في ذكرى الانقلاب التاسعة (03 يوليو 2022) افتتح الدكتاتور عبدالفتاح السيسي المرحلة الأولى من مشروع القطار الكهربائي الخفيف (LRT)، وسط زفة إعلامية من الآلة الإعلامية للنظام العسكري، وتصوير المشروع باعتباره أحد منجزات النظام العظمى؛ لكن الكارثة حلت عليهم سريعا؛ فبعد مرور نحو أربعة أسابيع فقط من الافتتاح أحجم المصريون عن ارتياد القطار الذي يربط بين مدينتي السلام والعاشر من رمضان، شرقي القاهرة، بسبب ارتفاع أسعار بطاقات ركوبه التي تصل إلى 35 جنيهاً (1.8 دولار) حتى 9 محطات، بما يزيد على 3 أضعاف ما يدفعه المواطن في المواصلات العامة لنفس المسافات.
الأمر على هذا النحو يحمل دلالة بالغة الوضوح؛ فالنظام العسكري لم يقم المشروع بناء على أي دراسة جدوى؛ لأن مثل هذه المشروعات تفترض ابتداء دراسة الموقف من كل أبعاده وجوانبه، وتحديد حجم الإنفاق وحجم العائد، ومقارنة هذه الوسيلة بغيرها من الوسائل القائمة بالفعل؛ وهل ستكون محل جذب للمواطنين وتقدم لهم خدمة جيدة بأسعار معقولة أم أنها تفوق قدرات معظم المواطنين وبالتالي فلن يكون لها جدوى أو مردود اقتصادي. هذه الأسئلة البسيطة يطرحها أم مواطن غلبان عندما يهم بإقامة مشروع؛ وأبرزها معرفة المشروعات المنافسة وامتيازاتها وهل سيقدم شيئا جديدا بمشروعه أم لا ، لكن السيسي وحكومته لم يفعلوا ذلك، وأسقطوا من حساباتهم دراسة الجدوى على النحو الذي جرى؛ فتم إنفاق نحو 23 مليار جنيه على مشروع القطار الخفيف ثم يتضح الآن أنه بلا جدوى اقتصادية. معنى ذلك أن الهوس بما سيكتبه التاريخ عن فترة حكم السيسي داء قد تمكن من الجنرال؛ فجعله حريصا على التشييد والمشروعات حتى لو كانت بلا قيمة أو مردود حقيقي على المواطنين؛ فهو حريص بأن يكتب التاريخ أنه أول من أدخل القطار الكهربي الخفيف والسريع في مصر وأول من بنى عاصمة إدارية وأعلى برج وأكبر مسجد وأكبر كاتدرائية وأكبر كوبري معلق وغير ذلك من أمور الهوس وجنون العظمة.
وفي محاولة لجذب المواطنين للقطار الخفيف قررت الحكومة فتح القطار مجاناً للراغبين بعد أسبوع من افتتاحه لتعريف الناس به لعلهم يفضلون استخدامه عن المواصلات العامة والسرفيس الأرخص سعرا. ومع استمرار عزوف المواطنين، قررت الوزارة تشغيل القطار حتى الخامسة مساءً فقط من خلال 4 رحلات بحد أقصى في اليوم، إلى حين تعديل جدول التشغيل بما يتناسب مع أعداد الركاب.
زاد الموقف بؤسا لدرجة أن إحدى الرحلات لم يركب القطار إلا ثلاثة فقط رغم تكلفة التشغيل العالية؛ ولذلك تدرس وزارة النقل بحكومة الانقلاب حاليا وقف المشروع لحين انتقال الموظفين إلى العاصمة الجديدة بعدما زهد المواطنون في استخدامه لارتفاع تكلفة تذكرته.
ويصل إجمالي القطارات في المرحلتين الأولى والثانية من مشروع القطار الخفيف إلى 22 قطاراً بتكلفة 227 مليون دولار، من أصل 1.2 مليار دولار اقترضتها مصر من بنك الاستيراد والتصدير الصيني (إكزيم) لتمويل المشروع بجميع مراحله. وقضت اتفاقية التمويل بسداد القرض على 15 عاماً، مع فترة سماح مدتها 5 سنوات، مقسمة بواقع 739 مليون دولار بمعدل فائدة 1.8%، و461 مليون دولار بمعدل فائدة 2%.
