تصريحات المستشار أحمد مكي، وزير العدل بحكومة الدكتور هشام قنديل، حول رعاية النظام للفساد في مصر وحمايته للفسدة والحرامية، هي كلمة حق أريد به وجه الله. وإذا كان مكي قد أشار باختصار إلى ما جرى مع المستشار هشام جنينه، الرئيس السابق للجهاز المركزي للمحاسبات، فإننا في هذا التقرير سوف نعيد التذكير بالقضية التي تعتبر بحق أعظم برهان على أن النظام هو الراعي الأكبر للفساد في بلادنا، وأن السلطة تصبغ مظلة حمايتها على كل الفسدة والمجرمين وناهبي المال العام.
وكان الدكتاتور عبدالفتاح السيسي قد أقال المستشار هشام جنينه من منصبه كرئيس للجهاز المركزي للمحاسبات يوم الإثنين 28 مارس 2016م، وتكليف نائبه المستشار هشام بدوي، رئيس نيابات أمن الدولة العليا خلفا له. ويعد الجهاز المركزي للمحاسبات هو الجهاز الرقابي الأبرز في مصر، حيث يختص بالرقابة على مجمل الأموال العامة وأموال الشخصيات العامة. وتعد واقعة إعفاء المستشار هشام جنينة من منصبه هي الأولى من نوعها منذ تأسيس الجهاز المركزي للمحاسبات في عام 1964. ويتبع الجهاز المركزي للمحاسبات -الذي يراقب مالية المؤسسات والهيئات الحكومية- رئاسة الجمهورية مباشرة، رغم أنه من المفترض أن يراقب الأوضاع المالية لمؤسسة الرئاسة نفسها.
إقالة المستشار هشام جنينة من منصبه كرئيس للجهاز المركزي للمحاسبات، جاءت على خلفية تصريحاته بأن حجم الفساد في مصر بلغ "600" مليار جنيه، الأمر الذي استفز الدكتاتور عبدالفتاح السيسي؛ لكنه بدلا من ملاحقة الفاسدين، راح ينكل برئيس الجهاز المركزي للمحاسبات حتى أقاله ثم زج به في السجن لاحقا. وقتها علق الكاتب الكبير فهمي هويدي على ذلك بقوله: «رئيس جهاز المحاسبات حين قام بواجبه وكشف عن الفساد فى أجهزة الدولة المصرية فإن اللوم وجه إليه وليس إلى المفسدين. ومن ثم أصبح هو المتهم والمدان وليس غيره، ولذلك فإنه أحيل إلى التحقيق وتحمل التنديد والتشهير، أما الذين نسبت إليهم وقائع الفساد فلم نعرف أن أحدا منهم مسه سوء». ويضيف « ملابسات ما جرى مع المستشار جنينة باتت معلومة للكافة. إذ لم يعد سرا أن الرجل مستهدف لأسباب عدة. أهمها انه دخل منذ اللحظات الأولى لتوليه منصبه فى عش الزنابير، لذلك ظل يلسع طول الوقت. ومشكلته الكبرى أنه تصرف كقاضٍ نزيه، أخذ على عاتقه أن يباشر عمله بجدية وصرامة، فأصبح بمضى الوقت شخصا غير مرغوب فيه من جانب الدوائر التى احتك رجاله بها فى أداء مهامهم. ذلك أنه لم يجامل المقامات الرفيعة ولم يراع حساسية وحرمة الأجهزة النافذة. ولأنه لم يقدر مدى قوة ونفوذ الأجهزة البيروقراطية والأمنية، وبالتالى لم يكن على استعداد للتفاعل مع قواعد اللعبة التى تفرض على كل مسئول تنازلات ومواءمات معينة تتضمن خطوطا حمراء يحظر تخطيها. وحين تخطاها الرجل فكان ينبغى أن يدفع الثمن وتنصب له الفخاخ والمكائد»
عش الدبابير
وتصاعدت حدة الخلاف مع جنينة عقب إعلانه، في مايو 2015، عن حجم الفساد في بعض مؤسسات الدولة، وقال إن عدد الصناديق الخاصة بوزارة الداخلية بلغ نحو 38 صندوقا بقيمة 12 مليار جنيه، إضافة إلى وجود مخالفات بقيمة 23.5 مليار جنيه بينها 2.5 مليار بجهاز أمن الدولة. وانتقد جنينة، خلال مؤتمر صحفي لاقي اهتماما محليا ودوليا، رفض وزارة الداخلية الخضوع للجهاز المركزي للمحاسبات، مضيفا أن "المركزي للمحاسبات" تقدم منذ عام 2011 بحوالي 428 بلاغا للنيابة العامة خاصة بإهدار المال العام ولم يتم التحقيق فيهم.
