دلالات اتهام شيخ الأزهر لنظم غربية بصناعة الإرهاب وتوظيفه سياسيا

- ‎فيتقارير

خلال استقباله وفد الكلية الملكية البريطانية لدراسات الدفاع بمقر المشيخة الأربعاء 25 مايو 2022م، برئاسة ملحق وزارة الدفاع البريطانية اللواء ستيفين ديكين، وممثلين لإحدى عشرة دولة، لتبادل الرؤى والخبرات في مجال مكافحة «الإرهاب والتطرف»، أكد الدكتور أحمد الطيب،  شيخ الجامع الأزهر، أن الإرهاب «صناعة» بعض الأنظمة السياسية الغربية، مؤكدا أن الإرهاب ظاهرة سياسية لا دينية، وأن هذه الدول الغربية التي صنعته هي من تقوم بتصديره للعالم وإلصاقه بالإديان لتحقيق مكاسب وأجندات بالغة التعقيد.

وفي تصريحات سابقة للدكتور الطيب في يونيو 2021م،  أكد شيخ الأزهر أن «اليمين المتطرف بات يمارس الإرهاب والقتل في المجتمعات الغربية، وأصبح خطراً يهدد المواطنين الآمنين، ويتخذ أسلوب جماعات التطرف والإرهاب نفسه في الشرق»، محذراً من «تمدد هذه الجماعة الإرهابية التي تربت على كراهية المسلمين واستباحة سفك دمائهم البريئة، ونشر الخوف والرعب بين الآمنين في الغرب بمن فيهم المواطنون المسلمون». وهي التصريحات التي جاءت تعليقا على هجوم شنه إرهابيون من اليمين المتطرف استهدف أسرة مسلمة في مقاطعة أونتاريو الكندية وأدى إلى مقتل 4 أشخاص وجرح طفل. وطالب شيخ الأزهر المجتمع الدولي بـ«المبادرة لوضع حد لهذا التيار الإرهابي وأمثاله قبل أن تندلع شروره وآثاره المدمرة والمهلكة للحجر والبشر، وتصنيفه جماعة إرهابية، وإدراجه ضمن تيارات الإرهاب في العالم». وحذر من أن «اليمين المتطرف و(داعش) وجهان لعملة واحدة، والإرهاب ليس صناعة شرقية، وإنما كما يثبته (الهجوم في كندا) صناعة غربية أيضاً تنمو وتترعرع بصمت دولي مريب»، على حد قوله.

ولم تتوقف تحذيرات الطيب عند اتهام الغرب بصناعة الإرهاب فقط والتواطؤ والصمت على إرهاب اليمين المتطرف، بل ذهب إلى التحذير من إساءة استخدام الدعم والمساعدات المقدمة للدول الإسلامية الأكثر احتياجا من جانب مؤسسات وجهات التمويل الدولية والحكومات الغربية من أجل طمس الهوية الإسلامية لبلادنا، تحت لافتات براقة مثل الارتقاء بمستوى التعليم والأنظمة الصحية والتعريف بحقوق الإنسان والمرأة والطفل، وتوفير فرص حقيقية لارتقاء هذه المجتمعات من خلال توفير منح دراسية وفرص للتعرف على خبرات المجتمعات الأكثر تقدما، ومحاولة خلق وعي مجتمعي تجاه مختلف القضايا لا سيما في ظل هذه الظروف العصيبة التي يمر بها عالمنا منذ أكثر من عشر سنوات.

وفي بيان للمشيخة في 06 مايو 2022م، يؤكد أن «الأزهر الشريف إذ يقدر هذه الجهود ويدعمها ويشجع على استمرارها؛ فإنه يحذر وبشدة من أن تتخذ هذه الجهود للتسلل إلى داخل المجتمعات المسلمة واستهداف الدين الإسلامي؛ خاصة فيما يتعلق بمنظومة الأسرة وقواعد الميراث التي حددها القرآن الكريم وفسرتها السنة النبوية الشريفة، وذلك من خلال محاولة تشويه العدل الإلهي الممثل في قواعد الميراث في الإسلام، وتصويرها بالظالمة للمرأة والمغتصبة لحقوقها، والزج بهذه الدعوات في المؤتمرات والندوات والمطالبة بتغييرها بدعوى إنصاف المرأة ومساواتها في الحقوق مع الرجل.

