هناك شبه إجماع بين الراصدين والمتابعين للشأن المصري أن المصرييين خرجوا إلى صلاة العيد في الساحات بكثافة غير مسبوقة حتى في المساجد الجانبية وجميع الساحات على مستوى الجمهورية؛ الأمر الذي يراه كثير من المحللين والمتابعين يحمل رسائل سياسية بالغة الدلالة ويمثل تحديا لسلطات الانقلاب التي اتخذت قرارات صادمة لجميع المسلمين في أنحاء العالم حيث قررت وزارة الأوقاف منع صلاة الاعتكاف وصلاة التهجد خلال العشر الأواخر من شهر رمضان سنة 1443هـ/ 2022م، بخلاف منع صلاة العيد بالساحات والاكتفاء بأدائها داخل المساجد ولمدة نصف ساعة فقط؛ وهي القرارات التي دفعت منظمة "هيومن رايتس ووتش" الحقوقية إلى انتقاد التضييق الذي يمارسه نظام السيسي ضد المسلمين وحرمانهم من ممارسة شعائرهم التعبدية بحرية وهو ما يمثل وثيقة إدانة لنظام انقلاب 3 يوليو وبرهان على مدى الاضطهاد الذي يتعرض له المسلمون في مصر.
وبخلاف قرارات الوزير بمنع الاعتكاف والتهجد، أعلن وزير الأوقاف محمد مختار جمعة، ضوابط صلاة عيد الفطر، مؤكداً أنها ستقام في المساجد الكبرى والجامعة فقط دون الساحات العامة، لتطبيق إجراءات التباعد الاحترازية المطبّقة من عامين، منعاً لانتشار فيروس كورونا، رغم عدم الالتزام بها في مختلف المصالح الحكومية والمرافق العامة بالبلاد. وبرر جمعة منع صلاة العيد في الساحات بصعوبة تطبيق إجراءات التباعد فيها، خلاف المساجد المطبقة بها هذه الإجراءات. وشدد على "ضرورة الالتزام بضوابط صلاة عيد الفطر في المساجد الكبرى والجامعة، وهي فوق إجراءات التباعد، تقتضي فتح المسجد قبل الصلاة بـ10 دقائق وغلقه بعدها بـ10 دقائق، وأن تكون مدة التكبير في حدود 7 دقائق"، الأمر الذي نسفه المصريون في صلاة العيد الإثنين.
أمام هذه قرارات وزارة الأوقاف الصادمة والكاشفة في ذات الوقت يأتي خروج المصريين بكثافة إلى الساحات والمساجد لأداء صلاة العيد ليمثل تحديا لهذه القرارات السلطوية في تأكيد على عمق الانتماء الإسلامي في مصر. فخروج الملايين إلى الساحات والمساجد على النحو الذي جرى رصده بكثافة يمثل رسالة بالغة الدلالة للسلطة العسكرية بأن السياسيات والقرارات التي تستهدف الحد من العاطفة الإسلامية وتقييد حرية العبادة على المسلمين في الوقت الذي تتاح فيه الحرية كاملة لأصحاب الديانات الأخرى إنما يمثل استفزازا للمسلمين ويجعلهم أكثر تمسكا بدينهم وعقيدتهم أمام الحملة التي يشنها نظام الطاغية عبدالفتاح السيسي على الإسلام منذ انقلابه في يوليو 2013م على الرئيس الشهيد محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب في تاريخ البلاد كان يتبنى تكريس الحكم بالشريعة الإسلامية وفقا للدستور المصري.
لكل هذه الأسباب دعا خبراء ومحللون إلى قراءة الرسائل السياسية التي يحملها خروج المصريين بكثافة إلى صلاة العيد؛ بينما رأى آخرون أن إسناد خطبة العيد للشيخ السيد عبدالباري وهو أحد قيادات وزارة الأوقاف بدلا من الوزير الأمنجي مختار جمعة إنما يمثل إجراء يستهدف امتصاص حالة الغضب الشعبي من الوزير بعد قراراته الأخيرة الصادمة لجميع المسلمين في مصر والعالم.
يقول الصحافي بصحيفة "الأهرام" الرسمية أنور الهواري إن صلاة العيد اليوم "كانت سياسية بامتياز"، مشيراً إلى بدء التكبير من بعد صلاة الفجر مباشرة، وزيادة الحضور عن المعتاد فيما سبق من سنوات، وأكد أن "لدى جمهرة المصلين إحساسا بأنهم يرسلون رسالة تحدٍ لمن يهمه الأمر". وتابع الهواري، في منشور له على صفحته الشخصية بموقع "فيسبوك"، أن "هذه معركة، بعضها كامن وبعضها ظاهر، صنعها تخبّط وزارة الأوقاف، وسوء إدارتها، وانشغالها بخدمة السياسة والأمن أكثر من انشغالها بإقامة الدين والإيمان". ورأى أن "خلط وزارة الأوقاف بين الدين والسياسة وبين الإيمان والأمن بمعناه البوليسي القمعي جعل كثيرين من المسلمين يشعرون بأن ثمة حرباً على الإسلام مخططة ومدبرة من طرف الدولة".
