قبل عدة شهور نقلت عدة تقارير عن مصادر عسكرية، أن صراعات تدور داخل أروقة نظام المنقلب السيسي، حول طريقة إدارة السيسي للبلاد وتعاظم الأزمات البنيوية داخل هيكل النظام، ذلك التململ الذي ضرب الأوساط الشابة والوسطى بالمؤسسة العسكرية، وعبرت عنها الكثير من التسريبات التي بدت حول السيسي وأجهزته، وبدت الخلافات واضحة بين إدارات المخابرات العامة والحربية من جهة، وبين مؤسسة الرئاسة والمخابرات، وبين الأمن الوطني ووزارة الداخلية مع المخابرات.
وخلال تلك الفترة بذلت الدوائر المحيطة بنظام السيسي الكثير من الترضيات والإقالات شملت وزراء كأسامة هيكل ومقربين من الوزراء ومراكز القوى، وتلفيق اتهامات لرجال أعمال محسوبين على دوائر الحكم كمحمد الأمين وحسن راتب وغيرهم.
ومع قرارات السيسي المرتبكة على المستويات السياسية والاقتصادية عاد التململ مجددا داخل أروقة السيسي.
حيث كشفت مصادر سياسية لوسائل إعلام عربية أن الدائرة المقربة من السيسي، كلفت دوائر وشخصيات سياسية وإعلامية لإعداد خطة عمل، لترويج مبررات وتصورات وردود، بعد أن تلقت تقارير حديثة ترصد تخوفات وتحفظات داخل أجهزة الدولة، على طريقة إدارة السيسي بعض الملفات الداخلية، وعلى رأسها بيع أصول الدولة، إضافة إلى ملفات إقليمية، يأتي في مقدمتها ما يجري الحديث عنه من بناء تحالف جديد، يضم دولا عربية إلى جانب إسرائيل.
ولفتت المصادر إلى أن "التقارير كشفت عن أن الاجتماعات التي تجري بشكل دوري داخل مؤسسات حساسة، على مستوى القادة، أصبحت تشهد مناقشات جدلية حول الأوضاع الحالية، وتصاعد أصوات رافضة لطريقة إدارة الدولة، وإدارة السياسة الخارجية، مثل الحديث عن تشكيل ناتو عربي بقيادة إسرائيل، في مواجهة إيران.
هل يمكن التخلي عنه؟
وتشير التقارير المقدمة لدائرة السيسي إلى أنه على الرغم من أن تلك الأصوات لم تصل إلى حد المعارضة الصريحة لسياسات نظام الانقلاب، إلا أن هناك شعورا لدى دوائر عدة، بأن أجهزة حساسة داخل الدولة، ترى أنه إذا استمرت الأوضاع بهذا الشكل وإلى مزيد من التدهور، فإنها ستفضل النأي بنفسها عما يحدث، ووقتها يمكن التفكير في التخلي عن المتسبب في الأزمة، في إشارة واضحة للسيسي نفسه.
ومن ضمن الملفات التي تبدي قيادات هذه المؤسسات تحفظات جدية عليها، ملف التعامل مع دول الخليج، واستخدام الجيش كورقة لعب، مما أفسد العلاقة مع الخليج، لأنهم أصبحوا يعلمون جيدا أن شعار (مسافة السكة) مجرد حديث في الهواء لاستدرار المساعدات والأموال.
وبدا واضحا أن هناك سياسة جديدة تتبعها دول الخليج الغنية بالنفط مع النظام المصري في الوقت الراهن، بشأن المطالب التي قدمتها القاهرة أخيرا للحصول على مساعدات اقتصادية لمواجهة الأزمة التي تواجهها مصر حاليا، والتي ضاعفتها الحرب الروسية على أوكرانيا وما خلفته من تداعيات سلبية على أسواق الطاقة والمواد الغذائية.
ويأتي ذلك في وقت كشف فيه مجلس وزراء الانقلاب عن بدء مفاوضات جديدة مع صندوق النقد الدولي بشأن قرض جديد وصفته الحكومة بـ"برنامج جديد للإصلاح".
ولم تكن الجولة الخليجية الأخيرة للسيسي والتي شملت كلا من الإمارات والكويت والسعودية، على المستوى المطلوب، وحملت تدشين سياسة جديدة تتبعها الأنظمة الخليجية تجاه مصر في أعقاب المساعدات الاقتصادية والودائع الدولارية التي دفعت بها إلى القاهرة منذ عام 2013، وحتى مطلع العام الحالي.
وبعد الكشف عن العروض الإماراتية للاستحواذ على حصص الدولة المصرية في عدد من المشاريع الناجحة ذات العوائد الكبيرة، بدأت أخيرا مفاوضات موازية، بين صندوق الاستثمارات العامة السعودي، ومسؤولين في الحكومة المصرية، بشأن بحث مجموعة من الفرص الاستثمارية المطروحة من جانب حكومة الانقلاب.
وتتضمن المفاوضات حصصا حكومية في شركات في قطاع الطاقة البترولية، وأحد المصارف الكبرى، وذكرت المصادر أن الحزمة المالية المتوقعة للاستثمارات السعودية المرتقبة، والتي من المقرر ضخها فور الانتهاء من الاتفاقات بين الجانبين، تصل لنحو 3.5 مليارات دولار.
فيما يقدم النظام الانقلابي في مصر تسهيلات واسعة من أجل ضخ مزيد من العملات الأجنبية في السوق المصرية، لدعم موقف العملة المحلية.
