دراسة: سياسات العجز المائي تستمر مستقبلا بسبب الاتفاقيات والمواثيق الدولية

- ‎فيتقارير

حذرت دراسة بعنوان "السلطوية والتحكم البيوسياسي.. مصر نموذجا" أجرتها وحدة البحوث والدراسات بمركز "مسار للدراسات الإنسانية" من أن بعض السياسات التي اتخذها هذا النظام لا يمكن التراجع عنها مستقبلا للأسف لأنها مرتبطة باتفاقيات ومواثيق مع دول أخرى، مرجحة أن الاستمرار مقدر حيث الأيام حبلى بالتغيير، وأي نظام معرض للزوال.
وتوصلت الدراسة من خلال ما سبق إلى عدد من الاستنتاجات، وفي مقدمتها تراجع أولوية الاحتياجات البيولوجية للمواطن مقارنة بأولويات أخرى مثل العناية بالبنية التحتية حفاظا على مصالح النظام البحتة وليست مصالح المواطن.

واستنتجت الدراسة أن السياسات والتدابير التي اتخذها النظام الحالي كانت استكمالا لحلقة الفساد التي دأبت عليها النظم المتعاقبة، وزادت بها الطين بلة.
وقال عن تلك السياسات والإجراءات "لا يقتصر تأثيرها على الأجيال المعاصرة للنظام الحالي بل يؤثر على الأجيال المستقبلية أيضا، سواء ما يتعلق بالغذاء أو الماء أو الصحة، وتكشف الدراسة عن أن "حياة كريمة" التي رفعها النظام الحالي كأحد أهدافه ، ما هو إلا محض شعار لا يصدقه أي شيء من سياسات النظام أو خطواته واقعا".

وأضافت أن استمرار الفشل "يفاقم الوضع في هذه المجالات الثلاث “الماء والغذاء والصحة” ويجعل الأزمات متعاقبة عدم شفافية النظام فيما يتعلق بأدائه، وتعد حملة فيروس سي ووباء كورونا خير دليل على ذلك".
 

أولا: الأمن الغذائي

واستندت الدراسة إلى ما أظهرته بعض الدراسات أن ما يقرب من ربع المصريين عانوا من تزعزع الأمن الغذائي، كما تعرض حوالي 16 % تقريبا من المصريين من نوع واحد على الأقل من الصدمات خلال عام 2017- 2018م.

وقالت إن "بعض الدراسات أشارت إلى أن نسبة تعرض الأسر الفقيرة لأزمات الأمن الغذائي بلغت حوالي أربعة أضعاف نظيراتها من الأسر الغنية، كما أن نسبة تعرض الأسر الفقيرة للأزمات تفوق ضعف نسبة نظيراتها من الأسر الغنية، ومما يفاقم احتمالية التعرض لهذه الأزمات لأفراد الأسرة “Job informality” انخراط أفراد الأسرة في أعمال غير رسمية، إضافة إلى العجز حيث تتزايد نسب التعرض للأزمات والصدمات في حالة ذوي الاحتياجات الخاصة.
وعن تبعات تزعزع الأمن الغذائي أوضحت أنه يتعلق بتخفيض الإنفاق على الصحة ورأس المال الاجتماعي، إضافة لمشكلات خطيرة تهدد مستقبل الأطفال تتمثل في سوء التغذية وما يتبعه من أزمات صحية كالتقزم وغيرها، وقد بلغت نسبة الأطفال الذين يعانون من التقزم في مصر حوالي 39 %".

