في وقت تتصاعد فيه الأزمة الاقتصادية بمصر، حيث تتراجع مخزونات القمح والسلع الغذائية لأقل من شهر ونصف، وانهيار العملة المصرية أمام العملات الأجنبية، وارتفاع أسعار السلع والمواد الغذائية وأسعار الحديد والعقارت والإسمنت، وهو ما يضاعف أزمات المواطنين، يتوسع السيسي الذي أعلن رئيس حكومته مصطفى مدبولي بأكبر تقشف في موازنة العام المالي الجديد، في بناء القصور الرئاسية الفخمة، وشراء الطائرات الرئاسية الفارهة والأغلى بالعالم، من أجل الظهور بمنظر الثراء والغنى والفخامة، ضاربا بمشاعر المصريين عرض الحائط، والذين ينتظرون من الحكومة النظرة بشفقة أو تقديم دعم يخفف عن ملايين المصريين الفقر والبطالة والغلاء.
وفي إطار التناقض الذي يتحكم في مفاصل نظام السيسي، الذي يطالب المصريين بالترشيد والتقشف والزهد، حيث خرج السيسي مفاخرا المصريين بأنه ظل عشر سنوات ليس في ثلاجته سوى الماء فقط، وأيضا مطالبة نعاج إعلام السيسي المصريين بالاكتفاء بعمل الماء بسكر وليمون بدلا من أكل الحلويات في رمضان، والبعد عن شراء السلع التي يرتفع ثمنها فجأة، ورغم ذلك يصر السيسي على بناء القصور الرئاسية والمساكن الفاخرة والأنهار الصناعية الخضراء والأبراج وغيرها في عاصمته الإدارية، بأموال المصريين وتحميل أجيالهم المستقبلية بالديون والقروض غير المسبوقة.
وفي ظل الضيق المادي والعجز المالي الذي يضرب مصر والمصريين، على إثر زيادة الديون وانخفاض القيمة الشرائية للجنيه وارتفاع تكاليف الديون وزيادة الأسعار العالمية، ونقص الإنتاج المحلي وتراجع عوائد السياحة والتحويلات المالية من المصريين للخارج ، وتعويم جزئي للجنيه وارتداداته السلبية على الاقتصاد المصري، يتوسع السيسي في الإنفاق ببذخ على نفسه بصورة تستوجب محاكمته، بتهمة إهدار المال العام والسفه، فمن القصور الرئاسية التي تبتلع مليارات الدولارات واعتراف السيسي نفسه بالأمر قائلا "أيوا بنيت قصور وهابني، أنا بأبني عشان مصر" وهو نهج ساقط لا يخرج من فم عاقل أو مسئول عن شعب يعاني الفقر والعوز الاقتصادي.
إهدار أموال الشعب
ومن القصور الرئاسية إلى المدن الترفيهية من أموال الشعب والأبراج الأيقونية والنهر الأخضر بالعاصمة الإدارية ومدن العلمين والجلالة وغيرها، مما أهدر المليارات وأجبر مصر على القروض والاستدانة، وصولا إلى الاستمرار في صفقة شراء طائرات رئاسية جديدة للرئاسة المسماة بملكة السماء وغيرها من الطائرات الفارهة، والتي تكلف ميزانية الدولة المليارات.
وفي السياق ، كشفت تقارير غربية، عن اقتراب انتهاء شركة ألمانية من أعمال ترقية وتطوير الطائرة البيوينج الفخمة المسماة "ملكة السماء" التي اشترتها الرئاسة المصرية من أمريكا، وتجهيزها لتسلم لمصر في يونيو المقبل.