وتنقل صحيفة العربي الجديد عن مصدر بالوزارة أن الحكومة تدرس مقترحا بوقف تشغيل رحلات القطار الخفيف لمدة ستة أشهر بشكل مبدئي، بسبب عدم جدواه اقتصادياً في المرحلة الراهنة، على خلفية تراجع أعداد الركاب الذين يرتادون القطار، والذي بلغ ثلاثة ركاب فقط في إحدى رحلاته خلال الأيام الأخيرة، على الرغم من التكلفة المرتفعة لتشغيل القطار. المقترح ــ حسب المصدر ـ ينسجم مع توجيهات النظام لجميع الوزارات والهيئات والجهات الحكومية بترشيد استهلاك الكهرباء، من أجل توفير الغاز الطبيعي المستخدم في تشغيل محطات الكهرباء، وتصديره إلى الخارج. وأوضح المصدر أن مشروع القطار الكهربائي الخفيف لا يغطي أي جزء من تكاليفن التشغيل أو الصيانة بصورته الحالية، ناهيك عن التكلفة الضخمة لإنشاء المشروع نفسه، وبالتالي هناك ضرورة في وقف رحلاته حتى استكمال إنشاءات المرحلة الأولى من العاصمة الجديدة، والانتهاء من أعمال الحي الحكومي فيها، ومن ثم زيادة أعداد الركاب الذين سيرتادون القطار من موظفي الدولة المقرر انتقالهم للعاصمة الإدارية.
بمجرد نشر الخبر في صحيفة "العربي الجديد"، الإثنين 05 سبتمبر 2022م، خرجت وزارة النقل لتنفي وقف القطار الكهربي الخفيف وأن هذه الأخبار مزعومة ولا أساس لها، رغم أن الخبر لم يقل مطلقا إنه تم وقف القطار الخفيف، بل يقول إن الحكومة تدرس مقترحا بوقفه فترة مؤقتة بسبب الخسائر اليومية لضعف ارتياده من جانب المواطنين.
وفي منتصف أغسطس 2022م كتب الزميل في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي ستيفن كوك مقالا في مجلة "فورين بوليسي" قال فيه إن السيسي استهلك الخزينة المصرية على مشاريع ترضي غروره في الوقت الذي يعاني فيه شعبه. ويرى الكاتب أن الثغرة بين استمرارية السيسي والظروف السياسية في البلد مهمة. وهي تظهر أن ما تراه في مصر هو ما تحصل عليه. قيادة راسخة في بلد منهار، ولنسمها "ديكتاتورية غير مستقرة". والمشكلة هي أنه كلما ظل السيسي ينفق على مشاريع ذات قيمة مشكوك فيها، فإن العبء سيقع على المصريين مما يزيد من تدهور الظروف الصعبة التي يعيشون فيها. وفي مرحلة ما، فسيكون هناك حد لما يمكن أن تقدمه الدول الثرية لمصر، إذا أخذنا بعين الاعتبار المشاكل المتعددة حول العالم. وسيكون هذا سيئا، بالدرجة الأولى والأخيرة للمصريين ولكن على المشرق وشمال أفريقيا وحتى أوروبا. وأفضل شيء يفعله السعوديون والقطريون والإماراتيون وصندوق النقد الدولي هو مقاومة فكرة أن "مصر ضخمة بدرجة يجب عدم السماح بانهيارها"، ربما كان هذا صحيحا، لكن إنقاذ السيسي بأموال مجانية وشروط سهلة من صندوق النقد الدولي لن تؤدي إلا إلى إطالة الأزمة المصرية. ومن الحماقة بمكان تمويل مدينته الزمردية ومشاريعه الخيالية الأخرى، ومواصلة هذا هي دعوة للمشاكل.