بعد سبع سنوات عجاف منذ تعيينه محافظا للبنك المركزي 27 نوفمبر 2015، شهد فيها الجنية المصري انهيارا وتعويما ثلاث مرات وفقد فيها قرابة 60% من قيمته، غادر طارق عامر سفينة المال المصرية تاركا إياها وهي تكافح الغرق.
الصحف المصرية قالت إن طارق عامر "اعتذر عن الاستمرار في منصبه محافظا للبنك المركزي، والسيسي وجه له الشكر"، ما يعني أنها استقالة، لكنها في حقيقتها إقالة فلا يوجد مسئول في ظل الانقلاب قادر على إبداء رأيه في شيء فهو مجرد سكرتير للسيسي.
وبيان السيسي 17 أغسطس 2022 أكد أنه قبل "استقالة" طارق عامر، وأصدر قرارا بتعيينه مستشارا له، ووظيفة "مستشار" تهميشيه يتم مكافأة أي مسئول يجري استبعاده بها في مصر.
وحتى لو كان ما حدث هو "إقالة" من جانب السيسي لطارق عامر لأسباب ستظل مجهولة، وليست "استقالة" فهم مضطرون للقول إنها استقالة، لأنه وفقا للدستور لا يمكن إقالة رئيس البنك المركزي وانما تقديم استقالته.
فوفقا لمواد شكلية في دستور الانقلاب يعتبر محافظ البنك المركزي محصن ضد الاقالة الا إذا فقد أحد شروط العضوية أو أصبح غير قادر لأسباب صحية أو أخل بواجبات المنصب إخلالاً جسيماً، أو تغيب عن الحضور ثلاث جلسات متتالية أو خمس متفرقة خلال السنة، لذلك قيل استقال طارق عامر.
والمفارقة أن القرار جاء بعد أيام من نفى البنك المركزي «شائعة» استقالة عامر، الذي تولى في نوفمبر 2015، وتم التجديد له لفترة ثانية من نوفمبر 2019 وحتى نوفمبر 2023.
دلالات الإقالة
مراقبون اعتبروا اقالة او استقالة طارق عامر محافظ البنك المركزي، تؤكد المخاوف والتحذيرات التي أطلقها عدد كبير من خبراء الاقتصاد عن سوء سياسات التعويم وتخفيض الجنيه في السنوات الماضية، وضرورة المراجعة والتراجع والتصحيح.
أكدوا أن المهم ليس تغيير محافظ البنك المركزي لكن تغيير السياسات النقدية التي أوصلت اقتصادنا وعملتنا الى هذا المستوى بالتوقف عن القروض غير المبررة وطباعة العملة دون غطاء والخضوع لتعليمات صندوق النقد الدولي الذي يطالب بمزيد من تخفيض قيمة الجنيه ما يعني زيادة الأعباء على المواطنين.
افلاس
لكن فريق أخر اعتبر الاستقالة أو الإقالة مؤشر على اقتراب أكبر تخفيض رابع للجنية المصري وفق الشروط الدولية لإقراض النظام ومؤشر على الإفلاس ورجحوا أن يكون عامر فضل الاستقالة قبل تحميله مسئولية الانهيار الجديد للجنية وانه ربما رفض خطط للسيسي في هذا الصدد.
حيث جاءت استقالة طارق عامر محافظ البنك المركزي المصري بعد تقارير دولية تحدثت عن ضغوط لتخفيض سعر الجنيه مقابل الدولار بنسبة تزيد على 30% لتصبح قيمة الدولار أكثر من 22 جنيها مصريا.
الإقالة أو الاستقالة جاءت في أعقاب مطالبة 3 بنوك عالمية بخفض الجنية لأنه سعره بأكبر من قيمته بحسب موقع بلومبيرج الاقتصادي 16 أغسطس 2022.
أن مصر ستكون ملزمة بخفض قيمة الجنيه المصري لمواجهة الضغط المتزايد على اقتصادها، بينما تواجه مصر أزمة اقتصادية "غير مسبوقة"
بنوك "غولدمان ساكس" و"دويتشه بنك" و"سيتي جروب" أكدت أن على القاهرة تخفيض قيمة عملتها أكثر بالرغم من خفضها 15% في وقت سابق.
الوكالة الأمريكية قالت إن تحرير سعر صرف العملة مثّل مشكلة لمصر، في الوقت الذي تتطلع فيه الحكومة للحصول على قرض جديد من صندوق النقد الدولي.