ووفق تحقيق استقصائي، ظهرت "ملكة السماء" الطائرة الرئاسية المصرية المنتظرة، في هامبورج شمالي ألمانيا، بعد اختفاء أثرها، منذ سبتمبر 2021، ورصدت مواقع تتبع صفقات الطائرات حول العالم، مطلع الأسبوع الحالي، دخول الطائرة "بوينج 747- 8"، التي اشترتها الحكومة، لتصبح قصرا رئاسيا طائرا خلال الفترة المقبلة، بعد تسجيلها رسميا في منظمات الطيران الدولية باسم SU-EGY، منذ 13 أكتوبر 2021.
وصلت الطائرة إلى مقر "لوفتهانزا تكنيك" Lufthansa Technic، وهي أكبر قاعدة لصيانة طائرات "بوينغ" وتحديثها بعد مصنعها الضخم في مدينة سياتل الأمريكية.
وتتولى وحدة هليموت شميت، في القاعدة، تحويل الطائرة التجارية التي صنعت عام 2010، إلى "قلعة رئاسية" بتجهيز مقصورتها ذات الطابقين إلى مقر رئاسي، يضم حجرات نوم فارهة، وقاعة مؤتمرات وأخرى للاجتماعات، وصالة رياضية، ومركزا لإدارة العمليات العسكرية، بعد تزويدها بنظام حماية متقدمة يعمل بالأشعة تحت الحمراء، ضد الصواريخ، وفرته الولايات المتحدة بنحو 104 ملايين دولار.
ومن المفارقات أن "لوفتهانزا تكنيك" وهي الذراع التقنية لشركة لوفتهانزا للطيران، التي تراجعت عن شراء تلك الطائرة، ضمن صفقة لامتلاك 20 طائرة من نفس الطراز، تعاقدت عليها منذ 15 عاما، حملت الطائرة رقم 20 في جدول التسليم، وعند تجربتها للطيران للمرة الأولى، في 26 إبريل2011، اكتشف خبراء "لوفتهانزا" عيوبا فنية بها، جعلتهم يرفضون استلامها، فظلت قابعة بين حظائر شركة بوينج وأطلال ممرات مطارات معزولة، بصحراء نيفادا الأميركية، إلى أن أعادت "بوينج" بيعها لمصر، كي تصبح، على الطريقة الأميركية "Air Force 1" الطائرة الرئاسية رقم 1".
ويأتي ذلك على الرغم من أن "لوفتهانزا" لم ترض عن الطائرة، عند الاستلام، إلا أنها تعمل حاليا، على تأهيلها، ونقلها للعميل الجديد، الـ VIP، كما تسميه بوينج الذي تفاوض على شرائها في مايو 2018، وأنهى التعاقد مع بوينج في يونيو 2021، فانتقلت من أميركا، إلى مدينة ميونخ، في 21 أغسطس 2021، حتى آلت إلى ورش إعادة التأهيل الشامل، في هامبورج قبيل نهاية العام الماضي.
وتبين تصرفات "لوفتهانزا تكنيك" أسباب عدم قدرة أي من الصحفيين الذين تتبعوا على مدى العامين الماضيين، التكاليف الكلية للطائرة، "ملكة السماء" خاصة بعد أن طلبت الحكومة من الجهة المصنعة "بوينغ"، عدم الإفصاح عن اسم المشتري، وأمرت الحكومة أجهزة الإعلام المحلية، بعدم التعرض لأخبارها سلبا أو إيجابا، فقد وافق شراؤها بداية أزمة اقتصادية وتداعيات وباء كورونا واللجوء إلى المزيد من القروض الخارجية.
ويواكب وصول "ملكة السماء" القاهرة أزمة مالية أشد، حيث تدهور قيمة الجنيه وارتفاع الأسعار وزيادة الدين العام وزيادة الفقر إلى 60% حسب تقارير دولية.
ومع تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، تظهر الطائرة من هذه النوعية بمبلغ يتراوح ما بين 400 مليون، إلى 500 مليون دولار، مع ذلك لم يتبقَ في الخدمة إلا 25 طائرة منها، حول العالم.
