على مدار التاريخ كانت مصر تمتد من منابع النيل في الحبشة وأواسط إفريقيا إلى المصب في البحر المتوسط لتضم أراضي (أوغندا وإثيوبيا وإريتريا والسودان وجنوب السودان ومصر)، هكذا كانت في العصور الفرعونية وحتى تحكم حكم الغزاة الرومان والإغريق، وفي ظل الدولة العثمانية كانت تضم كل هذه الأراضي حتى قبل مائتي سنة في عهد محمد علي باشا (1805 ـ 1849) وأحفاده من بعده، وصولا إلى الملك فاروق.
اغتصب العسكر حكم مصر بانقلاب الضباط الأشرار في 23 يوليو 1852م، وكانت مصر تحت حكم الاحتلال الإنجليزي، ورغم ذلك كانت خريطة مصر تضم (مصر ــ السودان ــ جنوب السودان ــ سيناء ــ غزة ـ أم الرشراش "إيلات حاليا" ــ تيران وصنافير)، لكنها تقزمت تحت حكم العسكر، وكانت البداية في تجاهل تحرير منطقة "أم الرشراش" التي احتلتها عصابات الصهاينة سنة 1949م، وعندما نجح الانقلاب العسكري في الإطاحة بالنظام الملكي لم يتحرك الضباط لتحرير أم الرشراش وتجاهلوها تماما حتى تحولت إلى ميناء "إيلات" الإسرائيلي حاليا والذي يمثل أهمية إستراتيجية كبرى للاحتلال باعتباره المنفذ البحري الوحيد له على البحر الأحمر. ويتسبب ذلك في تهديد واسع للأمن القومي المصري حيث تبحث حكومة الاحتلال شق قناة مائية موازية لقناة السويس تبدأ من "أم الرشراش" المصرية المحتلة إلى البحر المتوسط لاستقطاب حاملات النفط وسفن الشحن العملاقة بدلا من قناة السويس.
ظلّت الحكومات المصرية المتعاقبة طوال الحكم الملكي تعتبر السودان جزءا لا يتجزأ من مصر، وأن المحاولات البريطانية التي كانت تهدف إلى إرغام هذه الحكومات للقبول بمبدأ استفتاء السودانيين لتقرير مصيرهم كانت مرفوضة من جانب النخبة السياسية المصرية، يقول أحد أهم رجالات الوفد ووزير الداخلية في الأربعينيات فؤاد سراج الدين: "إن فكرة استفتاء السودانيين كانت مستبعدة تماما، ومرفوضة لأنه لا يمكن إقرار استفتاء أسيوط مثلا". هكذا كانت السودان في نظر المصريين قطرا أصيلا، وجزءا لا يتجزأ من التراب الوطني، لكن انقلاب يوليو 1952م حرّك المياه الراكدة، وغيّر موازين القوى.
انفصال السودان
نجح محمد نجيب في توحيد السودانيين تحت لافتة الحزب الوطني الاتحادي، وجعلهم يتحمسون للوحدة مع مصر تزامنا مع بداية الفترة الانتقالية المقدرة بثلاث سنوات (1953- 1956)، وهي الفترة التي شهدت فيها مصر صراعا على الحكم بين نجيب وعبد الناصر.
في هذه الأثناء أسند ملف السودان للضابط صلاح سالم بهدف تعزيز الوحدة في نهاية الفترة الانتقالية المقررة بنهاية سنة 1955م، والغريب أن هذا الملف الحسّاس والمصيري قد أُعطي لصلاح سالم بناء على أمرين:
الأول: أن صلاح سالم قد وُلد في السودان حين كان والده يعمل هنالك ضمن قوات الجيش المصري المرابط على البحر الأحمر، ظنا من أعضاء مجلس قيادة الثورة أن صلاح سالم مؤهل بسبب هذه النشأة والميلاد لحمل هذا الملف الحساس والمصيري بين البلدين.
والسبب الثاني الذي يمثل مثار الاستغراب، هو ما يذكره اللواء جمال حماد كاتب بيان انقلاب يوليو الذي تلاه أنور السادات في شهادته على العصر مع أحمد منصور حين سأله: "هل كان صلاح سالم مؤهلا لحمل ملف السودان؟" ليرد: "صلاح سالم تولى ملف السودان بطريق المصادفة، فقد كان صلاح سالم ضمن سكرتارية الرئيس محمد نجيب، فاتصل به المقدم حسين ذو الفقار صبري المتولي رئاسة القوات المصرية في السودان بشأن مشكلة عساكر الحدود العائدين إلى السودان والمطالبين بحقوقهم المالية، فأرسلها بدوره صلاح سالم إلى أعضاء مجلس قيادة الثورة، ومن هنا كلما جاءت مشكلة من السودان فوّضه أعضاء مجلس قيادة الثورة لحلها". ليقاطعه المذيع: "دون أي خبرة أو معرفة أو أي شيء؟!" فيجيبه اللواء حماد: "ولا أي حاجة أبدا، هو اتولد هناك صحيح، لكن لا علاقة له بالسودان ولا يعرف شيء عن السودان خالص، وبعدين هو بالذات رجل غير دبلوماسي، يعني رجل عصبي رغم مزاياه الكثيرة مثل الذكاء والفهم، لكنه شديد الانفعال".