وكان ملفتا أنه تمت اقالة طارق عامر محافظ البنك المركزي من منصبه، قبل يوم واحد فقط من اجتماع هام للغاية للبنك المركزي 18 أغسطس 2022 تراقبه وكالات الانباء بسبب الضغوط التي يتعرض لها البنك لتخفيض سعر الجنيه ورفع سعر الفائدة وتفاقم الأزمة الاقتصادية، وتأكيد خبراء أنه سيتم رفع الفائدة 1% ومن ثم انخفاض جديد في الجنية قد يعصف به ألي 21 جنيها مقابل الدولار.
ووصل الحصاد الاقتصادي المر لطارق عامر محافظ البنك المركزي إلى أن الدولار وصل الي 19.15 جنيه مصري وسط توقعات بتجاوزه حاجز 21 جنيها مصريا الاسبوع المقبل و25 جنيها قبل نهاية العام.
كما ترك عامر عجزا في الحساب الجاري قدره 5.8 مليار دولار أمريكي في الربع الأول من السنة المالية وهو أعلى عجز على الإطلاق.
وهناك أسباب فرعية عديدة قيلت لتبرير اقالته منها: هل تصريح زوجة طارق عامر بجريدة الأخبار على لسان زوجها رئيس البنك المركزي (في نفس يوم إقالته) بعدم رفع الفائدة في اليوم التالي على الجنيه وراء اقالته لأنها بذلك كشفت معلومة هامة.
أم لخلافات بين المجموعة الاقتصادية حول تراجع الجنيه وتدهور الاحتياطي النقدي وراء الاقالة السريعة التي تسمى سياسيا حاليا "استقالة" ليعين مستشارا للرئاسة بعدها؟
فقد ترددت أنباء عن أن مفاوضات "صندوق النقد" هي التي أطاحت بمحافظ "المركزي المصري" بسبب خلاف حول "التعويم الكامل" للعملة والاثار الضارة التي ستترتب على ذلك.
حيث أكد أستاذ الاقتصاد في الجامعة الأميركية هاني جنينة لموقع اندبندانت عربية أن ثمة "خلافاً بين محافظ البنك المركزي المصري ومسؤولي صندوق النقد الدولي في شأن طرق تحرير سعر صرف العملة المحلية مقابل العملات الأجنبية وهو أحد الأسباب الرئيسة التي دعته إلى تقديم استقالته قبل انتهاء ولايته.
قال أن "مطالب مسؤولي الصندوق تتمحور حول ضرورة تحرير سعر الصرف بشكل كامل وحر من دون تدخل السياسة النقدية في مصر، وهو ما رفضه عامر خوفاً من تآكل مدخرات المودعين في البنوك المحلية وحدوث اضرابات، علاوة على أن التحرير التام سيرفع الأسعار بشكل جنوني في مصر".
وقال إنه "باستقالة المحافظ أتوقع حصول القاهرة على قرض من الصندوق في أقرب وقت ممكن".
المخابرات ترأس "المركزي"!!
ما يزيد القلق هو تردد أنباء في الاوساط الاقتصادية أن رئيس البنك العربي الأفريقي سابقا ورئيس شركة المتحدة للخدمات الإعلامية حاليا (شركة المخابرات الإعلامية) هو الأقرب للفوز بمنصب محافظ البنك المركزي المصري بقوة من بين جميع المرشحين على الإطلاق.
وهو ما قد يعني إصرار السيسي علي تخفيض الجنية عبر اسناد قرارات الخفض والتوقيع على اتفاقات مع صندوق النقد الدولي للقروض مقابل خفض الدعم والجنية، إذ أن أي برنامج قرض من صندوق النقد يجب أن يوقع عليه محافظ البنك المركزي ووزير المالية.
وقد أكد الخبير نايل شافعي إن إقالة طارق عامر لا علاقة بها بأسباب اقتصادية وانما "الموضوع شخصي بحت بينه وبين حسن عبد الله، خليفته المرتقب والذي يرأس حالياً "الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية" التي تملك قنوات DMC التابعة للمخابرات الحربية".
أكد أنه وصلته رسالة من شخص مطلع على كواليس البنك المركزي بعد اتهام طارق عامر لحسن عبد الله بالفساد؟
أكد أن الصراع اشتعل بين محافظ البنك المركزي، طارق عامر، والعضو المنتدب للبنك العربي الإفريقي الدولي السابق، حسن عبد الله، بعد اتهام البنك المركزي بشكل مباشر لحسن عبد الله بإهدار 9.2 مليار جنيه وارتكاب مخالفات، وصفها البنك المركزي بالجسيمة.
تمثلت الاتهامات في منح كبار العملاء تسهيلات ائتمانية بلغت 9.2 مليار جنيه، واستخدام جزء منها في سداد تسهيلات وقروض ممنوحة لهم من البنك نفسه بقيمة 2.8 مليار جنيه، وبنوك أخرى بقيمة 191 مليون جنيه.
