده ويسرق ثرواته ويقوم بخيانته لصالح الإمارات والسعودية وإسرائيل. 

 

شعار سرق الثورة..!

الجيوش ملك للشعوب، تأتمر بأمرها لتحقيق أهدافها الوطنية العليا، المتمثلة في حماية الأوطان والدفاع عنها، وتحقيق أمنها، وليس لأي هدف، أو واجب آخر.

من هنا، ليس الجيش، أي جيش، مؤسسة أو كيانا مقابلا للشعب أو ندا له، يمكن أن يتفق معه فيصبح “الجيش والشعب يدا واحدة” أو يختلف مع الشعب، فتنفصل يد الجيش عن يد الشعب، ولا تصبحان يدا واحدة.

لكن الشعب هو من ينشئ الجيش الذي يأتمر بأمر الشعب، عبر برلمانه والسلطات التنفيذية التي يخولها حق تكليف الجيش بالمهام المحددة.

اذا مقولة “الجيش والشعب إيد واحدة” تحمل مخالفة صريحة للدستور، بل تنتقل بالجيش من مكانته الرفيعة، باعتباره من يقوم بحماية الوطن، إلى معترك الحياة السياسية، فيسعى إلى حكم الوطن، بدلا من حمايته، ويفقد تلك المكانة الرفيعة.

من جانبها، قالت مديرة قسم الدفاع والأمن بمنظمة الشفافية ليا وارو إن “الحكومات الغربية تنظر إلى مصر بقيادة السفاح السيسي على أنها شريك مستقر وله دور في مكافحة الإرهاب، لكن هذا خطأ، فالجيش يعزز سطوته السياسية ولا يقوم بواجبه في حماية الشعب”.

وأضافت وارو أن هذا الدعم الغربي سيخلف في النهاية نفس الظروف التي حدثت عام 2011 وأدت إلى وفاة عدد كبير من المصريين في إشارة إلى ثورة يناير 2011.

وأشارت إلى أنه يتعين على المجتمع الدولي أن يفرض شروطا أساسية قبل دعم الجيش المصري، منها الشفافية في ميزانيته، والتدقيق في تمويل الجيش.

تقول الناشطة ميرفت حمزة “الجيش والشعب إيد واحدة ، طب مينفعش نبقى ميزانية واحدة ..مستشفيات واحدة .. نوادي واحدة ..خدمات صحية واحدة مرتبات واحدة .. مساكن واحدة ، أنتم واحدة  وإحنا واحدة  ياولاد…” 

ويقول الناشط أحمد الغرباوي  “ بمناسبة الثورة الجميلة دي أنا هتكلم عن أهم فائدة استفدناها منها أننا اكتشفنا أن الجيش والشعب مش إيد واحدة ، وأن إيد الجيش في جيب الشعب ، سرقة ونهب وتقليب ، وأن رصاص الجيش مش لحماية الوطن، وأن الرصاص موجه لصدورنا إحنا، وأنه جيش عميل عقيدتة النهب والتبعية لاسيادة في الغرب”.

ويقول المجلس الثوري المصري  “ الجيش المصري مؤسسة يغلب عليها التوحش والفساد، والسيسي رجلها وممثلها أمام الشعب، هو لا يحتاج أن يقتل أحدا بيده لأن لديه آلاف القتلة يعملون بإشارته وأسطورة “الجيش والشعب إيد واحدة” انتهت في محمد محمود ومجلس الوزراء وماسبيرو والاتحادية وبعد الانقلاب والدماء تشهد”.

ويقول محمد إبراهيم  “ أول مسمار في نعش الثورة كان الهتاف المشبوه الجيش والشعب إيد واحدة زرعه الأمنجية في ميدان التحرير وردده وراءه الطيبون بلا وعي ، واللي عايز يتأكد يفتكر مدافع الدبابات التي كانت تقف عند القصر الرئاسي لحظة زحف المتظاهرين كانت في أي اتجاه؟ تجاه القصر أم تجاه صدور المتظاهرين؟”.

 

70 عاما من التضليل..!

