آثار إعلان دولة العسكر عن بيع أصول وممتلكات الدولة حالة من الرفض والاحتجاج بين مختلف فئات الشعب المصري ، مؤكدين أن نظام الانقلاب بقيادة عبدالفتاح السيسي يرتكب جريمة جديدة في حق المصريين خاصة الأجيال الجديدة التي رهن مستقبلها بالديون الخارجية التي ستصل إلى 175 مليار دولار بنهاية العام الحالي ، بجانب تضييع ممتلكات الدولة وأصولها ، ما يعني أن هذه الأجيال سوف تعيش على التسول والتذلل للخارج .
كان مصطفى مدبولي، رئيس وزراء الانقلاب قد أطلق في 13 يونيو الجاري ما أسماه، الحوار المجتمعي بشأن ما وثيقة "سياسة ملكية الدولة"، وهي الوثيقة التي تكشف موقف دولة العسكر من القطاعات الاقتصادية المختلفة وأصولها المملوكة لديها خلال السنوات الخمسة المقبلة.
وقسمت الوثيقة تلك القطاعات المدرجة تحت بند "أصول الدولة" إلى 3 أقسام: الأول يشمل القطاعات التي ستخرج منها دولة العسكر بصورة نهائية خلال 3 سنوات، والثاني تلك التي ستقلل حكومة الانقلاب من حجم الاستثمارات فيها مع منح مستثمرين أجانب حق المشاركة، أما القسم الثالث فيتضمن القطاعات التي ستتوسع دولة العسكر في الاستثمار فيها.
كان السيسي قد كشف خلال حفل "إفطار الأسرة المصرية" في أبريل الماضي عن سعي عصابة العسكر إلى جمع 40 مليار دولار من بيع الأصول المملوكة للدولة بمعدل 10 مليارات دولار سنويا لمدة أربع سنوات لتعزيز احتياطي البلاد من العملات الأجنبية، بما يساعد على الوفاء بالتزاماتها المالية والنقدية وفق تعبيره.
يشار إلى أن حكومة الانقلاب باعت في الآونة الأخيرة بعض الأصول المملوكة للدولة لدى البنوك والشركات والفنادق لسد العجز في سداد فاتورة الاقتراض الخارجي التي أوصلت الدين إلى مستويات قياسية، الأمر الذي أثار قلق المتابعين من أن يكون الحوار الوطني الذى طرحه السيسي ليس سوى جسر لتمرير هذا التوجه الجديد تحت عنوان وثيقة "سياسة ملكية الدولة"
لحظة كارثية
من جانبه أكد البرلماني السابق والمعارض أحمد الطنطاوي أن مصر تعيش لحظة كارثية الآن، مشيرا إلى أنه حذر من هذه الكارثة منذ عام 2017، حين أطلق رؤية شاملة باسم الطريق الثالث.
وكشف الطنطاوي في تصريحات صحفية أنه كان من المفترض أن تنتهي ولاية السيسي هذا العام بمرور ثماني سنوات، مثلما قال دستور الانقلاب، ومثلما وعد هو نفسه ، مؤكدا أن أفضل شيء ممكن أن تقدمه سلطة الانقلاب الحالية هو أن تتحول إلى سلطة سابقة بانتخابات ديمقراطية ونزيهة، ويا حبذا لو كان هذا في أقرب وقت ممكن.
وحول بيع أصول الدولة من جانب حكومة الانقلاب قال "هو كل ما تتنزق تبيع أو تستلف إلى حد يهدد سلامة الوطن واستقلال قراره، هي كل الدول اللي مرت بالظروف اللي إحنا فيها دي ملقتش حلول ، هو لازم يحكمها حد ملهم أو بيجيله وحي، المؤشرات دي بتقول الناس دي فاشلة.
وأضاف الطنطاوي ، السيسي عندما قدم نفسه مرشحا في انتخابات عام 2014 بوعود بتحسن الأوضاع في غضون سنتين، كان يعرف الموقف على الأرض وكان مفترضا بحكم الدستور وبحكم وعوده التي قطعها على نفسه في مناسبات عديدة أن تنتهي مدته بعد فترتين، وهو أيضا الذي قال إن "الناس ستبدأ في جني الثمار خلال سنتين، وإن مشروعه سيكتمل في 8 سنوات".
