بين «هدهود الجنرال» و«هدهود العالم» .. قصة تلخص أحوال مصر تحت حكم العسكر

- ‎فيتقارير

في ظل البروباجندا الصاخبة المفتعلة من جانب النظام العسكري بهدف الدعاية الفجة لمسلسل «الاختيار3» الذي يضفي هالة من القداسة  على زعيم الانقلاب عبدالفتاح السيسي، وتمجيد جرائم الجيش والشرطة وتحويلها إلى بطولات وطنية خارقة تستحق الإشادة وأنواط البطولة والشجاعة، انفجرت قضيتان كاشفتان وفاضحتان في ذات الوقت تعصفان بكل أشكال الدراما الموجهة الممولة بسخاء شديد من جيوب الشعب أو القروض، لتمجيد هذا النظام  الذي انحط إلى قاع غير مسبوق من الظلم والطغيان ويقدم مستويات من القمع والبطش لم ير المصريون لها مثيلا.

القضيتان تخصان شخصين من عائلة واحدة (هدهود»، الأول هو اللواء مصطفى هدهود، والثاني هو الخبير الاقتصادي أيمن هدهود. أما الأول، ضبط متلبسا بالسرقة لكنه لا يزال حرا طليقا بعد سنوات طويلة من النهب والفساد في أعلى مناصب الدولة الحساسة، أما الثاني فقد ضبط متلبسا بانتقاد سياسات النظام المالية والاقتصادية فقتلوه في مقر للأمن الوطني تعذيبا، ولفقوا له عدة تهم باطلة لتشويه صورته بعد استشهاده!

مصطفى هدهود، هو لواء سابق بالجيش والوكيل السابق لمدير جهاز المخابرات الحربية، وكان رئيسا مباشرا للسيسي في الجهاز لثلاث سنوات. ومؤخرا أجبر على الاستقالة من منصبه الحساس كنائب لرئيس نادي الزمالك بعدما رصدته الكاميرات يسرق إحدى الميداليات في مراسم توزيع الجوائز والميداليات الرياضية مساء الجمعة 08 أبريل 2022م، بدسها خفية في جيوبه، عقب فوز فريق سبورتنج على منافسة الزمالك في نهائي بطولة كأس مصر لكرة اليد؛ الأمر الذي أثار سخرية واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي. 

أما الثاني فهو العالم والباحث والخبير في علم الاقتصاد أيمن هدهود؛ الذي اختطف قسريا مساء الخامس من فبراير 2022م،  ثم اكتشفت أسرته وجوده داخل مقر للأمن الوطني في قسم الأميرية، بعدما أبلغها أمين شرطة بذلك. وخلال بحث الأسرة عنه وقتها، نفى مسؤولو «الأميرية» وجوده بحوزتهم، وبعد أسبوع من الاختفاء علمت الأسرة أن هدهود نُقل إلى مستشفى العباسية للأمراض النفسية لوضعه تحت الملاحظة لمدة 45 يومًا. حاولت خلالها الأسرة زيارته في المستشفى، لكن طلبها رُفض حيث طالبتهم المستشفى باستخراج إذن بالزيارة من النيابة، لكن الأسرة لم تتمكن من استخراج هذا الإذن لعدم امتلاك النيابة بيانات عن هدهود وقتها. وفي نهاية مارس، استطاعت الأسرة عبر وسطاء التواصل مع أحد العاملين بـ«العباسية»، ليبلغهم، في الرابع من أبريل الجاري، أنه «في حال أن مَن تبحثون عنه هو أيمن محمد علي هدهود، فهذا الشخص توفي منذ شهر»؛ أي أنه اختفى نحو 25 يوما تعرض خلالها لكل أشكال التعذيب حتى أشرف على الموت؛ فتم نقله إلى مستشفى الأمراض العقلية للتغطية على الجريمة وهناك لفظ أنفاسه الأخيرة جراء التعذيب الذي تعرض له في الأمن الوطني. العجيب أن هؤلاء القتلة في الأمن الوطني اتهموا هذا الباحث في علوم الاقتصاد بارتكام جريمة سطو مرة واعتداء مرة أخرى في أماكن مختلفة كل هذا بهف التغطية على الجريمة والإفلات من العقاب. لم يكتفوا بقتله بل يعملون على تشويه صورته بتهم ملفقة لا أساس لها. وهذا عين ما يقوم به مسلسل "الاختيار" بأجزائه الثلاث؛ لم يكتف القتلة بجريمتهم بل راحوا يشهون صورة الضحايا في إصرار على الجريمة ومحاولة تبرير  الجرائم الوحشية. وجاءت تصريحات مدير «العباسية»، حاتم ناجي، لـ«مدى مصر» لتؤكد هذه الاتهامات لأجهزة الأمن، بالتأكيد على أن القضية في حوزة النيابة العامة، ومَن يوجهون أصابع الاتهام إلى المستشفى سيعرفون أن كل اتهاماتهم غير صحيحة.

