حرائق الكنائس وتلميحات ساويرس والأنبا أرميا وعلاقتها بخطة السيسي للاستيلاء على الأوقاف المسيحية

- ‎فيتقارير

 

 

في ظل حكم العسكر لا يكاد أحد ينجو من بطشهم ومكرهم بدرجة أو بأخرى، وفي ظل غياب القانون وسيطرة روح البلطحة والتجبر والبطش، ونظرية "ما أريكم إلا ما أرى" الفرعونية، حتى إن طال الزمن أو قصر.

وعلى الرغم من متانة العلاقة بين الكنيسبة المصرية والنظام العسكري، الذي دفع بالجميع في أتون معاركه الجهنمية من أجل الكرسي، جاءت سلسلة حرائق الكنائس التي شهدتها مصر خلال الأسابيع القليلة الماضية، لترسم العديد من علامات الاستفهام على المشهد المصري، وسط تلميحات من مسئولين كبار بالكنيسة وقيادات مقربة من أعلى القيادات الكنسية ، حول دور مشبوه لجهة ما في مسالة حرائق الكنائس المتتالية.

وإلى جانب أخر  من المشهد ، خروج الأزمة المكتومة بين نظام السيسي العسكري مع الكنيسة المصرية، لرغبته في الاستيلاء على الأوقاف المسيحية كما فعل مع الأوقاف الإسلامية من قبل بمساعدة وزير الأوقاف المنبطح، الذي لا يقيم حرمة للوقف وأهدافه ومقتضياته الشرعية ، وذلك في ضوء أزمة السيسي المتصاعدة ماليا واقتصاديا، في ظل ديون كارثية لا يجد ما يسدها به، بعد نفاد الاحتياطي النقدي وجلوس مصر على سلم الإفلاس المالي، لدرجة غياب سلع أساسية عن السوق المصري، ونفاد المخزون الاستراتيجي منها الذي بات لا يكفي  سوى لشهر واحد، كالبن والشاي والزيوت وغيرها.

 

 

وقد بدأت الأزمة  المكتومة بين الكنيسة ونظام السيسي، بحسب مصادر برلمانية قبطية تحدثت لوسائل إعلام عربية، بدأت بعد مفاوضات قادتها إحدى جهات الدولة السيادية مع مسؤولين كنسيين، بشأن بعض "الأوقاف" التابعة للكنيسة، والتي تقع في نطاق مناطق ومشروعات ترغب الحكومة باستغلالها في مشاريع اقتصادية، وتشارك فيها أطراف خارجية، ومنها دول خليجية.

 

حيث رفضت الكنيسة المساس بالأوقاف التابعة لها، على الرغم من استدلال المسؤولين بإحدى الجهات السيادية، بموقف وزارة الأوقاف، التي وقفت إلى جوار الدولة المصرية في الأزمة الاقتصادية بأوجه مختلفة، جميعها مرتبط بالأوقاف الواقعة تحت سلطتها.

 

وشهدت الفترة الماضية وساطة من جانب بعض قيادات أقباط المهجر، بين قيادة الكنيسة في مصر، والجهة السيادية التي تدير التفاوض معها، ودعوا البابا تواضروس، إلى دراسة المقترحات المقدمة من الدولة بشأن الأوقاف القبطية، التي ترغب إحدى الجهات السيادية بالبحث عن صيغة تضمن عدم وقوفها عقبة أمام إتمام الاتفاقات الخاصة ببعض الاستحواذات الخليجية، في ظل حاجة الدولة المصرية إلى مبالغ هائلة وسيولة دولارية كبيرة في الوقت الراهن، للوفاء بالالتزامات الخاصة بخدمة الدين..

وكان من بين المقترحات التي طرحت من جانب الجهة السيادية لحل الأزمة، كان مبادلة تلك الأوقاف، بمساحات أخرى من الأراضي بعدد من المدن الجديدة، وامتدادات المحافظات.

كما أن الدولة قدمت مبادرة لتهدئة الأجواء والغضب داخل الكنيسة، في أعقاب حريق كنيسة أبو سيفين، وما تبعه من حرائق بعدد من الكنائس والأديرة.

ومنحت الدولة الكنيسة قطعة أرض مساحتها 3 آلاف متر، من أملاك الدولة بمنطقة إمبابة، لإقامة كنيسة كبيرة عليها تلائم أعداد الأقباط بالمنطقة، بدلا من الكنيسة القديمة التي احترقت، بعد ما كشف التقرير الهندسي الذي أعدته الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، عدم سلامة المبنى نظرا لصغر مساحته، ووجوده في شارع ضيق للغاية لا يتلاءم مع الأعداد المترددة على الكنيسة في المناسبات المختلفة.

ووصلت رسائل أخرى إلى قيادة الكنيسة، مفادها أنه في حال وافقت على التنازل عن أوقاف الكنيسة محل الأزمة، فإن الدولة ستطرح ما يمكن تسميته بمشروع كبير لإعادة النظر في موقف بعض الكنائس المماثل لكنيسة أبو سيفين في إمبابة، لجهة البحث عن بدائل أكثر ملاءمة لأعداد الأقباط في المناطق التي تنتشر فيها الكنائس.

وكان مجلس الشيوخ وافق في نهاية إبريل 2021 على مشروع قانون مقدم من الحكومة بشأن الوقف الخيري، وتمت إحالته إلى مجلس النواب، لمناقشته والتصويت على مواده، لاستغلال أموال الأوقاف الخيرية في مشروعات اقتصادية.

