كان شهر يونيو 2012 ساخنا للغاية؛ ذلك أن مصر كانت على وشك الانتهاء من المرحلة الانتقالية التي أعقبت ثورة 25يناير2011م، والتي كان يديرها المجلس العسكري برئاسة المشير حسين طنطاوي؛ بناء على خطة الطريق التي رسمها استفتاء 19 مارس 2011م؛ فالسلطة التشريعية قد تم تسليمها فعليا إلى البرلمان المنتخب في 23 يناير 2012م، ولأول مرة تشهد مصر برلمان منتخبا بإرادة الشعب الحرة منذ انتخابات 1950م التي فاز بها حزب الوفد برئاسة النحاس باشا. وكانت مصر على موعد لجولة الإعادة (16 و17 يونيو) بين مرشح الثورة والتيار الإسلامي الدكتور محمد مرسي، ومرشح الجيش والدولة العميقة ونظام مبارك الفريق أحمد شفيق؛ وبذلك يتم تسليم السلطة التنفيذية إلى رئيس منتخب بإرادة الشعب الحرة.
لكن المجلس العسكري كان يدبر في الخفاء وعبر أدوات الدولة العميقة لهدم المسار كله ونسفه نسفا وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء مرة أخرى؛ ودبر الجنرالات محاولة انقلاب ناعم مركبة لنسف المسار كله تكونت هذه المحاولة الانقلابية التي كتب لها الفشل من أربعة إجراءات:
الإجراء الأول، في 04 يونيو أصدر وزير العدل قرار الضبطية القضائية ونشر في الوقائع المصرية يوم 13 يونيو، وهو القرار الذى أعاد من الناحية العملية حالة الطوارئ.
الإجراء الثاني، في 14 يونيو، صدر حكم المحكمة الدستورية بإبطال مجلس الشعب وحله كليا ونشر في الجريدة الرسمية في ذات اليوم في سابقة لم تحدث من قبل في تاريخ المحكمة. حكم الدستورية بحل البرلمان كان سياسيا بامتياز؛ ذلك أن المحكمة قضت ببطلان ثلث مقاعد البرلمان (الثلث الذي انتخب فرديا) لكنها قضت بحل البرلمان كله. كما أن حل البرلمان ليس من اختصاص المحكمة بل دورها يتعلق بمدى دستورية أو بطلان القانون الذي جرت على أساسه الانتخابات. وحتى إذا قضت ببطلان القانون كله فإن المجلس يبقى مؤديا دوره التشريعي لحين انتخاب مجلس جديد لتسليم السلطة التشريعية له وعدم فراغ السلطة التشريعية؛ لكن المحكمة قضت بحل البرلمان وهي سابقة لم يحدث لها مثيل في العالم؛ فلا يجوز لسلطة من سلطات الدولة الثلاث أن تمحي بجرة قلم سلطة أخرى وتقود البلاد إلى فراغ مثل هذا. ولم يسمع للتيار العلماني بأحزابه ورموزه أي اعتراض على حل البرلمان؛ بل أبدى معظم أحزابه ورموزه فرحة عارمة بحله لأن أغلبه من الإسلاميين. لكن المجلس العسكري كان يريد ذلك تماما. وهو الذي رسم هذا السيناريو بكل تفاصيله. لكن المجلس واجه عقبة دستورية قانونية؛ ذلك أن الإعلانات الدستورية التي أصدرها خلت من اختصاص حل البرلمان المنتخب، لكن المحكمة الدستورية تكفلت بحل هذه الورطة بالنص في حكمها على كون المجلس منحلا بقوة القانون بهدف قطع الطريق أيضا على الرئيس المنتخب في إمكانية الدعوة لاستفتاء شعبي علي حل البرلمان فنصت في حكمها علي (بما يترتب عليه زوال وجوده بقوة القانون اعتباراً من يوم انتخابه دون حاجة إلي اتخاذ أي إجراء آخر).
الإجراء الثالث، فى 17 يونيو ــ آخر يومى انتخابات الإعادة لرئيس الجمهورية، صدر إعلان دستورى معدل للإعلان السارى الصادر فى 30 مارس 2011، يمنح سلطة التشريع للمجلس الأعلى للقوات المسلحة بدلا من البرلمان المنتخب الذي جرى حله بجرة قلم، ويمنحه أيضا حق اختيار اللجنة التأسيسية لسن الدستور. كما حصن أعضاء المجلس العسكري بشخوصه من العزل لحين سن الدستور، كذلك منح المجلس العسكري سلطة إقرار الموازنة.