وأشارت المصادر إلى أن السبب الذي أدى إلى الإعلان بشكل مبكر عن الاستحواذات الأخيرة، وتأخر ظهور المفاوضات السعودية، هو أن الرياض طلبت وضعا خاصا يؤمن استثماراتها في مصر.
وتدور شروط الرياض في هذا الصدد حول صياغة ضمانات متعلقة بحماية استثماراتها من أي تداعيات سلبية قد تتعرض لها مصر على المستوى الاقتصادي، مضيفة، على سبيل المثال، جرى حديث بشأن ما إذا اضطرت الحكومة المصرية إلى تأميم، أو مصادرة أي استثمارات.
وكان مجلس الوزراء السعودي، أعلن في اجتماع له الأسبوع الماضي، تفويض وزير المالية السعودي، للتباحث مع القاهرة، في ما يتعلق بإبرام اتفاقية استثمار بين البلدين.
وتضمن القرار الحكومي السعودي، تفويض وزير المالية أو من ينوبه، بشأن مشروع اتفاقية بين حكومة المملكة والحكومة المصرية في استثمار صندوق الاستثمارات العامة السعودي بمصر، والتوقيع عليه، وفقا لوكالة الأنباء السعودية "واس".
وفي موازاة المفاوضات السعودية بشأن استثمارات في مصر، بدأت مفاوضات أخرى مع اثنين من الصناديق الاستثمارية الكويتية، بشأن فرص استثمارات في مصر، كما أن المفاوضات الكويتية مدعومة بدعم كويتي للقاهرة عبر وديعة دولارية بقيمة 2.5 مليار دولار، بخلاف الاستثمارات التي سيتم الاتفاق بشأنها، وتقدر بنحو 2.5 مليار دولار أخرى.
وكشفت وكالة "بلومبيرج" أخيرا عن موافقة مجموعة "القابضة" المملوكة لإمارة أبوظبي على شراء 18 في المائة من أسهم البنك التجاري الدولي المصري، وهو أكبر مصرف مدرج في البورصة على مستوى شمال أفريقيا.
وجاءت تلك الخطوة كجزء من الاتفاق على شراء حصص الحكومة في عدة شركات مصرية، وإلى جانب أسهم البنك التجاري الدولي، والتي تمثل حوالي نصف قيمة الاتفاق، ستشتري "القابضة" حصصا في 4 شركات أخرى مدرجة في البورصة المصرية وهي "شركة فوري لخدمات الدفع الإلكتروني، وشركة الإسكندرية للحاويات، وشركة أسمدة أبو قير، وشركة موبكو للأسمدة".
وترفع الاستحواذات الجديدة إجمالي الاستثمارات الإماراتية في مصر إلى 17 مليار دولار لتحتل بذلك المرتبة الأولى بين الدول العربية والأجنبية المستثمرة في مصر.
"المزنوق" يخضع لشروط الدائنين وإسرائيل
وقالت المصادر إنه "بسبب الأزمة الخطيرة التي يواجهها نظام الانقلاب، أصبح مضطرا للموافقة على تنازلات من شأنها الإضرار بالأمن القومي للبلاد، مثل الدخول في تحالف عسكري مع إسرائيل، وبيع أصول الدولة الرابحة لدول الخليج، بأسعار بخسة".
وبحسب التقارير، فإن الموضوع الأخطر، هو ما يتعلق بالمستقبل، فليس من الواضح ماذا سيُطلب من مصر بعد ذلك في القريب العاجل؟
إذ أن الحرب الروسية الأوكرانية، أربكت كل حسابات نظام السيسي فأصبح مضطرا إلى تقديم التنازلات، واضطر لإجراء خفض قيمة الجنيه، على الرغم من نصائح من كبار خبراء الاقتصاد بعدم فعل ذلك، وتقديمهم بدائل أخرى تعالج الأزمة على المدى الزمني المتوسط.
ولفتت إلى أن "رفض النظام لنصائح الخبراء الوطنيين في مسألة الاقتصاد، واتباع السياسات التي يتم وضعها بالخارج، من قبل الدول الكبرى والهيئات مثل صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي وغيرها من المؤسسات، ليس الرفض الأول من نوعه، إذ أنه حدث تقريبا في جميع الملفات المتصلة بالأمن القومي للبلاد، بما فيها قضية المياه والعلاقة مع إسرائيل.
ويبقى الأخطر من بيع الأصول المصرية للإمارات والسعودية، هو اتباع سياستهما تجاه إيران، ومعاداة طهران كما تفعل إسرائيل، فحتى وقت قريب، كانت تتمتع مصر بعلاقات عقلانية مع طهران، حافظت لها على بعض التوازن، لكنها إذا انخرطت بشكل قوي في المعسكر المُعادي لإيران، فإن ذلك سوف يكون في غير مصلحتها القومية.
ومع إصرار السيسي على السير في حذو إسرائيل والإمارات، فمن المتوقع استمرار الخلافات والأزمات الداخلية التي تضرب مفاصل النظام، حيث يحرص السفيه السيسي على الحصول على الكثير من المساعدات المالية من الكيانات الجدولية أو المانحين الإقليميين لتمرير أكبر أزمات الاقتصاد التي تضرب شعبية السيسي، وهو ما يقود مصر لمستنقع إسرائيل والإمارات المعروفة بالمقامرات السياسية بالمنطقة والإقليم، على حساب مصر وتقزيم دورها وهو ما قد يمهد لإزاحة السيسي من داخل نظامه لكي يحافظ على هيكل النظام، وهو ما قد يتوافق مع مطالب دولية أو أوربية وأمريكية ، باتت غير مطمئنة لمغامرات السيسي.