مرت على مصرأكثر من 70 سنة من الحكم العسكري، وباستثناء الفترة الانتقالية التي دامت سنة واحدة ما بين 2012 و2013 مع الرئيس الشهيد المنتخب محمد مرسي الذي أطاح به الجيش في انقلاب عسكري، تمتع الضباط في مصر بسلطة مطلقة وقبضة من حديد مُسجّلين رقما قياسيا كأطول حكم ديكتاتوري عسكري.

لكن هذه الاستمرارية السياسية للحكم العسكري لا تعزى إلى إنجازات ما وصفه المحلل يزيد صايغ بـ “جمهورية الضباط” في الواقع تشهد التنمية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية النسبية لمصر، سواء بمقارنتها إقليميا أو عالميا، حالة تدهور منذ فترة طويلة وإن كانت مستوياتها متفاوتة باختلاف الفترات الزمنية.

لقد انحدرت مصر من كونها الدولة العربية الأكثر تطورا في سنة 1952 القادرة على إبراز قوتها الصلبة والناعمة على الصعيد الإقليمي العالمي، إلى لاعب ثانوي في العالم بل وحتى في منطقة الشرق الأوسط.

في الوقت الحالي، باتت مصر تتأثر بما يحدث في البلدان المجاورة مثل لبنان وسوريا والسودان وليبيا، بعد أن كانت تضطلع بدور فاعل في تشكيل سياسة المنطقة.

تعاني الموارد البشرية المصرية، التي كانت الأكبر والأكثر تطورا في العالم العربي خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، تدهورا قياسيا بعد فشل النظام التعليمي والصناعي وقطاع الخدمات في مجاراة الدول المنافسة لها على المستوى الإقليمي.

تعثر أداء جمهورية الضباط يثير عدة تساؤلات حول العوامل التي ساهمت في بقائهم في الحكم، خاصة بالنظر إلى أن الجيوش التي لم تُحسن إدارة السلطة في إسبانيا واليونان والأرجنتين والبرازيل وتشيلي ونيجيريا وكوريا الجنوبية وتايوان وأماكن أخرى جرى الإطاحة بها.

حتى الهزائم العسكرية الكارثية، على غرار تلك التي حفّزت التمردات الشعبية ضد العقيد اليوناني والجنرالات في الأرجنتين، لم تُطح بجمال عبد الناصر أو أنور السادات في مصر على الرغم من اتعاظ كل من المخلوع مبارك والسفاح السيسي منها بعدم إشراك القوات المسلحة في أي معركة.

إن المهتم والمتابع للشأن المصري عموما وفترة ما بعد انقلاب الثالث من يوليو خصوصا، يستطيع بمنتهى السهولة أن يتخيل الطريقة التي يدير بها السفاح السيسي البلاد، وهي طريقة تستطيع بكل أريحية أن تعتبرها كتالوج حكم العسكر والنظم الفاشية في المنطقة ، بل وفي العالم أجمع وهي طريقة ترتكز على أربعة محاور رئيسية يمكن إجمالها في النقاط التالية:

احتكار القوة والبطش سواء بقوة القانون أو بالقوة الغاشمة.

احتكار آلية اتخاذ القرارات وإبرام المعاهدات بصورة منفردة.

العمل على ضمان مصادر تمويلية بصورة مستمرة.

إلهاء الشعب وتشويقه لمشاريع قومية ذات طابع إعلامي.

يبذل السفاح السيسي بالفعل قصارى جهده لإبراز نفسه على الدوام الحاكم الأوحد للبلاد، والمنحة الإلهية للمصريين، ويعيد هندسة المشهد من الحين للآخر بحيث يقصي أي اسم يمكن أن يمثّل تهديدا على تفرده بالبلاد، ممثلا عن الجيش في السلطة.

قوة غاشمة في مواجهة المعارض، ومال وفير لرشوة أرباب القوة، ومسؤولون بدرجة سكرتارية وضرائب مستمرة وآلة إعلامية فاشية ضخمة تتبنى موقفا واحدا ولا تسمح حتى بمجرد الاختلاف، هذا باختصار كتالوج الانقلاب العسكري في 30 يونيو 2013.

فهل ينجح السفاح السيسي في البقاء حاكما حتى ينجز كل ما يحلم بإنجازه من سياسات تكرِّس لحكم الفرد وهيمنة الجيش وتطويع التكنولوجيا لخدمة رؤاه الاقتصادية، أم أن الأيام قد تخبئ له ما لا يتمناه؟