في كل انقلابات العالم العسكرية، آسيويا وأفريقيا تعلن أوروبا عدم رضاها عن العسكر وتسمي ما يحدث ب"انقلاب" على الديمقراطية والشرعية ويطالبون بالإفراج عن المسؤولين، ولكن في انقلاب مصر 2013، لم يطالبوا بالإفراج عن مرسي، رغم جلوسهم معه، بل أرسلوا كبيرة مفوضي الاتحاد الأوروبي كاثرين آشتون لتساومه على أن يكون "طرطورا" أو "ممرا آمنا" مقابل التنازل عن شرعيته وتطمئن المنقلبين ولكنها وجدت منه صمودا وقوة.
الشهادة سجلها كثيرون، منهم مراسل صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية كيركباتريك في كتابه "في أيدي العسكر" الذي أكد أن البرادعي سأل محمد حسنين هيكل ، أين السيسي ماذا ينتظر؟ كما أنه اتصل في اليوم التالي للانقلاب بوزير خارجية أميركا جون كيري ومنسقة الاتحاد الأوروبي كاثرين أشتون وبذل جهدا كبيرا لإقناعهما بأن عزل مرسي بداية جديدة للتحول الديمقراطي في مصر.
أما د.محمد سعد عليوة القيادي بجماعة الإخوان المسلمين فقال "الجانب الآخر (يقصد قادة العسكر ) أغلقوا كل المنافذ في وجه أي حل والمطلوب منا فقط أن نسلم بالوضع القائم ونعترف بالإنقلاب" وهذه رسائل كل الوسطاء الذين جاءوا إلينا حتى مسئولة العلاقات الخارجية للاتحاد الأوربي كاترين أشتون ، حين قابلت ممثلينا كانت هذه رسالتها أيضا، بحسب ما قال د.إبراهيم الزعفراني.
وفي 30 يوليو، نفي القيادي بجماعة الإخوان المسلمين الدكتور حسن البرنس، أن تكون الدول الغربية و الأوروبية داعمة للرئيس الشرعي الدكتور محمد مرسي، مشيرا إلى عدم ترحيب الاتحاد الأوروبي ببعض الاتفاقيات الصناعية التي أجراها مرسي بالبرازيل والصين و جنوب أفريقيا و الهند و باكستان و إيران و روسيا، كما أوضح رفض الدول الأوروبية للعلاقات المصرية التركية لأنها تهدد إسرائيل.
وأشار "البرنس" من خلال تدوينه له إلى أن أشتون الممثل السامي لاتحاد شؤون السياسة الخارجية والأمن، قد طالبت من التحالف الوطني لدعم الشرعية أثناء مقابلتها لهم بالاعتراف بالانقلاب كأمر واقع، و هو ما رفضه التحالف، منتقدا الموقف الأوروبي الذي وصفه بـالباهت من اختطاف الرئيس مرسي.
و قال "عندما تسمح سلطات الانقلاب لآشتون بزيارة مرسي ، بينما تمنع أسرته و محاميه يعني أن قيادة الانقلاب تدور كالعبيد في الفلك الغربي و لا تستطيع أن تقول لهم لا، كما اعتبر مطالبة أشتون بزيارة مرسي هو اعتراف ضمني بشرعيته، مؤكدا أن ميزان القوى مع مرسي على الرغم من مذابح الانقلاب".
وهو ما شدد عليه عبدالله محمد مرسي نجل الرئيس الشهيد في بيان صدر عن أسرة الرئيس في مارس 2018، وهو يرد على بعض النشطاء والسياسيين، و ما يعرف بتدويل ملف الرئيس مرسي وما يتعرض له من انتهاكات فقال إن "فخامة الرئيس ظل دائما معتزا بوطنه وشعبه ورفض كل محاولات التدخل الخارجي في الشأن المصري ، ولم يتحدث منذ الانقلاب العسكري إلا إلي الشعب المصري".
وقد سمح الانقلابيون بعد الانقلاب بزيارة السيدة كاثيرن آشتون رئيس المفوضية الخارجية للاتحاد الأوربي
وكذلك وفد الاتحاد الأفريقي من زيارة الرئيس ومقابلته دون طلب أو امتناع ولم يتحدث أحد وقتها عن تدويل أو تدخل خارجي .
عنوان السقوط
وكانت آشتون عنوان السقوط الأوروبي الأخلاقي، لذلك سارع الأوربيون إلى محو آثارهم بتجديد منصب كبير مفوضي الاتحاد الأوروبي إلى غيرها، والتقليل بالتدرج من ظهورها الإعلامي.
خاصة أن مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي أشتون دعت بعد لقائها الرئيس مرسي إلى العودة سريعا إلى العملية الديمقراطية ، بما في ذلك إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية حرة ونزيهة.
وقال مراقبون إن "أشتون لم تصف ما جرى على أنه انقلاب، وتقبل ضمنا بالإطاحة بالرئيس المنتخب وحكومته مع الدعوة إلى البدء من جديد وطي صفحة مرسي".