وأضاف أن أبعاد تزعزع الأمن الغذائي تتضمن؛ تقلص مساحة الأرض الزراعية وشح موارد المياه والتغيرات المناخية، واقتصاديات الغذاء، حيث تستورد مصر ما بين 45 % – 55 % من احتياجاتها من القمح، ما يجعلها عرضة لتقلبات أسعار الغذاء العالمية خاصة في ظل محدودية موارد مصر من التدفقات الأجنبية وانتشار البطالة وانخفاض معدل النمو الاقتصادي للفرد، وإزاء هذا الوضع تقف الأسر محدودة الدخل عاجزة عن شراء احتياجاتها من المواد الغذائية الأساسية، وقد أشارت بعض التقارير إلى أن حوالي 42 % من المصريين لا يقدرون على شراء احتياجاتهم من السلع الغذائية الرئيسة نظرا لكونها فوق مقدرتهم المادية، وذلك بالنظر إلى وقوع هذه الفئات تحت خط الفقر.
ومن هذا الجانب، خلصت إلى أن السياسات الحكومية التي اتخذت السعي نحو الاكتفاء وتقليل الاستيراد وخفض الدعم ليست كافية لدعم المواطن حيال أي أزمات مالية متخذة، كما أن الحكومة لم توظف كافة الأطراف المعنية بحل المعضلة، فلم نشهد تفعيلا قويا لدور وزارة الزراعة أو كليات الزراعة على سبيل المثال، ولم نشهد تغيرا في خريطة العلاقات الخارجية مع دول قد تساعد مصر في حل معضلات الأمن الغذائي، إما بشكل مباشر من خلال توفير المواد الغذائية، أو بشكل غير مباشر من خلال استيراد تجارب ناجحة للتعامل مع الأزمة.

 

ثانيا: الأمن المائي

وحذرت الدراسة من "تعرض الأمن المائي في مصر حاليا للخطر، ومن المتوقع استمرار هذا الخطر مستقبلا، فقد انخفض نصيب الفرد من موارد المياه في البلاد سنويا من 2526 متر مكعب عام 1947م إلى أقل من 700 متر مكعب عام 2013م  وهو أقل بكثير من عتبة 1000 متر مكعب سنويا التي تعتبرها الأمم المتحدة ضرورية لتوفير مياه كافية للشرب والزراعة والتغذية، ومن المتوقع أن يستمر الأمر على هذا المنوال مسقبلا، حتى أن بعض التوقعات تتكهن بانخفاض نصيب الفرد من المياه في مصر عن 350 متر مكعب سنويا بحلول عام 2050".
وأشارت الدراسة إلى عدم التناسب بين عرض الموارد المائية والطلب عليها، حيث لا يتوافق حجم الموارد المائية المتاحة مع زيادة عدد السكان، حيث زاد عدد سكان البلاد بأكثر من 40 % منذ أوائل التسعينيات، ومن المتوقع أن يتجاوز 110 مليون بحلول عام 2025.
ولفتت إلى مشكلة تلوث المياه، حيث عدم صلاحية المياه للاستخدام الآدمي بسبب مشكلة التلوث الناتجة عن النفايات الصناعية وغيرها، إضافة إلى تسرب مياه الصرف الصحي وضعف فعالية نظام الري وغيرها من العوامل، مما يؤدي إلى فقدان كمية كبيرة من المياه تصل إلى 3 مليار مكعبات عن طريق التبخر.
ونبهت إلى تحليل "للبنك الدولي" في أواخر عام 2018 للبنية التحتية للمياه في مصر وجد أن القطاع يحتاج 45 مليار دولار من الاستثمارات الإضافية مقارنة بالتوقعات الحالية لخط الأساس وتلبي الحكومة هذا المطلب من خلال مزيج من الإنفاق المباشر واستثمارات القطاع الخاص والقروض من مؤسسات تمويل التنمية.
وبعد استعراض خطوتين أعلنت عنهما وزارة الري والموارد المائية لم ينفذا بعد تتعلقان بتحسين جودة المياه، وترشيد استخدام المياه،
ومن إجراءات الخطوة الثانية مشاريع الحماية والتخفيف من الفيضانات من خلال مرافق حصاد الأمطار على طول الساحل الشمالي الغربي في محافظات سيناء والبحر الأحمر وصعيد مصر. كما تم تنفيذ سلة من مشروعات حماية السواحل على مساحة تزيد عن 120 كيلومترا مع خطط لتغطية 120 كيلومترا أخرى بالإضافة إلى سلسلة من محطات الضخ.
قالت الدراسة إن  "تعامل النظام مع الموارد المائية طبعه التراخي والفشل الذريع في التعامل مع المصدر الأعظم للمياه وهو نهر النيل، بينما يلتفت إلى إجراءات أخرى كتحلية المياه وغيرها تكبد الشعب تكلفة أكبر وفي ذات الحين تكون عوائدها أقل مقارنة بما كان سيتحقق لو أنه نجح في إنجاز ملف سد النهضة بما يحقق المصالح المصرية.