وعقب هذا المؤتمر بأقل من شهرين أصدر السيسي قرارا بقانون، في يوليو 2015، يجيز لرئيس الجمهورية إعفاء رؤساء وأعضاء الهيئات المستقلة والأجهزة الرقابية من مناصبهم. وحدد القانون رقم 89 لسنة 2015 أربع حالات يجوز فيها إعفاء رؤساء الأجهزة الرقابية من مناصبهم وهي "وجود دلائل على ما يمس أمن الدولة وسلامتها، وفقدان الثقة والاعتبار، والإخلال بواجبات الوظيفة بما يضر بالمصالح البلاد أو أحد الأشخاص الاعتبارية العامة، وفقدان أحد شروط الصلاحية للمنصب لغير الأسباب الصحية". الأمر الذي فسره كل الخبراء والمراقبين بأنه يستهدف جنينه على وجه التحديد.
وتنص المادة 216 من الدستور قبل تعديله سنة 2019م على أن "يعين رئيس الجمهورية رؤساء الهيئات المستقلة والأجهزة الرقابية بعد موافقة مجلس النواب بأغلبية أعضائه لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد لمرة واحدة، ولا يُعفي أي منهم من منصبه إلا في الحالات المحددة بالقانون، ويُحظر عليهم ما يُحظر على الوزراء". كما ينص القانون المنظم للجهاز المركزي للمحاسبات في المادة رقم 20 على أن "يصدر تعيين رئيس الجهاز بقرار من رئيس الجمهورية لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد لمدة أو مدد أخرى مماثلة متضمنا معاملته المالية، ويعامل من حيث المعاش وفقا لهذه المعاملة. ولا يجوز إعفاؤه من منصبه، ويكون قبول استقالته بقرار من رئيس الجمهورية". وهي المادة التي جرى تعديلها على النحو التالي: «يصدر بتشكيل كل هيئة مستقلة أو جهاز رقابى قانون، يحدد اختصاصاتها، ونظام عملها، وضمانات استقلالها، والحماية اللازمة لأعضائها، وسائر أوضاعهم الوظيفية، بما يكفل لهم الحياد والاستقلال. يعين رئيس الجمهورية رؤساء تلك الهيئات والأجهزة بعد موافقة مجلس النواب بأغلبية أعضائه لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد لمرة واحدة، ولا يُعفي أي منهم من منصبه إلا في الحالات المحددة بالقانون، ويُحظر عليهم ما يُحظر على الوزراء».
ومثلت الخلافات المحتدمة بين جنينة والمستشار أحمد الزند والتي سبقت تعيين الأخير في منصب وزير العدل (مايو 2015 – مارس 2016) ، مرحلة مفصلية في الصراع المكتوم مع رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات. وتعود جذور الخلافات بينهما إلى عام 2009 عندما تنافسا على رئاسة نادي القضاة، وهي الانتخابات التي انتهت بفوز الزند.
وعندما عُين جنينة رئيسا للجهاز المركزي للمحاسبات في عهد الرئيس الشهيد محمد مرسي عام 2012، أرسل مذكرة لمجلس القضاء الأعلى يطالبه بالتدخل لتسهيل عملية رقابة "المركزي للمحاسبات" على نادي القضاة، بعد أن رفض النادي برئاسة الزند رقابة الجهاز. واستمرت تصريحات جنينة في مختلف وسائل الإعلام تحذر من استشراء الفساد في مؤسسات الدولة وعلى رأسها وزارة الداخلية ونادي القضاة، فيما شن الزند حربا من نوع آخر من خلال تقديم بلاغات للنائب العام ضد جنينة يتهمه فيها بإهانة القضاء.
"600" مليار حجم الفساد في 2015
في ديسمبر 2015، قال جنينة، على هامش افتتاح فرع البنك الأهلي بمقر الجهاز المركزي للمحاسبات، إن الفساد بلغ حوالي 600 مليار جنيه خلال الفترة من 2012 وحتى 2015. وأثارت هذه التصريحات جدلا واسعا في الأوساط السياسية المحلية والدولية وعلى صعيد مواقع التواصل الاجتماعي، وهوجم بسببها جنينة الذي اتهمه إعلاميون بزعزعة الاستقرار والعمل لصالح جماعة الإخوان المسلمين.
وبدلا من ملاحقة الفاسدين، شكل السيسي في يناير 2016 لجنة تقصي حقائق لدراسة مدى مصداقية تصريحات جنينة، وادعت اللجنة في تقريرها إن تلك التصريحات "مضللة وتضخم حجم وقيمة ما سمي بالفساد". طالب البرلمان بعزله، وحظر النائب العام نبيل صادق النشر في التحقيقات التي تجريها النيابة بشأن تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات عن حجم الفساد في مصر. وقبل ساعات قليلة من قرار إعفاء جنينة من منصبه أصدرت نيابة أمن الدولة العليا بيانا قالت فيه إن "تصريحات المستشار هشام جنينة بشأن الـ600 مليار جنيه تكلفة الفساد في مصر غير منضبطة وأن الجهاز المركزي للمحاسبات غير معني بتحديد الفساد". بعد ذلك جرى التنكيل بجنينه والاعتداء عليه من جانب بلطجية السيسي ثم الزج به في السجن بتهم كيدية مفبركة. ولا يزال حتى اليوم في سجون الطغاة والظالمين.