في تصريح فيه من البجاحة ما يفوق الحدود، قال وزير النقل في حكومة الانقلاب إن "جميع الوزارات أجمعت على زيادة أسعار التذاكر وأن المواطن لازم يسدد المديونية معانا" وزعم أن تأخير تطبيق زيادة تذاكر المترو والقطارات جاء مراعاة للحالة الاقتصادية التي يمر بها المواطن، مشيرا إلى أنه من المتوقع تطبيق الزيادة في تذاكر المترو والسكة الحديد نهاية الشهر الجاري.
يأتي ذلك في وقت تصدر هاشتاج #عالحديدة_ياسيسي قائمة الترند في مصر بعد أن عبر النشطاء من خلاله عن غلاء الأسعار والفقر المدقع الذي تعاني منه شريحة واسعة من الشعب، وتعيش مصر منذ انقلاب 2013 أزمة اقتصادية خانقة وزيادة أسعار الوقود والنقل، فضلا عن فرض الضرائب وارتفاع سعر رغيف الخبز وغيرها.
قد الدنيا
قبل تسع سنوات، وجه السفاح السيسي دعوة إلى الشعب المصري للتظاهر بالشوارع والميادين، لكي يقولوا للعالم إنهم "يؤيدونه ويفوضونه في فعل ما يراه من دون نقاش، لتخليص الوطن من الإرهاب وتنميته ليكون "قد الدنيا".
كانت هذه الدعوة إعلانا لحالة أبارتهايد مصرية ممتدة، واضحة آثارها على كل شيء، في جمهورية الخوف التي اخترعوا لها أخيرا اسم "الجمهورية الجديدة".
لكن يبقى أوضح آثار هذه الحالة أن من أكثر المتحمسين لتفويض الفصل العنصري بين المعارضة والموالاة من أصبح ضحية لانحيازه لتلك الدعوة المجنونة.
في ردود الأفعال على دعوة السفاح السيسي لتفويضه، كان القسم الأكبر من القوى السياسية التي تسمي نفسها مدنية، يحشد الجماهير للنزول إلى الميادين، لإعلان عسكرة الدولة المصرية وشطب العمل السياسي من قاموس المصريين وإسناد كل شيء للجيش والشرطة لكي تحيا مصر.
تمتلئ ذاكرة شهر يوليو منذ ذلك التفويض المشؤوم بالدماء الناجمة عنه، إذ بدأت عشية ذلك التفويض مذبحة بحق رافضي الانقلاب العسكري عند النصب التذكاري للجندي المجهول، راح ضحيتها أكثر من ثمانين مواطنا، لتعقبها مذابح ومجازر أكبر، كانت أشهرها مذبحة ميدان رابعة العدوية التي أودت بحياة الآلاف من المصريين.
وبينما يعتصر الفقر رقاب المصريين تتبادر إلى الذهن تلك الأسئلة، هل انتهى خطر الإرهاب المحتمل؟ هل صارت الدولة المصرية "قد الدنيا" وحل الرخاء وفاضت أنهار التنمية؟ بينما يتلفت المواطن حوله الآن، ولا يجد إلا أوهاما شاهقة، بحجم أضخم مسجد وبارتفاع أعلى مئذنة، وصور أعلى ناطحة سحاب في جزيرة الوراق التي جرت عملية تهجير سكانها واقتلاعهم من أراضيهم قسرا، فقط من أجل محاكاة صورة دبي الزجاجية الصماء، منزوعة الروح والحس.
من جهته علق الإعلامي الطبال أحمد موسى على قرار السفاح السيسي بـ إضافة ملايين المواطنين لـتكافل وكرامة، قائلا "ربنا كرمنا وبيكرمنا، في رئيس بيعمل كده غير عندنا؟ الرئيس بيتابع وعارف غلاء الأسعار في مصر والخارج، لكن هو عارف ظروف الناس، وعارف أن المرتبات والمعاشات مش بتكفي، جبر الخواطر، الرئيس السيسي بيجبر خواطر الناس".
وخلال تقديم برنامجه "على مسئوليتي" المذاع الآن عبر فضائية "صدى البلد" تابع موسى "كان عندنا 17 مليون مواطن في حياة كريمة، بعد الظهر أصبحوا 20 مليونا ، بسبب السيسي اللي بيحب شعبه، وبيقول ربنا يقدرني عشان أخدم الناس، وأنا فاكر في 2018 السيسي قال "أنا عايز ربنا يديني عشان أدي للناس، ويارب فعلا ربنا يديه".
وواصل موسى "السيسي شايف غلاء الأسعار وحاسس بالمواطنين، وبيجبر خاطرهم وعايز الناس تأكل وتشرب كويس، عشان كده القوات المسلحة هتنزل السلع بنصف السعر".
منابر الجنرال
وبعد سنوات طويلة من ذلك التفويض، قال السفاح السيسي للمصريين "اسمعوني كويس، جا ربنا قالي طيب أنا هخلي معاك أكتر من الفلوس هخلي معاك البركة وريني هتعمل إيه في بلدك، وهتعمل إيه لناسك؟ هتغير صحيح؟ هتصلح أحوال صحيح؟ هتراضي الناس صحيح؟ هتسعد الناس صحيح؟
هؤلاء الناس من حقهم، بل من واجبهم أن يسألوا أنفسهم عن الإصلاح والرضا والسعادة، والجنة التي وُعدوا بها ثمنا لمنحهم الجنرال السفاح تفويضا بالقتل والإبادة لكل من يعارضه أو يعترض على حكمه.
ولكن شيئا من ذلك كله مستحيل هذه الأيام، بعد كل هذه الضربات التي أنهكت الإنسان المصري، وسحقت روحه، حتى صار مطلوبا منه الآن أن يصفق ويهتف بحياة القائد الذي يغوص بالسفينة إلى قاع الفقر والمعاناة، مع الاستسلام الكامل لأوامر صندوق النقد والبنك الدوليين وإملاءاتهما، والانهيار المتسارع في سعر العملة المحلية، ومعها سعر المواطن الذي يجب أن يشكر الجنرال الذي قرر أن يتعطف ويمنحه مئة جنيه من أصل مئة وثمانين مليارا، كان يخبئها في خزينته الخاصة، وذلك لمواجهة أعباء الحياة.
الآن تنشط منابر الجنرال الإلكترونية والإعلامية لطرح سؤال تمهيدي على المصريين، لو طلب الزعيم تفويضا جديدا، هل تبخلون عليه وتتخلفون عن تلبية النداء؟
يتدحرج السؤال من صفحات تحمل مسميات أجهزة أمنية، وإعلاميين يتبعونها، بما يبدو معه وكأن النظام الفاشل يريد أن يشرك الشعب معه في هذا الفشل أو بالحد الأدنى، راضيا به وموافقا عليه، تحت تأثير المخدرات الوطنية ذاتها، حماية الوطن من الإرهاب، والذي صار هنا ليس فقط المختبئ في كهوف الجبال بالصحراء، وإنما كل معارضة تنادي برحيل الفاشل.
مئة جنيه تتحدث عنها الركبان في الفضائيات والصحف، من الزعيم الإنسان الحساس المرهف، ألا تكفيك أيها المواطن الوغد لكي تفوّضه مجددا أو تجدد التفويض القديم بالاستمرار في الخراب؟