«هدهود العسكر» لم يكتف بالسرقة، بل مارس الكذب أيضا عندما افتضح أمره وكشفت الكاميرات أنه دس إحدى الميداليات الذهبية في طيات ملابسه أثناء مراسم التكريم؛ مدعيا لوسائل إعلام أنه حصل على ميدالية زائدة بموافقة محمد الأمين؛ رئيس الإتحاد المصري لكرة اليد، الأمر الذي نفاه الأمين جملة وتفصيلا في بيان رسمي بشأن الواقعة الفضيحة. وخلال فترة وجوده محافظا للبحيرة، مارس هدهود نفوذه في توزيع المكافآت على أقاربه وأصحابه؛ حيث منح حفيده درع المحافظة  خلال فعاليات مؤتمر محافظة البحيرة العلمي الأول للبحوث والتكنولوجيا عام 2014، وقبل ذلك بأيام اعتدى بالضرب على مراسلين اثنين لجريدة "التحرير"، خلال تغطيتهما لاعتصام أسر مساكن الإيواء أمام استراحة المحافظ، وقام بكسر كاميرا التصوير الخاصة بهما، وفق المحضر المحرر منهما ضد المحافظ برقم 5788 (إداري بندر دمنهور)، وهي القضية التي تم غلقها بأوامر مباشرة من السيسي ولم يفتح فيها التحقيق قط. وخلال سنتين كان فيها محافظا لاحقته اتهامات كثيرة بالفساد المالي والإداري؛ الأمر الذي دفع عدة أحزاب للمطالبة بإقالته في يناير 2014م؛ وهو ما يبرهن على نظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي يعتمد على الثقة والولاء للنظام بعيدا عن الكفاءة والأمانة. وقد رصد التقرير الصادر عن "الجهاز المركزي للمحاسبات" لعام 2013 مخالفات مالية، وإهداراً للمال العام، في ديوان عام محافظة البحيرة، منذ تولي هدهود المنصب، ولا سيما ما يخص عملية إدارة واستغلال مشروع المحاجر التابع للمحافظة، والذي يعد أحد أهم مصادر تمويل صندوق الخدمات فيها.

أما «هدهود الشعب»، فقد قتل تحت وطأة الظلم والتعذيب الوحشي، ويواجه بعد استشهاده تهما باطلة تشوه صورته، وفي مساء كل يوم تجلس أسرته لتشاهد مسلسل «الاختيار3»، وهي تلعن هذا العهد الأسود وتبصق على كل المشاركين في هذه الأعمال الدرامية المضللة من ممثلين ومخرجين وفنيين ومنتجين والذين تحولوا إلى أداة من أدوات السلطة يمجدون قمعها، ويبررون جرائمها ويضللون الشعب بأدوات الدراما التي ينفق عليها من جيوب المصريين بسخاء بالغ بينما يقبع عشرات الملايين من المصريين تحت خط الفقر! يا له من وطن ضائع تحكمه مافيا من الأعداء والخونة، يحتاج إلى معجزة تنقذه من هذه العصابة المجرمة، وتحرره من هذا الاحتلال بالوكالة عن أعداء مصر وشعبها!