ألاعيب الإنجليز
كانت بريطانيا بدورها طوال الفترة الانتقالية تعمل على تقزيم وتقسيم السودان بين شماله وجنوبه، كما عملت على التفرقة وبث الشحناء بين مصر والسودان طوال سنوات الاحتلال، وكان هذا الأمر تحديا لصلاح سالم الذي قرر السفر إلى جنوب السودان، كما تقرب من الأميركان الذين كان من مصلحتهم طرد الإنجليز من مصر والسودان ليحلوا محلهم في الهيمنة على الشرق الأوسط. يقول اليوزباشي محمد أبو نار مساعد صلاح سالم لشؤون السودان إن الأميركان "ساعدوا صلاح سالم في دخول جنوب السودان عن طريق اتصالات مستر كافري السفير الأميركي في القاهرة، ومستر سويني ضابط اتصال السفارة".
وطبقا لمعاهدة التفاهم البريطانية المصرية بشأن السودان، فقد أُجريت الانتخابات في 25 نوفمبر 1953م وتحقّق ما كان يأمله الوطنيون في مصر والسودان على السواء، فقد سقط حزب الأمة أكبر الأحزاب التي عارضت قضية الوحدة بين البلدين، وفاز الحزب الوطني الاتحادي الذي خاض الانتخابات حول مبدأ الاتحاد مع مصر بنتيجة كبيرة، وكانت هذه النتيجة الكبيرة دليلا دامغا على رسوخ قضية "وحدة وادي النيل" لدى السودانيين قبل المصريين.
ارتقى إسماعيل الأزهري عاشق مصر والوحدة ليكون رئيس الوزراء الأول للسودان بعد الاستقلال في يناير 1954م، وزار بريطانيا في السنة نفسها التي استقبلته كما الملوك بهدف التأثير عليه للابتعاد عن الوحدة مع مصر، ليعود الأزهري من زيارته تلك متجها إلى القاهرة التي تكلم فيها مع عبد الناصر وصلاح سالم وغيرهم عن أسس الوحدة المنشودة، وآلياتها. في هذه اللحظة، تتفق كثير من المصادر على أن صلاح سالم كان يستهين بالأزهري "ولم يحاول أن يتفاهم معه بصراحة، أو أن يتفق معه على الحد الأدنى من أسس الاتحاد"؛ وكان الأزهري إزاء هذا الخداع والاستهانة يتجه ناحية المطالبين بالاستقلال وعدم الوحدة مع مصر رويدا رويدا.
جهل أم خيانة؟!
طوال عام 1954م كانت الضربات تتوالى من القاهرة على الخرطوم من "الضباط الأحرار"، رأى السودانيون ما جرى من المعاملة المهينة للنحّاس باشا زعيم الوفد الذي اعتبره الكثيرون منهم رمزا وطنيا وقف على الدوام ضد التآمر البريطاني الذي عمل على فصل السودان عن مصر، كما رأى الإخوان المسلمون في السودان ما جرى لإخوانهم في مصر من التعليق على المشانق، والتعذيب المروّع في السجون المصرية، بل رأى الشيوعيون السودانيون رفاقهم الروّاد يلعقون بلاط السجون، بينما على الجانب الآخر يتودد لهم النظام المصري، ولم يكن من العسير أن يستنتجوا ماذا سيحلّ بهم إذا ما امتدّ نظام الحكم الناصري إلى هناك.
على أن الطامة الكبرى التي نزلت بالسودانيين كانت الغدر بمحمد نجيب الرئيس الأول لجمهورية مصر، والمدافع الأكبر عن الوحدة مع السودان، والحق أن نجيب روى بمرارة وحسرة ما تعرّض له من غدر في مذكراته الشهيرة "كنت رئيسا لمصر"، والسياسة الفاشلة التي اتخذها عبد الناصر ومجلس قيادة الثورة في تعاملهم مع السودان والسودانيين، وكان أولها إزاحته عن حكم مصر، وقد اعتبر السودانيون على الدوام محمد نجيب الرجل الذي كان نصفه مصريا ونصفه سودانيا هو الضامن الحقيقي لمسألة الوحدة.