 

ثالثا: سياسات الصحة

وقالت في هذا البند أن الصحة حاضرة شكليا في الرؤية العامة للنظام،  ودستور 2014 كأحد أبرز حقوق الإنسان الأساسية، مستدركا أنه على الرغم من ذلك فقد جاءت مصر كإحدى الدول العشرين الأسوأ عالميا في تصنيف الصحة العالمية لعام 2019.
واستعانت الدراسة بمؤشرات على سياسات الصحة وضعفها ومنها؛ الإنفاق على الصحة في ظل اعتماد الإدارة المالية للدولة على المنح والقروض وتأثر ميزانية الصحة بهذا الأمر.
وأضافت أن "دستور عام 2014 نص على تخصيص نسبة 3 % من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق على قطاع الصحة ، إلا أن الحكومات المصرية المتعاقبة لم تفِ بهذا الاستحقاق الدستوري مطلقا".
وسجلت الدراسة تراجع "نسبة الأجور من مخصصات القطاع، من 62.8 % في العام المالي 2014 – 2015م ، إلى 51.1 % في العام المالي 2018- 2019م رغم التضخم الكبير وارتفاع الأسعار، لا سيما مع رفع الدعم عن البنزين والكهرباء".
وباتت الصحة في ضوء السياسات العامة للوزارة "تحمل المواطن حوالي 70 % من نفقات الصحة، وذلك بسبب ارتفاع أسعار الدواء وارتفاع تكلفة العلاج بالمستشفيات الخاصة، وارتفاع أسعار الكشف في العيادات الخاصة، كما اقتصرت نسبة الذين يشملهم التأمين الصحي على 8 % فقط من المواطنين، رغم أن المستهدف الفعلي للتأمين الصحي هو نطاق 60 % من المواطنين".
ومما أخذته الدراسة على الانتقاص من صحة المصريين اتجاه السيسي على خصخصة قطاع الصحة، حيث بدأها باتفاقية إعادة هيكلة وتطوير مستشفى المنيل الجامعي (قصر العيني) في إبريل 2016  وتسببت هذه الاتفاقية في إهدار الخدمات المجانية التي يستفيد منها المواطن، فضلا عن مشاكل أخرى تتعلق بتدريب طلبة كلية الطب، إضافة إلى خصخصة مستشفيات التكامل الصحي، منذ نوفمبر 2016م وعرض 516 مستشفى للتكامل الصحي للشراكة مع القطاع الخاص، وتم الإعلان عن طرح عدد 70 مستشفى بدأ التنفيذ الفعلي في 45 مستشفى تتوزع على سبع محافظات على مستوى الجمهورية،
وتأكيدا على تأثر القطاع ظهر عدم الاعتناء بمطالب الموارد البشرية العاملة في القطاع الطبي وظهرت هجرة الكوادر الطبية، حيث صرحت وزيرة الصحة في شهر سبتمبر 2018م أن 60 % من الأطباء قد سافروا للخارج بحثا عن فرص عمل جيدة، كما أعلنت نقابة المهن التمريضية وجود عجز كبير بالهيئات التمريضية لأنهم يفضلون السفر للخارج أو العمل بالقطاع الخاص".
وأضافت أن عدد الأطباء في مصر تراجع مقارنة بعدد السكان عن المعدل العالمي المقابل له، ففي مصر يوجد 10 أطباء لكل 10 آلاف مواطن، بينما المتوسط العالمي هو 32 طبيب لكل 10 آلاف مواطن.
ووصل عدد الأطباء المستقيلين 6300 طبيب ما بين عامي 2016 – 2019م، بسبب الأجور المتدنية للأطباء، وغياب البيئة الآمنة لهم فضل عن الاعتقالات.

https://almasarstudies.com/authoritarianism-and-biopolitical-control-egypt-as-a-model/