كتب مثقف سلطوي مقالا نشر السبت 30 يوليو 2022م تحت عنوان « الحوار الوطني.. والمحبوسون وجدية الدولة»، يذهب فيه إلى أن الدولة أفرجت عن نحو 700 معتقل يقول فيه: «المفاجأة التى سمعتها من ضياء رشوان نقيب الصحفيين ورئيس الهيئة العامة للاستعلامات ومنسق الحوار الوطنى أنه تم إطلاق سراح نحو ٧٠٠ شخص من بين قوائم تضم ١٠٧٤ محبوسا يمثلون إجمالى القوائم التى تم تسليمها من مختلف القوى فى مصر»، ويعتبر الكاتب السلطوي ذلك برهانا على جدية الدولة بشأن الحوار الوطني!
ثم راح يدافع عن السلطة العسكرية ويبرر مواقفها «البعض كان يتحدث عن بطء عمليات الإفراج الأخيرة وثبت أن ذلك تغير أو لم يكن صحيحا، أما بالنسبة للإفراج عن الجميع فورا، فهو أمر على الجميع أن يدرك أن رئيس الجمهورية يملك العفو عن الذين صدرت ضدهم أحكام قضائية نهائية، أما المحبوسون احتياطيا فهم تحت ولاية النيابة العامة».
وينتهي إلى أن «إنهاء ملف المحبوسين أو التقليل من حدته سيجعل نجاح الحوار الوطنى أمرا حتميا والأهم أنه سيزيد من مناعة المجتمع بأكمله».
الأرقام الحقيقية
وعلى عكس الأرقام المفبركة والمضخم فيها من جانب الكاتب والمثقف السلطوي (رئيس تحرير الشروق عماد الدين حسين)، نشر موقع "مدى مصر" في نفس اليوم، السبت 30 يوليو 2022م، تقريرا بعنوان «2.4 % إجمالي المفرج عنهم في «العفو الرئاسي» من القائمة المقدمة من المجتمع المدني»، ويكشف التقرير أن من تم الإفراج عنهم حقا "56" حالة فقط من أصل 2418 حالة شملتها قوائم سبع منظمات مجتمع مدني. بما يعني أن نسبة من تم الإفراج عنهم قياسا إلى عدد المطلوب الإفراج عنهم من النشطاء العلمانيين لا تزيد عن 2.4% فقط (اثنان وأربعة من عشرة في المائة فقط). بينما يروج عماد الدين حسين وضياء رشوان أن عدد من تم الإفراج عنهم حوالي 700 حالة.
وحول سبب التباين في أرقام المفرج عنهم يعزو البعض سبب ذلك إلى أن لجنة العفو تضم المَخلىّ سبيلهم من خلال المحاكم إلى قوائم المُفرج عنهم بجهود الوساطة وهو ما يُعتبر بمثابة تعدٍ على حق القضاء والنيابة، إذ أن المحكمة تُخلي سبيل بعض المحبوسين أثناء جلسات تجديد حبسهم بعد الاستماع إلى مرافعات محاميهم، وهو المسار البعيد عن جهود لجنة العفو أو غيرها.
في المقابل، وفي الفترة نفسها خلال الأسابيع القليلة التي تلت الدعوة لإعادة تفعيل لجنة العفو الرئاسي وتشكيل لجنة الحوار الوطني، جددت المحاكم حبس ما لا يقل عن 4432 سجيناً سياسياً (إضافة إلى أولئك الذين جددت النيابة احتجازهم)، فضلاً عن تسجيل اعتقالات جديدة، شملت ضمت المئات وشملت عدداً من الصحافيين.
الخلاصة أن رئيس تحرير الشروق ــ الذي يتقاضى نحو نصف مليون جنيه شهريا ـ يرى في الإفراج عن مئات الأبرياء ضمن أكثر من 60 ألف معتقل سياسي ، برهانا على جدية الدولة بشأن الحوار الوطني ويدافع عن مواقف السلطة وهو نفسه الذي كان يعارض الحوار الوطني مع الرئيس المنتخب الشهيد محمد مرسي رغم أن السجون في عهده كانت بيضاء لا يوجد فيها معتقل سياسي واحد! كما كان الجميع (علمانيون وإسلاميون ومسلمين وأقباط) ينعمون بأعلى درجات الحرية والأمان بعدما تم غل يد الأجهزة الأمنية عن التدخل في الشأن السياسي. فلماذا تمردوا على الديمقراطية مع الإسلاميين ويدافعون عن الدكتاتورية مع الجنرالات؟! لأنهم خدم في بلاط السلطة، يسترزقون بالكذب وتسويق الروايات المفبركة وتسويغ سياسات السلطة حتى لو كانت شديدة الأذى والضرر بالأمة والجماهير. هم كذلك وسيبقون على الدوام ما دامت السلطة تسبغ عليهم بكل هذه الامتيازات الضخمة.
متى يكون الحوار ناجحا؟
وحول معايير نجاح الحوار الوطني ، يقول الدكتور مصطفى كامل السيد، في مقاله « مصطفى كامل السيد/ الحوار السياسى وتحدياته الوجودية» المنشور بالشروق بتاريخ الأحد 8 مايو 2022م: «لو خرجنا من هذا الحوار بإطلاق سراح جميع المسجونين السياسيين ورفع القيود على حريات التعبير والتنظيم، وفتحنا الباب أمام تغيير قوانين الانتخابات، لكان ذلك إنجازا عظيما يحسب للداعين له ولجميع المشاركين فيه». بينما يرى عماد الدين حسين أن «إنهاء ملف المحبوسين أو التقليل من حدته سيجعل نجاح الحوار الوطنى أمرا حتميا والأهم أنه سيزيد من مناعة المجتمع بأكمله». معنى ذلك أن حسين يسوق لأدنى مستوى من التطلعات بشأن المراهنين على هذا الحوار. وربما يكون قد تلقى توجيهات من الأجهزة الأمنية بذلك ودوره هو التسويق لهذا المستوى المتدني من التطلعات كرسالة للقوى العلمانية بألا تحلم أكثر من اللزوم. وهكذا يقلص المثقف السلطوي طموحات الجماهير من مسرحية الحوار إلى اعتباره ناجحا إذا تم الإفراج عن نحو ثلاثة آلاف معتقل علماني. فماذا عن عشرات الآلاف من الأبرياء في سجون العسكر؟ وماذا عن الحريات والديمقراطية؟ وماذا عن الأمن المائي المهدد بفعل سد النهضة الإثيوبي؟ وماذا عن إغراق البلاد في مستنقع الديون واعتماد السلطة على الاقتراض وخصخصة الشركات الناجحة وفرض المزيد من الرسوم والضرائب؟ وماذا عن موجات الغلاء التي لا تتوقف وعشرات الملايين الذين يئنون كل يوم من الفقر والجوع؟ كل هذا لا يهم ما دام المثقف السلطوي ــ عماد الدين حسين رئيس تحرير الشروق ــ ينعم بالامتيازات كل يوم وأرصدته في البنوك تتزايد كل شهر نصف مليون على الاقل بخلاف المنح الأخرى.