وأكد الدكتور عمرو دراج، وزير التخطيط والتعاون الدولي بحكومة الدكتور هشام قنديل، والذي كان طرفا في معظم اللقاءات مع آشتون وغيرها من الوفود الأجنبية مجموعة من الحقائق أبرزها، أنه لم يكن هناك أي تفاوض سياسي من أي نوع مع آشتون، الغرض الرئيس من جولات آشتون وويليام بيرنز مساعد وزير الخارجية الأميركي كانت بوضوح أن يسلم الرافضون للانقلاب بالواقع (الذي هو الانقلاب) وأن أي كلام عن أن آشتون قالت للإخوان إن "الدكتور محمد مرسي سيعود للحكم وبالتالي تصلبوا في مواقفهم هو ضرب من الخيال لا يستقيم مع الأجندات الدولية، وفيه تناقض واضح في المنطق".
وأضاف أن آشتون كانت في البداية تدفع للتفاوض السياسي بين حكومة الانقلاب والقوی الرافضة له، في محاولة واضحة لإعطائه الشرعية بالطبع.
وعندما زارت آشتون الدكتورمرسي في محبسه بعد أن قابلها وفدنا في زيارتها الثانية، اتصل بي صباح اليوم التالي جيمس موران سفير الاتحاد الأوروبي في مصر وقال لي إن "السيدة آشتون تريد مقابلتي لإحاطتي بما تم مع السيد الرئيس، وبالفعل ذهبت لمقابلتها ظهرا بحضور بعض المسئولين الأوروبيين دون وجود أي من الأطراف المصرية الأخری، و قالت لي إن الهدف من المقابلة أن أوصل رسالة إلی أسرة السيد الرئيس أنه بخير وفي حالة معنوية عالية ويدرك الوضع بدقه، وأن المكان الذي يوجد به معقول ونظيف.. إلخ، وعندما سألتها عن تفاصيل الحوار، قالت إنها ليست في حل من ذكرها لأن الرئيس غير متاح للتعليق إذا أغفلت شيئا، لكنها قالت إنها أبلغت الرئيس ببعض الأمور التي لا تظن أنها تروق له، لكن كان ينبغي لها قولها، طبعا ما علمته لاحقا نقلا عن السيد الرئيس نفسه، أنها قالت له ينبغي لك التسليم بالواقع ، وأن مجموع المحتجين في الشوارع في مصر كلها لا يتعدى 50 ألف شخص، فقال لها الرئيس بذكائه المعهود، لو كانوا 50 ألف كما تقولين لما أتيت لي لتحدثيني، طبعا هذا يبين بوضوح رفض الرئيس أي تنازل علی النحو الذي يزعمه البعض، كما أن الوفد الذي قابلها كما قلت لم يدخل في أية تفاصيل سياسية».
وكانت “آشتون” قد التقت بالرئيس مرسي في مقر اختطافه يوم 29 يوليو 2013 ، وقد كشفت ماجا كوسيجانيك المتحدثة، باسم كاترين آشتون، عبر تويتر أن آشتون التقت الرئيس محمد مرسي، وأجرت معه مناقشات عميقة أمتدت لساعتين، بينما كشفت مصادر سياسية رفيعة المستوى لـ”الأناضول” عن أن كاثرين آشتون، حصلت على موافقة لزيارة مرسي من سلطات الانقلاب بعد أن عرضت آشتون صيغة لحل الأزمة، وبعد أن تأكدت السلطة أنها ستعرض هذه الصيغة على مرسي وأن هذه الصيغة لا تتعارض مع خريطة طريق المرحلة الانتقالية.
وتشمل هذه الصيغة أن تضمن السلطات لمرسي “الخروج الآمن” ووقف الملاحقات القضائية، والإفراج عن معتقلي جماعة الإخوان المسلمين، وبقية التيار الإسلامي، مقابل فض اعتصام مؤيدي مرسي في ميداني رابعة العدوية ونهضة مصر ووقف كافة الأنشطة الاحتجاجية لأنصاره.
برناردينو ليون
وبعد أن غادرت آشتون تركت في مصر مبعوثها برناردينو ليون واضع خطة الانقلاب الذي ظل علی تواصل مستمر معنا حتى نهاية شهر رمضان علی النحو الذي ذكرت عدة مرات، أي أن أشتون غادرت مصر قبل فض رابعة بعشرة أيام علی الأقل، وليس بثلاثة أو أربعة أيام كما ذكر البعض، وتركز الحديث مع برناردينو عن كيفية السير في إجراءات تهيئة الأجواء أولا قبل أي تفاوض سياسي، وقد أبلغني في نقطة ما أن الإفراجات ستبدأ بالدكتور سعد الكتاتني والمهندس أبو العلا ماضي ثم الباقي، لكن طبعً اتضح أن كل هذا وعود كاذبه.