وتساءل ، هل حدثت أي مستجدات بعد انقلابه أم أن الوضع الذي نتحدث عنه كان موجودا أصلا؟ يعني هل 25 يناير حدثت بعد انقلاب السيسي؟ أم أنه استولى على السلطة بعد 25 يناير؟ موضحا أن الأمر ليس البحث عن ذرائع ومبررات لأن هذا سهل جدا، والحقيقة أن هذه الطريقة لم تعد مقنعة للناس أصلا، فالناس لديها القدرة على الفرز والفهم حتى لو قرروا أن يمرروا أمورا كثيرة بمزاجهم.
هروب من المأزق
وأكد الكاتب الصحفي المتخصص في الشأن الاقتصادي عادل صبري أن حكومة الانقلاب رغم تبنيها لبيع أصول الدولة كأحد الحلول السريعة للهروب من المأزق ، إلا أنها غير قادرة حتى الآن على تدبير تمويل العجز في الموازنة من عوائد بيع تلك الأصول، وذلك بسبب عدم انتهاء المؤسسات المالية من تقييم تلك الأصول المطروحة للبيع للصناديق السيادية العربية.
وقال صبري في تصريحات صحفية "رغم إعلان رئيس وزراء الانقلاب عن خروج حكومة الانقلاب بشكل كلي أو جزئي من 79 نشاطا اقتصاديا على مدار 3 سنوات قادمة، لكنه لم يقدم للجهات الفنية قائمة نهائية بالأصول التي ينتوي بيعها، وهو ما يثير الكثير من الشكوك".
وكشف أن حكومة الانقلاب تستهدف بيع أصول بقيمة 10 مليارات دولار، لصندوق الثروة السعودي السيادي، خلال الفترة المقبلة، بجانب بيع بعض الأصول البنكية والمؤسساتية الأخرى لصناديق خليجية أخرى، الأشهر الماضية، فضلا عن الحصول على تمويلات بقيمة 15 مليار دولار من قطر والإمارات والكويت لدعم الاقتصاد.
وأعرب صبري عن تخوفه مما يسمى الحوار الوطني الذي يطرحه السيسي ، متوقعا أن يكون هذا الحوار مجرد قنطرة يشرعن من خلالها نظام الانقلاب بيع أصول الدولة تحت ستار وثيقة "سياسة ملكية الدولة" هربا من المأزق الحالي الذي لا يتوقع عبوره في ظل غياب الخطط الاقتصادية القادرة على تغيير الوضع دون الحلول الكارثية كالاقتراض وبيع الأملاك العامة، تلك الفاتورة التي لن يسددها إلا المواطن الفقير الذي يتحمل من جيبه الخاص أكثر من 80% من دخول دولة العسكر سنويا.
أصول عامة
وقال عبد المجيد راشد عضو الهيئة العليا لحزب الكرامة "ما يتم تقديمه على أنه حوار عن وثيقة سياسة دولة العسكر تم تفريغه من مضمونه، مشيرا إلى أن حكومة الانقلاب مضت بالفعل في طريقها لبيع الأصول وطرحها للمستثمرين لشرائها".
وتساءل راشد في تصريحات صحفية ، ما الذي سيتم التحاور بشأنه بعد ذلك ؟
وأشار إلى أن الوثيقة لم تعرض على الشارع المجتمعي من قبل، مؤكدا أنه حين تم عرضها بشكل رسمي على هامش الحوار الحالي قوبلت بالرفض من بعض الكيانات من بينها "حزب الكرامة" الذي قال في بيان له إن "الوثيقة خطة لاستحواذ رؤوس الأموال على أصول عامة قائمة بالفعل، بعضها حساس (مستشفيات ومدارس ومرافق عامة وموانئ) وليست وثيقة لتشجيع الاستثمارات التي من المُفترض أن تُنشئ تلك الأصول من العدم، وإضافة قدرات اقتصادية جديدة".
وأكد راشد أن حزب الكرامة حمل في بيانه حكومة الانقلاب مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية من تأزم، مرجعا ذلك إلى ما أسماه الانحياز لسياسات الاستدانة بشكل غير مسبوق، ما نجم عنه مضاعفة حجم الدين لأكثر من 400% خلال 8 سنوات فقط، فضلا عن غياب فقه الأولوية في التعامل مع المشاريع، إذ أنفقت دولة العسكر الجزء الأكبر من ميزانيتها في مشروعات تفتقر إلى الجدوى وهو ما تسبب في النهاية في ارتفاع معدلات البطالة والتضخم وتهاوي العملة المحلية وفقدانها لقيمتها الشرائية ومعها زيادة أعداد الفقراء.