وخلال السنوات الماضية برهن السيسي على عدائه السافر للإسلام؛ فقد انقلب على الرئيس الإسلامي الدكتور محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر، وفي أعقاب نجاح انقلابه وفي أول حوار صحفي له مع الواشنطن بوست، بعد مرور شهر واحد على انقلابه العسكري، أكد للصحفية (ليلي ويموث) أنه ما قدم إلى الحكم إلا لإجهاض المشروع الإسلامي الذي أراده الرئيس "محمد مرسي"، حيث قال نصا: "لو كان الانقلاب عليه لفشله، كنا صبرنا عليه لانتهاء مدته، ولكنه أراد إحياء المشروع الإسلامي والخلافة".
وأقدم السيسي على ارتكاب عشرات المجازر بحق المسلمين في مصر، ولو كانوا من ديانة أخرى لما جرؤ على فعل ذلك خوفا من الولايات المتحدة الأمريكية والغرب. ولا ينسى المصريون كيف أحرق السيسي المساجد أثناء انقلابه وكيف أحرق مسجد رابعة على ما فيه من المعتصمين في مشهد وحشي يفوق جرائم المغول والتتار قبل مئات السنين. وبثت الفضائيات جثامين الضحايا محروقة تجرفها جرافات الجيش في مشهد صادم أصاب كل من يملك ذرة من إحساس أو ضمير بالألم والغضب حتى اليوم. نفس المشهد تكرر مع مسجد الإيمان الذي كان يضم عشرات الشهداء بالقرب من مقر الاعتصام. وفي 16 أغسطس 2013م شاهد العالم كله بثا مباشرا لاقتحام مليشيات السيسي لمسجد الفتح برمسيس واعتقال المئات من الذين اعتصموا به خوفا من بطش مليشيات السيسي وبلطجيته بعد قتل نحو 200 من أنصار الرئيس مرسي، ولا يزال المئات من الذين اعتصموا بالمسجد معتقلون حتى اليوم بعد محاكمات صورية افتقرت إلى أدنى معايير العدالة والنزاه، بينما أفلت القتلة والبلطجية من العقاب. نفس الأمر تكرر مع عشرات المساجد في محافظات مصر المختلفة التى استباحتها مليشيات السيسي وعلى رأسها مسجد القائد إبراهيم أحد أهم مساجد مصر التي انطلقت منها ثورة 25 يناير2011م.
وفي مرحلة لاحقة شن حريا ضارية على الإسلام تحت لافتة «تجديد الخطاب الديني»، واتهم الإسلام بأنه دين التطرف والإرهاب والعنف، ودائما ما شوهد السيسي بشوشا مع كهنة الكنائش أثناء مشاركته الاحتفالات الدينية معهم بينما يكون عبوسا متغطرسا في المناسبات الدينية الإسلامية وهو ما أمر رآه الجميع ولا يحتاج إلى برهان.
وطالب السيسي الدول الغربية بحصار المساجد في بلادها وذلك أثناء مشاركته في قمة ميونيخ للأمن التي انعقدت في ألمانيا في فبراير 2019م، حيث حرَّض الأوروبيين على مراقبة المساجد، وقال إنه دأب في لقاءاته مع المسؤولين الأوروبيين أو من أي دولة أخرى على حثهم على الانتباه لما ينشر في دور العبادة الخاصة بالمسلمين. وربط السيسي ذلك بالحرب على ما يسمى بالإرهابوهو ما يتسق مع تصورات السيسي المشوهة عن الإسلام والمساجد باعتبارها أوكار لتفريخ الإرهابيين وليست دور عبادة تسمو بالروح وتهذب السلوك.
وفي أواخر 2020م، شن السيسي أكبر حرب على مساجد المسلمين، وتداول الناس آلاف المشاهد والصور ولقطات الفيديو التي جرى بثها ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي لعشرات المساجد والمآذن التي دمرها السيسي والتي أصابت ملايين المسلمين في مصر والعالم بصدمة وغضب لا يعلم مداه إلا الله. ويكفي أن رئيس الانقلاب قد اعترف بشكل سافر بهدم نحو 35 مسجدا على طريق محور ترعة المحمودية فقط الذي يربط محافظة البحيرة بالإسكندرية. وبرر السيسي هذه الخطيئة بأن هذه المساجد مخالفة وأقيمت على أرض الدولة. فلماذا لم يسع إلى تقنينها كما يفعل مع الكنائس المخالفة بسن قانون رقم 80 لسنة 2016م؟ وحتى يونيو 2014 بلغ عدد المساجد والزوايا التي صدر قرارات بإغلاقها في الإسكندرية وحدها 909 مساجد وزاوية بدعوى مخالفتها الشروط والضوابط المنصوص عليها في القانون. وفي يوليو 2016 وافق وزير الأوقاف محمد مختار جمعة على هدم 64 مسجدا على مستوى الجمهورية، لوقوعها ضمن نطاق توسعات مزلقانات هيئة السكك الحديدية.
وفي 2016 أجرى الجيش مناورة عسكرية استهدف الطيارون فيها مجسما لمسجد بدعوى الحرب على الإرهاب الأمر الذي يؤكد حجم الاختراق الذى جرى والتحولات الضخمة على عقيدة الجيش القتالية ليكون حربا على الإسلام ودرعا لكل طاغية وعميل. وحتى اليوم لا يزال عشرات الآلاف من العلماء والدعاة إلى الله في سجون العسكر بتهم كيدية بالغة التلفيق كلهم مسلمون، ولو كانوا نصاري لما مكثوا في السجون يوما واحدا؛ ولما جرؤ السيسي على اعتقالهم من الأساس. فلماذا يخشى السيسي واشنطن والغرب أكثر من خشيته من الله؟!