قالت ورقة بحثية نشرها موقع المعهد المصري للدراسات إن "الإفلاس الاقتصادي لمصر قادم لا محالة، قد يُختلف على تقدير المدة طولا أو قصرا، ولكنه مرجح بشدة في ظل المعطيات الحالية والتحليل والاستنتاجات السابقة، مشيرا إلى أن الإفلاس هو الحل الوحيد مهما كانت النتائج المترتبة عليه".
وأكدت الورقة التي جاءت بعنوان "الاقتصاد المصري وخطر الإفلاس، المؤشرات والمآلات" أعدها د. أحمد ذكر الله أن إعلان إفلاس الدولة والتهرب من سداد مديونياتها مسألة تحتاج إلى المزيد من البحث والدراسة ، لموازنة الأثار السلبية والإيجابية.
الاقتراض وفجوة التمويل
وأضاف ذكر الله أن "كافة المعطيات التي يمر بها الاقتصاد المصري وبالأخص العجوزات المزمنة في الميزان الجاري والموازنة العامة وغيرها إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية المصرية، التي كانت سابقة على الظروف الصعبة التي أصابت الاقتصاد العالمي جراء انتشار فيروس كورونا ومن بعدها الحرب الروسية على أوكرانيا، وما كانت تلك الظروف إلا معجلا لمزيد من البروز لتلك الاختلالات الهيكلية والتي زادت حدة وعمقا جراء السياسات الاقتصادية التي اتبعتها الإدارة المصرية طوال السنوات الثماني الماضية".
واعتبر أن ، تفاقم الفجوة الدولارية، جاءت بعد التوسع المحموم في الاقتراض الخارجي، الذي أهدرت موارده على مشروعات غير ذات عائد يكفي لسداد أقساط وفوائد القروض، فوقعت البلاد في دائرة مفرغة من تدوير القروض الخارجية، حيث يتم الاقتراض الخارجي لكي يمكن سداد أقساط وفوائد القروض القديمة.
وأكد أن ، المشكلة أن موارد الاقتراض الخارجي وحدها من المرجح عدم كفايتها من حيث التوقيت والكمية للوفاء بالتزامات مصر الخارجية، والتي لا تتوقف فقط عند خدمة الديون، بل تتعداها إلى فاتورة الواردات التي تزايدت بصورة غير مسبوقة خلال السنوات الخمس الأخيرة، ليتخطى عجز الميزان التجاري 40 مليار دولار، وبذلك فمن المنطقي أن تحاول الإدارة المصرية التوسع في تنويع مصادر النقد الأجنبي خلال الفترة القادمة.
تدوير القروض
وأشار الباحث إلى أن المستجدات الطارئة مثل كورونا والحرب الروسية عجلت بإظهار أزمات الاقتصاد المصري الكامنة وأبرزها تحديات الفجوة الدولارية والالتزامات الخارجية المترتبة على القروض الأجنبية وفوائدها.
وأشار إلى أن مصر وقعت بالفعل في الدائرة الخبيثة للقروض الأجنبية، وبات تدوير القروض بأشكالها المتنوعة أمرا لا مفر منه، ومن المرجح أن يمتد هذا الأمر ربما لعقود قادمة.
وأكد أن أزمة كورونا والحرب على أوكرانيا عمقت أزمات الاقتصاد المصري ، وعجلت ببروزها وحتمت على السلطة الاعتراف بوجودها والتحرك لمواجهتها.
4 مسارات
وقالت الورقة إن "الانقلاب سيلجأ إلى أربعة مسارات، بدأ في البعض منها بالفعل، لمواجهة أزمتها في المدفوعات الخارجية للديون والفوائد سواء في العام الحالي أو حتى بعد مرور الأزمة الأوكرانية، يمكن ترتيبها وفقا لدرجة الاعتماد عليها كما يلي:
الأول، التفريط وبيع الأصول المملوكة للدولة بأبخس الأثمان، وخاصة لمشترين خليجيين.
الثاني، محاولة استبقاء واسترداد أرصدة الأموال الساخنة عبر تسابق تنافسي محموم في رفع أسعار الفوائد.
الثالث، الاقتراض الخارجي بأشكاله المختلفة سيشكل رافعة مهمة للاقتصاد المصري، وستتوالى برامج الاقتراض من صندوق النقد الدولي، وكذلك القروض الثنائية خاصة من الصين والسعي وراء الودائع الخليجية، وغير ذلك.
الرابع، سياسات تقشف الموازنة العامة للدولة والمزيد من الأعباء على المواطنين.
مؤخرات الإفلاس
وأشار إلى دمج المسارات وترتيب التعامل معها سيكون بتقديم بعض المسارات وتأخير البعض الأخر وفقا للظروف الداخلية والخارجية، وفي حال استمرار الأزمة الحالية سنشاهد اللجوء لجميع الوسائل في نفس الوقت.
وقال إن "النجاح في استخدام كل أو بعض هذه الوسائل من المرجح أن يمدد قدرة الاقتصاد المصري علي مواجهة المخاطر التي سيتعرض لها على المدى القصير، ومن المرجح ألا يتعرض للإفلاس خلال السنوات القليلة القادمة على الأقل، حيث ستستخدم السلطة كل أدواتها المتاحة للحيلولة دون ذلك، خاصة إذا استمر الدعم الدولي و الإقليمي الواضح للنظام القائم، والذي حدا مثلا بدول الخليج على الاتفاق مع الحكومة المصرية في خلال عدة أيام قليلة على مبالغ قد تتجاوز 22 مليار دولار أمريكي في صورة ودائع في البنك المركزي أو شراء أصول مصرية، فضلا عن الاتفاق المنتظر مع صندوق النقد الدولي.
شرط استدراكي
واستدرك أحمد ذكر الله شارطا اعتماد هذه القدرة على مقدار الفجوة بين الاحتياجات والمتوافر من العملات الأجنبية، وعلى مدى استقرار الحالة الدولية والإقليمية، والتي تؤثر كثيرا بالطبع على اقتصاد يعتمد في معظم متطلباته على الخارج، حيث تظهر قيمة المبالغ الضخمة التي تم الاتفاق عليها مؤخرا مدى فداحة الأزمة الحقيقية التي يمر بها الاقتصاد المصري العاجز عن توفير الاحتياجات الأساسية للدولة دون هذا الدعم الخارجي الضخم.
وأكد أن ما سبق من مسارات لا يعني التحول للأفضل خلال خمسة أعوام مثلا لعدم توافر الإرادة ولا القدرة على تغيير هذا الواقع في الوقت الراهن، ومن المرجح استمرار السلطة في إنفاق الأموال على المشروعات منخفضة العائد، بما يعني استدامة الاعتماد على المسارات السابقة.
وأضاف ، ربما في غضون بضع سنوات في الظروف الاعتيادية، أو حال وقوع ظروف قوية غير معتادة تقلل من هذه المدة كثيرا أو قليلا، أن تقل قدرات الاقتصاد المصري على الصمود، وتحت وطأة المزيد من الانكشاف على الخارج، وربما مع سلطة جديدة، أو حتى تحت نفس السلطة القائمة، سيجبر الجميع على إعلان الإفلاس الاقتصادي".