 

ويمهد القانون لاستثمار أموال الأوقاف في مصر، إذ يمنح وزير الأوقاف سلطة التصرف في هذه الأموال، وتوجيهها لصالح إقامة المشروعات الخدمية والتنموية والبنية التحتية، بدعوى معاونة الدولة في ملف التطوير، وهو ما يثير مخاوف من مصير الأموال، في حال ما أصبحت تحت تصرف الحكومة.

 

وكشفت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، في وقت سابق أن هيئة الأوقاف القبطية تتولى الإشراف على إدارة 4667 فدانا، بالإضافة إلى مئات المباني ومساحات أخرى لا تزال محل نزاع مع وزارة الأوقاف.

 

وفي أعقاب حادث حريق كنيسة أبو سيفين بمنطقة إمبابة بالجيزة، في 13 أغسطس الحالي، والذي راح ضحيته 40 مصريا، بينهم أكثر من عشرة أطفال، لمحت بعض الشخصيات القبطية البارزة إلى "أياد خفية" تقف وراء الحريق، الذي تبعه الإعلان عن حرائق محدودة بعدد من الكنائس والأديرة في محافظات مختلفة منها المنيا، وأسيوط.

وعقب حريق كنيسة أبو سيفين، فجر رجل الأعمال المعروف بقربه من قيادة الكنيسة الأرثوذكسية، نجيب ساويرس، حالة من الجدل بتعليقه على الحادث بالقول إنه "لم يرِد كتابة تعزية قبل معرفة تفاصيل الحادث الذي أسفر عن 41 حالة وفاة و14 مصابا".

 

وكتب ساويرس على حسابه الشخصي على "تويتر" "لم أرِد أن أكتب تعزية قبل أن أعرف تفاصيل الحادث، لأننا في صعيد مصر لا نقبل العزاء قبل أن نعرف التفاصيل وأن نعرف الفاعل، الله هو المنتقم وهو الذي سيأتي بحق الضحايا، عزائي لمصر كلها بكل المسلمين والمسيحيين، لأن كل من يعبد الله حزين".

 

وزاد من التكهنات بشأن طبيعة العلاقة في الوقت الراهن بين الكنيسة والسلطات ، تصريحات للأسقف العام الأنبا أرميا، رئيس المركز الثقافي القبطي، المعروف بعلاقاته القوية بالأجهزة الأمنية ، والتي طالب خلالها الدولة بضرورة الحذر من الأحداث الأخيرة لحريق بعض الكنائس في توقيتات منتظمة، وأن الأمر يحتاج للتكاتف معا من أجل الحفاظ على أمن مصر.

 

وأضاف الأنبا أرميا في كلمته أن "الفترة الأخيرة شهدت أحداثا تحتاج إلى تفسير، بعد حادث كنيسة إمبابة، حيث وقعت بعض الحرائق في كنائس مختلفة في أوقات منظمة ومواعيد محددة، ومن دون الخوض في الأسباب، لكن هو جرس إنذار للدولة المصرية يجب الانتباه والحذر".

 

وتابع أرميا أمام حشد من الأقباط بإحدى الكنائس، في 22 أغسطس الحالي "لن نتحدث عن الأزمة الاقتصادية أو ارتفاع الأسعار، لأن العالم كله يعاني منها، ولكن نتحدث هنا عن أحداث لا يجب على الدولة أن تفقد فيها أحباءها الذين وقفوا بجوارها، لأن ما يحدث أمر خطير، يحتاج للتكاتف والتحرك، ونثق في الله العادل الذي يدبر كل شيء".

وتعبر كلمات أرميا عن مرارة في حلق الأقباط من احتمال أن يكون هناك دور يبدو شبه مؤكد حرق قلوب الأقباط من أجل الضغط على قيادات الكنيسة لتسليم الأوقاف المسيحية لحكومة السيسي المأزومة ماليا، والمطالبة بسداد نحو 30 مليار دولار حتى نهاية العام الجاري، كخدمة ديون وأقساط ديون وعجز بميزان المدفوعات، وسط تراجع الصادرات وعائدات السياحة واحتمال استغناء الكويت عن أكثر من 700 ألف مصري، من العمالة المصرية، وهي أزمات كبيرة، قد تجبر السيسي على التعامل بغشم مع الكنيسة للسيطرة على أموالها كما فعل مع الأوقاف الإسلامية.

ولعل ما ينقل التكهنات والشكوك حول دور لنظام السيسي بحرق الكنائس،  كشفته وثائق أمن الدولة المسربة عقب ثورة يناير 2011، من تنسيق بين أمن الدولة ونظام مبارك بجريمة تفجير كنيسة القديسين بالإسكندرية وعدة كنائس في العام 2010، من أجل الضغط على بابا الأقباط شنودة، من أجل إخضاعه لنظام مبارك وعدم استقوائه بأقباط المهجر ، وهو ما يؤكد الأدوار القذرة للأجهزة الأمنية في مثل تلك الممارسات السرية، والتي يكون ورائها أهداف عدة من  إخضاع الأقباط والاستيلاء على أموالهم، وهو ما قد يشعر به الأقباط في الفترة المقبلة مع سياسات الغشم العسكري للسيسي ونظامه المأزوم اقتصاديا.