وطالب الأزهر الجميع باحترام قواعد الدين الإسلامي والكف عن إساءة توجيه الدعم المقدم للمجتمعات المسلمة بهدف تغيير هويتها الدينية، والتعرض للمقدسات الإسلامية بشكل مباشر أو غير مباشر، من خلال دعم تيارات داخل المجتمعات تعمل ليل نهار لتنفيذ مخططات مدفوعة للنيل من قواعد هذا الدين الحنيف وتشويه صورته. ودعا الأزهر للنظر والتأمل في قواعد الزواج والميراث التي شرعها الله في الإسلام، واستلهام العبر من مبادئها والأصول التي بنيت عليها الحكمة والعدل الإلهي؛ والنظر في واقع المجتمعات التي جنبت الدين ونصبت الإنسان بديلا عن الخالق الحق، وما نتج عن ذلك من تفكك أسري، وزواج بلا ود أو رحمة، وأطفال بلا أب أو أم وبلا حقوق، ومحاولة دراسة هذا النظام الإلهي الذي حافظ على المرأة وكرمها، وكفل لها حقوقها وجعلها من أهم مقومات المجتمع المتحضر.

بهذه التصريحات فإن شيخ الأزهر يؤكد اتساع المسافة بين رؤاه وتصوراته عن الإرهاب عن رؤى وتصورات نظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي؛ فشيخ الأزهر ينظر إلى ملف الإرهاب وأسباب وجذوه وطرق معالجته، نظرة تختلف بشكل واسع عن تصورات النظام ومواقفه؛ فبينما يرى النظام أن الإرهاب ظاهرة إسلامية مبنية على تأويلات وتفسيرات متطرفه للإسلام، يرى الشيخ الطيب أن الإرهاب ظاهرة عالمية ولا يختص بدين معين. كما يرى الطيب أن الإرهاب ليس ناتجا عن تأويلات متطرفة بقدر ما هو رد فعل على المظالم السياسية والاجتماعية والتي تمثل السبب الرئيس لظاهره العنف والإرهاب.  وتصريحاته الأخيرة يؤكد فيها أن «الإرهاب ظاهرة سياسية لا دينية، وأن أنظمة سياسية غربية صنعته وصدرته للعالم وألصقته باليهودية والمسيحية والإسلام  لتحقيق مكاسب وأجندات بالغة التعقيد». وللشيخ الطيب تصريحات كثيرة بهذا الشأن حيث دعا إلى ملاحقة من يسيء للإسلام قضائيا ويرفض وصف «الإرهاب الإسلامي»، مؤكدا أن وصف المسلمين بالإرهاب خدعة ابتعلها الكثيرون. وطالب بعدم الرد على الإرهاب بإرهاب مماثل. وبالتالي فإن نظرة شيخ الأزهر إلى الإرهاب وأسبابه وجذوره وطرق معالجته تضع السلطة في موضع اتهام ومسئولية؛ وهو ما يجعل  الطيب مغضوبا عليه من جانب السيسي وأجهزته الأمنية.

ساهم في الفجوة بين الأزهر والسلطة، حرص الإمام الأكبر على أن يكون على مسافة من السلطة بأجندتها وسياساتها وتوجهاتها وإصراره على شيء من الاستقلال في المواقف، على عكس المفتي أو وزير الأوقاف، اللذين لا يحظيان بشيء من الاحترام  لا محليا ولا خارجيا؛ لإذعانهما الكامل للسلطة وأجهزتها  الأمنية والدفاع عن مواقفها مهما كانت بالغة الشذوذ والانحراف والظلم والتناقض مع قيم الإسلام ومبادئه وأحكامه.

كما أن الطيب يأبى أن يورط نفسه والأزهر الشريف باعتباره رمزا له في الضلال السياسي، وأن يكون بوقا للسلطة؛ فالرجل ــ وإن كانت عليه بعض الملاحظات ــ فإنه حريص كل الحرص على النأي بالأزهر شيخا ومشيخة عن القيام بالأدوار القذرة الداعمة لأجندة ومآرب السلطة، في أعقاب الانتقادات التي لاحقته بعد مشاركته في مشهد انقلاب 03 يوليو 2013م، والإطاحة بالرئيس المنتخب بإرادة الشعب الحرة، لا سيما بعدما كشفت السنوات الماضية حجم المؤامرة على الرئيس والدولة المصرية والتجربة الديمقراطية التي كانت وليدة.