معنى ذلك ــ بحسب الفقيه الدستوري المستشار طارق البشري ــ أنه خلال خمسة أيام من 13 إلى 17 يونيو صدر من الوثائق ما تغير به الوضع السياسى فى مصر وتحول به إلى النقيض، كنا على أبواب إتمام تنظيم ديمقراطى شامل لمؤسستى السياسة فى الدولة المصرية، وهما السلطتان التشريعية والتنفيذية، وهى عملية استغرقت ثورة شعبية ثم عاما ونصف العام بعدها، ولكننا عدنا فى خمسة أيام إلى ما انتكست به هذه العملية، عدنا إلى 10 و11 فبراير 2011 عندما صدرت البيانات العسكرية الأولى التى أعلنت تولى المجلس العسكرى للسلطات السياسية مع الإطاحة بحسنى مبارك وحل مجلسى الشعب والشورى. مع فارق أساسى أننا فى فبراير 2011 كان ثمة أفق ديمقراطى ينفتح، وصار فى يونيو 2012 أفقا ديمقراطيا ينغلق. كانت مصر على وشك الانتهاء فعليا من المرحلة الانتقالية وتسليم السلطة من المجلس العسكري إلى سلطة مدنية منتخبة؛ فقد تم تسليم السلطة التشريعية للبرلمان المنتخب في 23 يناير 2012م، وكانت مصر على موعد مع جولة الإعادة في الانتخابات الرئاسية بين مرسي والفريق شفيق، يومي (15 و16يونيو) معنى ذلك تسليم السلطة التنفيذية لرئيس منتخب خلال عدة أيام بمجرد ظهور نتائج جولة الإعادة في الانتخابات الرئاسية. لكن المجلس العسكري عبر (حكم الدستورية بحل البرلمان ثم إعلانه الدستوري المكمل في 17 يونيو) انقلب على المسار الديمقراطي كله وأعاد لنفسه الجمع بين سلطتي التشريع والتنفيذ.
الإجراء الرابع، كانت تبقت خطوة واحدة على الانقلاب هو إعلان فوز الفريق شفيق بانتخابات الرئاسة؛ وحبذا لو جاء ذلك بإرادة الشعب متوفقا على مرسي؛ كان ذلك يعني أن الجيش استرد الحكم منفردا في كل شيء، لكن مؤشرات النتائج أثبتت أن مرسي متقدم بنحو مليون صوت؛ وبالتالي كان سيناريو تزوير النتيجة لحساب شفيق؛ لكن الإخوان وحزب الحرية والعدالة قطعوا الطريق على الانقلابيين بهجمة مرتدة سريعة أحرزوا بها هدف الحسم؛ فالنتائج وفقا لمحاضر فرز اللجان الموقعة من القضاة تعلن عن فوز مرسي بفارق مليون صوت عن شفيق (13.25 مليونا مقابل 12.25 مليونا لشفيق).وطبع كتاب بذلك خلال يومين فقط وضع المجلس العسكري واللجنة المشرفة على الانتخابات في ورطة كبرى؛ ويبدو أن هذا الإجراء الذي قامت به حملة مرسي وحزب الحرية والعدالة وقتها قد ضيق الخيارات أمام المجلس العسكري، الذي كان ينوي بالفعل تزوير نتائج الانتخابات؛ وردود طنطاوي خلال التسريب الذي بثه مسلسل "الاختيار 3" تبرهن على ذلك؛ فمع اليقين بفوز مرسي بالانتخابات بفارق نحو مليون صوت، تم تأجيل إعلان النتيجة التي كانت معروفة بالفعل فجر يوم الإثنين 18 يونيو 2012م، لا سيما وأن قانون الانتخابات الذي أقره برلمان الثورة وضع ضمانات تحول دون التزوير و التلاعب بالنتيجة فقد ألزم كل رئيس لجنة فرعية بفرز وإعلان النتائج بحضور مندوبي المرشحين والتوقيع وختم محضر الفرز؛ وبالتالي كان صعبا تزوير النتائج في ظل هذا الإجراء الذي يرفع مستوى النزاهة والشفافية. ومع فشل الإجراء الرابع أفشل الإخوان محاولة انقلاب ناعمة في صيف 2012 الذي كان ملتهبا.