فرغم أن هذه الطائرة ذات الطابقين، وتعمل بأربعة محركات عملاقة، ساهمت في زيادة إقبال المسافرين على الطيران، في فترة ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، لقدرتها على حمل 450 مسافرا، والطيران بسرعة 900 كيلو متر في الساعة، لمسافة تمتد نحو 15 ألف كيلو متر بدون توقف، لكنها أصبحت مرفوضة حاليا، من كافة شركات الطيران التجارية.
بدأ العالم يتنازل عن "ملكة السماء" كما تطلق عليها بوينج لارتفاع استهلاكها للوقود وتكلفة التشغيل، في وقت انتشرت فيه بدائل أكثر حداثة، مثل "بوينج 777" و"إيرباص 350" ذات المحركين والتي تحمل نفس سعة الركاب، بما يخفف من استهلاك الوقود ويناسب التحولات المطلوبة للتغييرات المناخية في العالم.
فيما يؤكد خبراء الطيران أن دوافع الترشيد، وراء تخلي "لوفتهانزا" عن "ملكة السماء" خصوصا بعدما اتضح في مرحلة التشغيل التجريبي، أن الطائرة، أعلى استهلاكا للوقود، بما يعادل 10 آلاف لتر في الساعة، وما بين 5 إلى 6 أضعاف للطائرة المماثلة لها من نفس الطراز.
ومن ضمن الانتكاسات التي تضمنتها صفقة ملكة السماء، أن شراء مصر لها جاء إنقاذا للشركة المصنعة، في صفقة غير معلومة القيمة والتفاصيل حتى الآن، وتحاط بالسرية كافة التفاصيل الخاصة بالتطوير التي تكون عادة ضعف قيمة الشراء، لا سيما أن الطائرة ربضت وسط صحراء قاحلة شديدة الحرارة، نحو 12 عاما، وتحتاج إلى إعادة تأهيل فني شامل، عدا الإضافات التي ستحولها إلى قصر طائر وقلعة عسكرية حصينة في الهواء.
ستصبح "ملكة السماء" أيقونة أسطول الطائرات الرئاسية، الذي ضم 4 طائرات فاخرة صغيرة الحجم، من طراز فالكون 7، التي تصنعها شركة "داسو" الفرنسية، المنتجة للطائرات المقاتلة "رافال".
وأظهرت الصحف الفرنسية، أن قيمة صفقة "فالكون" بلغت 774 مليون دولار، وأن العقد وقع في يوليو 2016، أي قبل 3 أشهر من قرار تعويم الجنيه المصري ورفع أسعار المنتجات البترولية وتطبيق برنامج إلغاء الدعم على الكهرباء والمياه والغاز وتحرير أسعار الخدمات الحكومية.
وتمتلك مؤسسة الرئاسة أسطولا ضخما من الطائرات، منذ عهد مبارك، الذي اشترى 14 طائرة للخدمة المدنية، على مدار 30 سنة، مازالت تعمل بكفاءة، وتكلفت الطائرة منها نحو 507 ملايين دولار عند تشغيلها.
طحن الغلابة
وفي مواجهة إسراف وبذخ السيسي على شراء الطائرات الرئاسية تزداد معاناة المصريين وفقرهم.
وخلال الأيام القليلة الماضية ارتفعت أسعار رغيف الخبز والزيوت والفول، مما زاد من إرهاق محدودي الدخل بمصاريف جديدة تزيد من معاناتهم.
ورفعت حكومة الانقلاب أسعار الوقود والكهرباء والمياه والاتصالات، وفرضت رسوما عالية على جميع الخدمات، وزادت معها من تكلفة الخبز والطعام.
وأمام المشهدين فإن الإسراف والبذخ في وقت الأزمات الاقتصادية، يبقىى أمرا فاضحا وكاشفا لحقيقة الكذب الذي يديره السيسي على الشعب المصري، يستوجب محاكمته ونظامه بتهم إهدار المال العام.