حين حاول جمال عبد الناصر فيما بعد إعادة العلاقات وكانت قد تدهورت بسبب عزل نجيب وبسبب السياسة الفاشلة التي اتبعها صلاح سالم مع السودانيين بالسب والرشوة والاحتقار، فقد سأل عبد الناصر السودانيين عن سبب التعنت وكأنه لم يكن يعرف، فأجابوه: "نجيب! ولما قال لهم جمال عبد الناصر: إن نجيب فرد، والفرد زائل، والعلاقة المتينة بين البلدين خالدة، كرروا: نجيب، وفقد عبد الناصر أعصابه وقال: ليس معقولا أن نضع فردا في كفّة وعلاقة بين شعبين في كفة أخرى. قالوا له: إننا جعلنا من نجيب رمزا لوحدة الوادي شماله وجنوبه وأنتم حطمتم هذا الرمز".
يقول نجيب في مذاكراته" «تحمّلت كل ما جرى لي بعد تمكّن عبد الناصر من السلطة بعد أزمة مارس 54 حتى لا تؤثّر استقالتي على نتيجة الاستفتاء حول الوحدة مع مصر في السودان، خاصة أن الحزب الوطني الاتحادي الذي كان يؤيد الاتحاد والوحدة مع مصر قد فاز في الانتخابات، لكن عبد الناصر ورجاله في مجلس الثورة لم يكن يشغلهم في ذلك الوقت موضوع السودان، كان كل ما يهمهم هو كيف يمكن إزاحتي والتخلّص مني».
وفي أعقاب الانقلاب على نجيب وعزله والتعامل معه بطريقة مهينة ووضعه رهن الإقامة الجبرية، خرجت الصحافة السودانية لتحذر من الوحدة مع عسكر مصر ، وراحت تصف كلا من صلاح سالم ومجلس قيادة الثورة بأنهم "فاشيون"، بل قالوا: "نفرض أن وحدة تمّت بشكل ما بين وادي النيل، فما الضمانات التي تكون لدى زعمائنا وأي فرص لهم مع هؤلاء المتنمرين المتعطشين للسلطة؟".
وفي شهادته على العصر مع الإعلامي أحمد منصور على قناة الجزيرة ألقى اللواء جمال حماد، أحد الضباط الأحرار، باللائمة على انفصال السودان عن مصر إلى جمال عبد الناصر وصلاح سالم ومجلس قيادة الثورة، فهو يؤكد أن نجيب كان قد نُزعت صلاحياته منذ مارس 1954م، وأنه كان في قصر عابدين بلا أي قوة، فلماذا عزلوه بهذه الطريقة الفجة في نوفمبر من العام نفسه، لماذا لم ينتظروا حتى تنتهي مسألة الوحدة مع السودان، بل ويؤكد أن السودان كان مسألة فرعية لا تهم عبد الناصر، فقد كانت عينه فقط على إزاحة مراكز القوى من أمامه، نجيب ثم صلاح سالم وأخيه جمال سالم بحجة الفشل في الملفات التي تقلّدوها.
كوارث صلاح سالم
كان صلاح سالم مع تقلده لملف السودان يتولى زمام وزارة الإرشاد القومي، أي وزارة الإعلام في وقتنا هذا، وكانت إستراتيجيته أمام اشمئزاز السودانيين من سياسة عبد الناصر ومجلس قيادة الثورة تقوم على شراء الذمم بالمال، وعلى التهديد والشتم من خلال الإذاعات والإعلام المصري الذي كان يديرهم، وكلتا السياستين ساهمت في تعميق الأزمة، وزادت الشروخ، للدرجة التي اضطر فيها إسماعيل الأزهري الرجل الذي طالما تحمس للوحدة، وجاء به السودانيون رئيسا للوزراء، اضطر ألا يتكلم عن ملف الوحدة من جديد خوفا من أن يشهر به، أو يظن به أنه يُشترى بأموال صلاح سالم.
وكان الخطأ الفادح الأخير لصلاح سالم سعيه لعقد جمعية عمومية للحزب الوطني الاتحادي لفصل إسماعيل الأزهري ولكي يُرقّي مساعده محمد نور الدين، لكن في هذه أيضا فشل صلاح سالم، وما جاء صيف 1955م حتى كانت صورة مصر في أعين السودانيين بائسة ملطخة بالكذب والدماء التي سفكها أعضاء مجلس قيادة الثورة.