الإعداد للانقلاب
وعوضا عن اللقطة الأخيرة، مثلت تحركات أشتون والمسئولين الأوروبيين محاولة تنسيق جهود العلمانيين وحشدهم ضد د.مرسي لإسقاط الرئيس؛ والربط بينهم وبين المؤسسة العسكرية.
يؤكد الدكتور محمد محسوب، وزير الشئون القانونية في حكومة هشام قنديل أن آشتون لم تعرض ولم تعد ولم تنو أن تعرض ولا أن تعد بعودة الدكتور مرسي، ووجهة نظرها كانت واضحة في إغلاق الصفحة السابقة ماقبل 3 يوليو 2013 والبدء بصفحة جديدة، بما يعني إقرارا بنتائج الانقلاب، لكن محسوب كشف في تصريحات متلفزة ومدونة، عن مبادرة أوروبية طرحتها “آشتون” تتضمن تفويض الرئيس مرسي رئيسا للوزراء وفقا للدستور يدير مرحلة تجري فيها انتخابات مع الاحتفاظ بالدستور وعودة الجيش لثكناته، وتساءلت السيدة أشتون عن موقف الإخوان، فأكد لها الدكتور محمد علي بشر أنه يمثل الإخوان في اللقاء وأنه يقبله.
ولفت محسوب إلى أنه كان من ضمن المقترح الإفراج عن المعتقلين والقيادات ليكونوا شركاء في الحل وإنهاء الحملات الإعلامية التي تبيح دماء المعتصمين وتطالب فض الاعتصامات السلمية بقوة السلاح.
في هذه الأثناء دعا محسوب وسائل الإعلام وهيئات المجتمع المدني والأحزاب للذهاب إلى الاعتصام والتأكد من خلوها من أي سلاح، وهو الحل الذي أشار إليه الدكتور البرادعي وقبل به، لكنه رفض أن يُبشر به الشعب المصري في مؤتمره الصحفي مع أشتون مما دعاها للانسحاب.

مكمل للدور الامريكي
وقال موقع الشارع السياسي إن "تحركات “آشتون” والدور الأوروبي كانا جزءا من الخطة المرسومة بإحكام تحت رعاية الولايات المتحدة الأمريكية، وكان مكملا للدور الأمريكي لتمرير الانقلاب ومنحه الشرعية اللازمة، فقد وضع خطة الانقلاب برنارد ليون، والذي لم يكن له أي صفة رسمية قبل الانقلاب؛ ثم تحول إلى مبعوث خاص لآشتون بعد الانقلاب".
وأضاف الموقع أن أوروبا استخدمت “أشتون” الكذب بالزعم للرئيس مرسي في مقر احتجازه أن المحتجين ضد الانقلاب لا يزيدون عن خمسين ألفا؛ من أجل الضغط على الرئيس للتسليم بالانقلاب والاعتراف به بما يسهل مهمة الأوروبيين الراغبين في الإطاحة بمرسي والإسلاميين، وقد برهنت آشتون على انحيازها عندما صرحت في مايو 2014 خلال ندوة نظمها مجلس شيكاغو للعلاقات الدولية بالولايات المتحدة، أن مصر تمر بدون شك بمرحلة دقيقة، وتريد النجاح وترغب في دعم المجتمع الدولي لها في مكافحة الإرهاب الحقيقي الذي تتعرض له. فقد اعتبرت “أشتون” المدافعين عن الديمقراطية “إرهابيين” بينما تجاهلت تماما مذابح الانقلابيين الوحشية، وتحولت إلى بوق دعاية للسيسي عندما قالت إنه المرشح الأوفر حظا بالفوز.
ومن جانب استكمال دورها بالانقلاب، عندما سئلت “آشتون” عن أحكام الإعدام الجماعية التي طالت مئات الإسلاميين خلال جلسة واحدة كما جرى في جنايات المنيا، قالت إن "هناك سوء فهم وأن هذه الأحكام أولية وليست نهائية، وهي التصريحات التي اعتبرت دعما للانقلابيين، وبرهنت على انحيازها أيضا عندما كافأها الانقلابيون باستضافتها هي وأسرتها على حساب الشعب المصري في محافظة الأقصر بدعوة من وزير السياحة بحكومة الانقلاب هشام زعزوع، وبينما كات آلة القتل تسحق الآلاف كانت آشتون تستمتع بشمس الأقصر الدافئة على حساب المصريين الفقراء، وقد استقبلها السيسي خلال هذه الفسحة؛ حيث صرحت بعد لقائها السيسي، أنها تعلم صعوبة اتخاذ السيسي قرار الترشح لرئاسة الجمهورية، لكنه قرار شجاع وصعب في ظل التحديات التي تواجه مصر.
وخلص الموقع إلى أن آشتون لم تقدم اقتراحا واحدا ضد الانقلاب وضد خريطة الطريق التي رسمها العسكر، ولم يصف أي بيان لأي دولة أوروبية ما جرى في 03 يوليو بأنه انقلاب، وإن كانت عواصم أعلنت رفضها لتدخل الجيش مثل لندن وبرلين وأوسلو.