وبات هذا الاتهام مفاجئ خاصةً بعد إنهاء أزمة الإطاحة بحسن عبد الله من منصبة في رئاسة البنك العربي الإفريقي في سبتمبر 2018، والتي أصر فيها طارق عامر محافظ البنك المركزي على تعيين شريف علوي رئيسًا تنفيذيًا للبنك بدلًا من “عبد الله” الذي ظل في هذا المنصب لنحو 16 عامًا.
قالت المصادر أنه بالرغم من تمسك الجانب الكويتي ببقاء “عبد الله”، إلا أن “عامر” خاض معركة كبيرة نجح في إنهائها لصالحة والحصول على موافقة المسئولين بالكويت على تعيين شريف علوي، بعد جلسة ودية جمعت بين محافظ البنك المركزي ومسئولي الجانب الكويتي في لندن.
وأطاح طارق عامر، بحسن عبد الله، من البنك المركزي دون أن يتم مواجهته بأي تهم او مخالفات مالية، وهو ما ظهر مؤخرًا بعد أزمة مالية تتعلق بأحد أفراد أسرة “المحافظ”، والتي أتهم فيها طارق عامر محافظ البنك المركزي، حسن عبد الله بالوقوف وراء حملة ممنهجه لتشوية صورته أمام الرأي العام، بحسب مصدر مطلع، وبالتالي فإن هذه الاتهامات باتت للجميع تصفية حسابات بين الطرفين من وجهة نظر مسئول مصرفي بارز.
وشملت قائمة المخالفات التي وجهها البنك المركزي لحسن عبد الله، استخدام التسهيلات في زيادة رؤوس أموال شركات قائمة بنحو 950 مليون جنيه، ولسداد قيمة شراء أراض لهؤلاء العملاء، بقيمة 2.9 مليار جنيه.
كما ارتكب العضو المنتدب مخالفة مالية بحسب “المركزي”، بالتحايل لإظهار العملاء بصورة العملاء المنتظمين، وهو ما يخالف الواقع كلية.
وقال تقرير قطاع التفتيش والرقابة بالبنك المركزي، إن حسن عبد الله منح الشركات تسهيلات بما يخالف قرارات تأسيسها وطبيعة نشاطها، بل لم يقم بالمتابعة لاستخدام القروض والتسهيلات لبعض العملاء، واتضح عدم سلامة الدراسات الائتمانية لبعض الشركات.
وأضافت التقرير، أن عبد الله وافق على منح تسهيل لشركة مملوكة للبنك واستخدام جزء من القرض في عقد تأجير تمويلي، ثم استخدامه في سداد ديون للشركة، وتبين أنه يتولى منصب عضو مجلس إدارة تلك الشركة، بما يتعارض مع المصالح والاستفادة الشخصية من أموال البنك.
كما شملت قائمة مخالفات البنك تحت إدارة العضو المنتدب السابق، منح عملاء تسهيلات لسداد قروض من البنك العربي الإفريقي الدولي، وبنوك أخرى، ووافق على منح تسهيلات لشركات ضعيفة ائتمانية، ومراكز المالية متدنية، وسجل خسائرها طويل.
وأوضح، أن حسن عبد الله حصل ومسئولين كبار بالبنك على أموال دون وجه حق، وصلت إلى 5.2 مليون دولار في عام 2018 فقط، وأثبت تقرير التفتيش والرقابة بالبنك المركزي قيام العضو المنتدب بإجراء تعديلات على لائحة صندوق العاملين لصرف مستحقاته بالدولار بدلا من الجنية دون عرض التعديلات على مجلس الادارة وبمقتضى هذا صرف لنفسه 19.3 مليون دولار بزيادة 11 مليون ليصل إجمالي ما حصل عليه من أموال دون وجه إلى 24.5 مليون دولار اي بما يعادل أكثر من 411 مليون جنيه.
فيما حصل 7 مديرين على 119 مليون جنيه، وهي مبالغ وصفها التقرير بالمبالغة ولا تتناسب وحجم أعمالهم، بل تبين أن الصرف تم بالدولار، بخلاف لائحة البنك التي تعتمد الجنيه المصري عملة للمرتبات.
وقام العضو المنتدب للبنك العربي الإفريقي الدولي، بزيادة راتبه من 55 ألفا إلى 78.8 ألف دولار، دون الإفصاح عن ذلك، بالمخالفة لمبدأ الشفافية، وسحب مبالغ بالدولار إخلالًا بالنظام الأساسي للبنك، كما وافق على مد عمل بعض العاملين فوق سن التقاعد دون الرجوع لمجلس الإدارة، بحسب التقرير.