اللحظة الكارثية
في مذكرات عبد اللطيف البغدادي أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة نراه يروي تفاصيل اللحظات الكارثية التي مرت على مجلس القيادة، ودور صلاح سالم حين جاء في أغسطس/آب 1955م يخبر عبد الناصر أن "السودان ضايع.. ضايع"، واتهام صلاح سالم بعض أعضاء مجلس قيادة الثورة بالتلاعب من وراء ظهره خصوصا أنور السادات وعلي صبري وأنهما ينفّذان المخطط البريطاني الأميركي الرامي لفصل السودان عن مصر، وأنه إزاء هذا الفشل قدم استقالته من مجلس قيادة الثورة ومن السلطة التنفيذية حتى يُخلي مسؤوليته عن انفصال السودان عن مصر بعد ثلاثة أشهر عقب هذا الحادث، وبالفعل قبل الأعضاء استقالته في النهاية ليس لفشله في هذا الملف، وإنما لأنه اتهم أعضاء في المجلس بالخيانة والعمالة!
يروي بغدادي أن مجلس قيادة الثورة استدعى عددا من الخبراء المصريين من أعضاء اللجنة المسؤولة عن ملف السودان ومن خارجها مثل اللواء صالح حرب وعبد الفتاح حسن نائب وزير الدولة لشؤون السودان وحسين ذو الفقار صبري عضو لجنة الحاكم العام بالسودان حينها، والصحفي في جريدة الجمهورية قاسم جودة أحد المهتمين بالشأن السوداني وقد زار السودان ووقف على الأوضاع الكارثية التي تسبب فيها صلاح سالم، يقول عبد اللطيف بغدادي على لسان قاسم جودة:
"إن سمعة مصر (في السودان) كانت سيئة للغاية بسبب الرشوة التي تُعطى وتبذل لكل إنسان حتى في الشارع مما دعا الناس إلى الشك في كل من يتكلم أو يدعو إلى الاتحاد مع مصر على أن وراء دعوته رشوة قد دُفعت إليه، وذكر أن المسؤولين هناك يُهاجمون مصر بأقسى الكلمات في الحفلات الرسمية وحتى في البرلمان السوداني نفسه، وأن كل المسؤولين في السودان قد أساءهم مهاجمة مصر لإسماعيل الأزهري (رئيس الوزراء السوداني) في الصحافة والإذاعة المصرية، وقد أضر ذلك بالعلاقة بين البلدين، وأن الكل في السودان أصبح يدعو إلى الاستقلال، وأوضح أن الصورة التي تُعطيها الصحافة المصرية عن الموقف في السودان تختلف تمام الاختلاف عن الحقيقة هناك".
مخطط أميركي إنجليزي
وفقا لتحليل محمد جلال كشك فإن انفصال مصر عن السودان كان إملاء أميركيا بضغط بريطاني على الدوائر العليا في مصر لاستمرار الدعم لانقلاب يوليو، ومجلس قيادة الثورة، وأن صلاح سالم كان ضحية هذه الألاعيب التي أشار إليها بالفعل ووجه بسببها أصابع الاتهام إلى أنور السادات وعلي صبري، يقول: "أيقنت الولايات المتحدة أن رفض بريطانيا لاتحاد مصر والسودان هو رفض نهائي لا سبيل لتذليله، لا بالمساومة ولا بالضغط؛ لأنه يمثّل إستراتيجية بريطانية أساسية وسياسية تاريخية في إضعاف مصر، ومنع امتدادها في أفريقيا السوداء، وقضية حيوية لحماية المصالح البريطانية الاستعمارية والصليبيبة في أفريقيا السوداء، ولو كانت وحدة وادي النيل قائمة لتذكّر الأوغانديون أنهم كانوا جزءا من السودان ومن مصر، وكان حاكمهم يُعيّن من القاهرة".
بل يرجع جلال كشك ويؤكد أن النتائج التي ترتبت على انفصال السودان وقبوله حق تقرير مصيره بعيدا عن مصر وعن الإرادة الشعبية فيها، كانت كارثة تكررت مرة أخرى حين فعل الرئيس المصري الأسبق أنور السادات الأمر نفسه حين دخل في مفاوضات كامب ديفيد مع الإسرائيليين، ويؤكد أن المصريين تقبّلوا الأمرين، ولكن "كان السودان أعزّ وأكثر رسوخا في الضمير الوطني المصري وقتها".
وهكذا، ضاعت السودان بفعل جهل عبدالناصر و صلاح سالم بالتعامل مع السودانيين، حتى اضطر المتحمسون للوحدة وكانوا أغلبية إلى أن يتواروا إلى الظل خجلا من هذه الأفعال المشينة، وانفصلت السودان في النهاية، وكان من الغرائب بعد ذلك أن تسعى مصر عبد الناصر وعبد الحكيم عامر إلى الوحدة مع سورية القطر الأبعد جغرافيا، وفي هذا الملف فقد فشلت فشلا ذريعا!